محاولة اغتيال القائد الوطني الكبير ابو علي مصطفى تأتي في سياق المسلسل الاجرامي الذي تشرف على تنفيذه حكومة شارون، في محاولة لقمع الانتفاضة ووضع حد للمقاومة من خلال سياسة البطش والقوة الاسرائيلية. واسرائيل تعتقد بأن هذه السياسة الاسرائيلية ستثني الشعب الفلسطيني عن مواصلة الانتفاضة والمقاومة كخيار استراتيجي، لكن النتيجة جاءت عكسية، فعمليات الاغتيال انعكست بشكل ايجابي على الشعب الفلسطيني وزادت تصميمه على مواصلة طريق الانتفاضة حتى انتزاع الاستقلال الفلسطيني، صحيح ان مواصلة الانتفاضة تحتاج الى المزيد من التضحيات لكنها ستبقى الخيار الاستراتيجي للشعب الفلسطيني لان الانتفاضة ستقود الى النصر المحتم. «الملف السياسي» التقى قيس عبد الكريم السامرائي «ابو ليلى» عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والرجل الثاني في الجبهة، ود. عبد العزيز الرنتيسي الناطق الرسمي باسم حركة المقاومة الاسلامية «حماس» في فلسطين. استراتيجية ثابتة ـ بعد اغتيال ابو علي مصطفى... هل بدأت اسرائيل تصفية الصف الاول من القادة السياسيين الفلسطينيين؟ ـ يقول ابو ليلى: هناك سلسة من المحاولات التي تستهدف القيادات الفلسطينية السياسية «من الصف الاول» فاغتيال الشهيدين جمال سليم وجمال منصور من حركة «حماس» بالاضافة الى الخسارة التي لحقت بالشعب الفلسطيني من خلال اغتيال القائد الوطني الكبير ابو علي مصطفى، كلها جرائم جديدة تضاف الى رصيد اسرائيل الارهابي، فالحزن يعتصر قلوب الشعب الفلسطيني، بسبب نجاح اسرائيل في تحقيق اهدافها «اغتيال المناضلين» فخسارة الشعب الفلسطيني كبيرة لان اسرائيل استطاعت ان تغتال القادة من مختلف الفصائل الوطنية والاسلامية، لكن هذه الاعمال الاسرائيلية الهمجية لا تؤثر على القرار السياسي لفصائل العمل الوطني والاسلامي، فالنضال الفلسطيني متواصل ضد العدوان الاسرائيلي، والجرائم الاسرائيلية تزيد من تصميم الشعب الفلسطيني الداعي لمواصلة الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية ضد اسرائيل حتى انتزاع الاستقلال والحرية. أما الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي، فيرد بقوله: هناك هدف واحد يكرس شارون وحكومته كل جهودهم لتحقيقه ألا وهو توفير الأمن لما يسمى بإسرائيل مع نسف كل التواقيع السابقة فيما جرى من مفاوضات عقيمة، وكان شارون يعتقد أنه الوحيد الذي في إمكانه خمد انفاس الانتفاضة وشل حركة المقاومة، فاستخدم لتحقيق ذلك كل الوسائل العسكرية واللاأخلاقية الممكنة ففشل فشلا مهينا، مما جعله يعيش حالة من التخبط، فسولت له نفسه أن يقوم بارهاب القيادات السياسية، فقام بمجزرة نابلس مستهدفا القيادة العليا لحماس، فإذا برد حماس يصعقه ويربكه مما جعله يغلق بيت الشرق ويسدد ضربات لمواقع للشرطة بعد ان تم تفريغها ردا على عملية حماس، ثم فاجأ الجميع بحماقة جديدة تمثلت في اغتيال أبي علي مصطفى أملاً في الضغط على القيادات السياسية في مختلف الفصائل بهدف تركيعها. وهنا نقف أمام احتمالين، إذا كان هناك رد على غرار عملية القدس فستكون نهاية التصفيات للصف الأول وليس بدايتها، وأما إن لم يتلق شارون ردا مناسبا فأخشى أن يغريه ذلك لاغتيال المزيد من قيادات الصف الاول. ـ التصعيد في حرب الاغتيالات، هل هو تحول استراتيجي في السياسة الإسرائيلية أم حالة استثنائية مؤقتة؟ ـ ابو ليلى: بالتأكيد انها ليست حالة استثنائية مؤقتة، فاسرائيل تحاول بكل الوسائل ايجاد حل عسكري لقمع الانتفاضة، احد ابرز عناصر الاستراتيجية الاسرائيلية هو تكتيك تنفيذ الاغتيالات المتبعة ضد القادة الفلسطينيين بالاضافة الى محاولات اقتحام المناطق الفلسطينية المحدودة، وقصف المقرات التابعة للسلطة الفلسطينية ومقرات الفصائل الوطنية والاسلامية، كما ان اسرائيل تفرض حصارا مشددا على الفلسطينيين بهدف تجويعهم، فاسرائيل تعتقد انه من خلال اتباع هذه السياسة والاستراتيجية يمكنهم وضع حد للانتفاضة بواسطة استخدام القوة العسكرية، لكن الاحداث ستثبت انه لا سبيل للوصول الى الامن والاستقرار الا بعد ان تسلم اسرائيل بحقوق الشعب الفلسطيني وترحل عن الاراضي التي تحتلها. ـ ومن جانبه يرد الرنتيسي: إن المتتبع لتاريخ هذا العدو الجبان سيجده حافلا بأخس الاعمال الإرهابية، ولقد كانت وما زالت سياسة الاغتيالات إحدى أهم استراتيجية في المواجهة، ولذلك سياسة الاغتيالات سياسة استراتيجية ثابتة راسخة خير ممثل للعقلية الصهيونية الإرهابية، ولا يمكن وصفها بأنها حالة استثنائية مؤقتة. تصدع الجدار الاسرائيلي ـ ما هي إمكانيات الفصائل الفلسطينية لمواجهة هذا التصعيد برد مماثل؟ ـ ابو ليلى: القوى الوطنية والاسلامية تبذل كل ما لديها من طاقة وامكانيات لتصعيد الانتفاضة بأشكالها «الجماهيرية، والتصدي الشعبي للجيش الاسرائيلي والمستوطنين» بالاضافة الى تصعيد المقاومة المسلحة ضد الاحتلال والمستوطنين. هذه الاشكال النضالية بدأت تحقق نجاحات للفلسطينيين، خاصة انه الان بدأ الجدار الاسرائيلي يتصعد وتأثر على الاقتصاد الاسرائيلي، كما اثرت الانتفاضة على معنويات الاسرائيليين، واصبحت حياتهم جحيماً، فالانتفاضة ستحدث في المستقبل تأثيرا على القرار السياسي الاسرائيلي فالمطلوب فلسطينيا هو التصعيد النوعي في النضال الوطني الفلسطيني، وهذا يحتاج الى انخراط السلطة الفلسطينية في قيامها بالتعبئة الوطنية الشاملة وتجنيد كل طاقات الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية والاسلامية ليستطيع مواجهة العدوان الاسرائيلي، فالشعب الفلسطيني يجب ان يكون مدرباً ومسلحاً ليستطيع ايقاع خسائر كبيرة بين صفوف العدو الاسرائيلي، ونجعله يدفع ثمن عدوانه وجرائمه على الشعب الفلسطيني. ويقول د. الرنتيسي: أنا اتوقع أن هناك إمكانية أكيدة لرد مماثل، رغم أن الأمر في النهاية يعود لمن هو أقدر على التقدير منى وأعني بذلك الأجهزة العسكرية، واعتقد أنهم سيبذلون جهودا كبيرة لتحقيق ذلك، لأن تحقيق ذلك يمثل اقصر الطرق لتوفير الأمن للفلسطينيين، فلا يعقل أبدا ان ينعم سياسيو العدو الصهيوني بالأمن في الوقت الذي يغتال فيه السياسيون الفلسطينيون في مكاتبهم. ـ ما هي انعكاسات ذلك سياسيا وأمنيا على المستويين المحلي والإقليمي خاصة في غياب موقف عربي واضح وحاسم لردع إسرائيل أو لدعم الفلسطينيين؟ ـ ابو ليلى: الشعب الفلسطيني قرر ان يواصل معركته مع الاحتلال الاسرائيلي حتى النهاية والنهاية هي النصر لان اسرائيل لا تستطيع ابادة الشعب الفلسطيني حتى لو بقي وحيدا في المعركة ولكن نحن على ثقة ان الشعب الفلسطيني لن يبقى وحيدا في المعركة، فالشعوب العربية والاسلامية اخذت بالتململ وكل الاحرار في العالم يتململون لنصرة الشعب الفلسطيني، فالصمت والعجز الحالي حالة مؤقتة فالجماهير العربية ستعرض موقفا عربيا اكثر حرية وحرقة في التصدي للعدوان الاسرائيلي وسيقدمون الدعم للمقاومة الفلسطينية. ويقول الرنتيسي: على المستويين السياسي والامني محليا وإقليميا تتعمق الهوة بين الانظمة والشعوب، فمحليا أصبح الحديث عن المفاوضات واللقاءات الأمنية وما يسمى بالعملية السلمية مرفوضا رفضا قاطعا من الشعب الفلسطيني، وهذا يعني ان خيار التسوية سقط الى الابد مما يعزز خيار المقاومة كخيار وحيد يتبناه الشعب الفلسطيني ويؤمن به، وهذا يعني استمرار المقاومة، وتصعيد المواجهة مع العدو، مما سيؤدي حتما الى انعكاسات اقليمية قد تتمثل سياسيا في تغيير الخارطة السياسية في المنطقة. حتمية المواجهة ـ ما هي انعكاسات هذا الوضع على المصالح الامريكية في الدول العربية والاسلامية؟ ـ ابو ليلى: ابرز ما ينبغي ان تقدم عليه الدول العربية والاسلامية، هو اشعار الولايات المتحدة الامريكية بأن استمرار موقفها السياسي الداعم والمنحاز لاسرائيل وامريكا تزود اسرائيل بكل وسائل القتال العسكرية، وامريكا تقدم الدعم والغطاء السياسي لاسرائيل، فالمطلوب من العرب ان يقوموا باشعار امريكا بأن موقفها المنحاز إسرائيل يمكن ان ينعكس سلبا على مصالح امريكا وبامكان الدول العربية ان تتخذ اجراءات ملموسة في هذا الاتجاه، فالاجراءات اتخذت في السابق وكانت ذات تأثير وردع. أما عبدالعزيز الرنتيسي فيؤكد: ان المتضرر الاكبر على المدى البعيد في المنطقة هو الولايات المتحدة الامريكية، خاصة انها تعلن انحيازها التام للعدو الصهيوني وتحديها بذلك لمشاعر شعوبنا العربية والاسلامية، فهي لا تدعم الكيان الصهيوني فقط بل تقف معه في خندق واحد مما جعلها مرفوضة رفضا تاما من شعوب المنطقة، والعداء لامريكا يتجذر يوما بعد يوم، مما جعل الشعوب تنظر الى ان التقارب مع امريكا يتناقض مع المصالح الوطنية وهذا مما لا شك انه يضعف القادة والانظمة التي تدور في فلك امريكا في المنطقة. ـ هل يمكن ان تصل تداعيات هذا التطور الجديد الى حد المواجهة بين العرب واسرائيل؟ ـ ابو ليلى: لا شك ان استمرار الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بأشكاله الملتهبة الحالية، يمكن ان تكون له انعكاسات اقليمية لا نستطيع التنبؤ بمداها، لكن على عواصم القرار ان تأخذ هذه الاحتمالات بجدية فالطموح العدواني لحكومة شارون ليس له حدود، وتهوره ليس له حدود، وهذا كفيل بأن يشعل حربا تلتهم نيرانها المنطقة بكاملها اذا لم يوضع حد لشارون ولم يردع ردعا حقيقيا، من خلال تحقيق القطيعة الكاملة مع اسرائيل، بقطع كل العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، والضغط على مصالح امريكا في المنطقة لحملها على اتخاذ موقف اكثر حيادا واقل انحيازا للعدوان الاسرائيلي. ويرى الرنتيسي من جانبه ان: المواجهة الشاملة قادمة لا محالة، لاننا امام حالة صراع لا تقبل الالتقاء في منتصف الطريق، فمن يستطيع ان يقنع العرب والمسلمين ان يتخلوا عن جزء مقدس من ارض المسلمين؟، ومن يمكنه اقناع المسلمين بالتخلي عن المسجد الاقصى ليبنى على انقاضه الهيكل المزعوم؟ حوار: عبدالرحيم الريماوي