بينما تشتعل المواجهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية داخل الارض المحتلة، تنشغل الصحف الإسرائيلية بما اسمته الخطر المصري وصفقات السلاح التي تتم بين القاهرة وواشنطن. والفرق كبير بين ما يمكن ان يدور على المسرح الفلسطيني، والمسرح المصري.. فالأول يعتمد على العمل الفدائي وعلى الكر والفر وتوازن الرعب بين قوات نظامية إسرائيلية تملك قوة البطش، وقوات غير نظامية فلسطينية تملك قوة المفاجأة وحق ممارسة الحرب «بالعينة» في مكان لا يتوقعه العدو وبما يحدث رعبا دائماً حتى لو ان خسائره المادية والبشرية محدودة. على النقيض من ذلك يأتي المسرح المصري ـ الإسرائيلي ان جاز التعبير مختلفاً تمام الاختلاف، فهي مواجهة ـ ان تمت ـ فإنما تدور بين جيوش نظامية سلاحها التفوق وقوة النيران ودقة المعلومات وامكانية الاختراق. هي حرب أخرى، ان جرت.. وهي حسابات مختلفة تتم اليوم وغداً، وفي كل لحظة فمعاهدة السلام كما تعتقد كل الاطراف ليست نهاية التاريخ.. بل ان تقديرات المخابرات الإسرائيلية ـ كما تقول «هآرتس» انه نتيجة للكراهية التي تنتشر في الشارع المصري.. فإنه قد ينشأ ضغط على الحكومة، وينشأ موقف لا يمكن السيطرة عليه، كما حدث عام 1967.. أي انها الحرب، والتي تقول دوائر المخابرات الإسرائيلية أيضاً ان مصر تستعد لها، فإن لم يكن الخطر عاجلاً.. هو في اجل قريب. هكذا ينظرون للأمور في إسرائيل، ومن ثم يثيرون الضجة على التسليح الامريكي لمصر. الإسرائيليون قلقون من الصواريخ المصرية، فهي ـ اكثر من غيرها ـ قادرة على عبور سيناء واصابة إسرائيل.. انها سلاح لا يحتاج إلى طائرة تحميه او دبابة تقوده.. بل انه قد يتجاوز الحسابات الاستراتيجية التي تراعي التوازن العسكري، فيخرج صاروخ يصيب إسرائيل، كما حدث من حزب الله، وكما حدث من بغداد اثناء حرب الخليج، وكما يخشاه الإسرائيليون من الصواريخ السورية. الصواريخ هي صيحة العصر العسكرية، ومقال «آمنون بارزيلاي» في «هآرتس» يوم 27 اغسطس الماضي يشير لانباء امتلاك مصر لصواريخ كورية من طراز «نودونج»، أرض ـ ارض».. ويشير أكثر لما تعطيه الولايات المتحدة لمصر من صواريخ «هاربون»، وصواريخ «باترويوت».. وهي صواريخ تنطلق من المقاتلات، أو من البحر، أو من البر. وهكذا تنطلق في إسرائيل تحذيرات من القوة العسكرية المصرية رغم الاعتراف بأن هناك تفوقاً نووياً إسرائيلياً.. ولكن لأن «الغد غير مأمون»، ولأن مصدر السلاح ـ في جزء كبير منه ـ أمريكي فالتحذيرات تتزايد والمطالبات الإسرائيلية سواء في عهد نتانياهو أو شارون تحاول ان تضغط على الإدارة الامريكية. اما حملة الدعاية ـ والتي تستهدف الرأي العام الإسرائيلي وربما الرأي العام الامريكي أيضاً ـ فهي تبالغ، وتغالط. في المقال المذكور، تقدير لميزانية الدفاع المصرية وهو تقدير يصل إلى 20 مليار دولار سنوياً.. أي ما يقترب من مجموع ميزانية مصر كلها في عام! وفي المقال اشارة للمساعدات العسكرية الامريكية لمصر والتي تصل وفق المنشور إلى 36 مليار دولار حصلت عليها مصر في شكل أسلحة ومساعدات عسكرية منذ توقيع اتفاقية السلام عام 1979.. وصحة الرقم انه يقل عن الثلاثين ملياراً او بواقع 1.3 مليار دولار سنويا يذهب جزء كبير منها في غير اغراض التسليح. وقد بدأت المساعدات برقم أقل من ذلك؟ السؤال: فيم توجه هذه المساعدات، وأي قدر من تعزيز القوة تحدثه لمصر؟ ـ يضرب كاتب المقال مثلاً الاتفاق بين مصر وامريكا لتسليح كتيبتين بالجيش المصري بالصواريخ التي يصل مداها إلى اربعين كيلومترا، وهو مدى صغير في كل الاحوال.. أي ان الحديث هنا هزل في موقع الجد. ولكن وفقاً للصحيفة الإسرائيلية فإن مصنع الدبابات الذي اقيم بجهد مصري ـ امريكي مشترك والذي ينتج الدبابة ابرامز قدم للجيش المصري «555» دبابة وسوف يصل العدد إلى 750 دبابة عام 2007.. كذلك فقد زودت الولايات المتحدة مصر بـ 224 طائرة أف ـ 16. هكذا تحاول الصحافة الإسرائيلية، ومن ورائها المخابرات الإسرائيلية احصاء ما يدخل مصر، وما تعطيه واشنطن التي ترفض بدورها ـ كما تقول «هآرتس» تزويد إسرائيل بمعلومات كافية حول هذا الموضوع، بل انها تكتفي بالقول انها تعطي مصر ما يكفي للدفاع والردع وليس للهجوم. في كل الاحوال فنحن امام اسئلة اساسية حول التوازن المصري ـ الإسرائيلي.. ومدى تأثيره على مجريات الأمور. وقد يدخل في ذلك جدوى الحصول على سلاح من مصدر يقول انه يريد التفوق النوعي للخصم: اسرائيل؟ ولا يستطيع كاتب سياسي أن يحسم الامر تماماً، ولكن ما يتوافر من معلومات يقول: 1 ـ ان القوة التي تملكها مصر، والتي يفترض ان تكون الاكبر عربيا، قوة مختلطة لا تعتمد على مصدر واحد.. فإذا كان التسليح في جزء كبير منه امريكيا، فإن اجزاء اخرى ـ ووفق ما تعلنه الجهات العسكرية المصرية ـ يأتي من مصادر مختلفة، بالاضافة للانتاج المحلي والرصيد السوفييتي القديم. ومن ثم فإن سد النقص في السلاح الذي تقدمه أمريكا.. أمر وارد؟ 2 ـ انه في كل الاحوال وبصرف النظر عن النوايا فإن جيش المليون المصري «قوات عاملة واحتياطي» قادر على تحقيق الردع، أي انه يحمي الحدود المصرية ضد أي مغامرة إسرائيلية في سيناء أو غير سيناء.. ومازالت عقيدة المقاتل المصري ان إسرائيل هي العدو. 3 ـ ان الحرب قد تفرض نفسها اليوم أو غداً، وحينذاك سوف تكون هناك ميزات نسبية لإسرائيل وهي تفوقها النووي، وتفوقها في اجهزة المعلومات والتجسس، وتفوقها بالقرب من سيناء.. فالمناطق منزوعة السلاح على الارض المصرية اضعاف ما هو مقرر على الجانب الإسرائيلي، وان كان الرد المنطقي على ذلك بأن 72 ساعة زمن كافية لتغيير هذا الواقع واحتلال سيناء بواسطة قوات مصرية وهناك القوة الجوية الثانية للحماية والصواريخ الكفيلة بالتعامل. 4 ـ سوف تبقى قضية الأسلحة البيولوجية والكيمياوية سرا، لكن مصر ـ وطبقاً للتقارير الدولية ـ تملك هذه الامكانية.. وهو ما يعني انها تملك سلاح الفقراء الذي يواجه سلاح الأغنياء النووي. وتبقى قضية العمق الإسرائيلي الذي لا يحتمل ما يحتمله العمق المصري الكبير. أما السؤال المعلق فهو: ماذا تفعل مصر اذا تم اجتياح أراضي السلطة الفلسطينية، أو تدفق اللاجئون الفلسطينيون ـ نتيجة الإرهاب الإسرائيلي ـ على الحدود المصرية؟ كما يبقى السؤال أيضاً: وماذا تفعل مصر لو اتسع نطاق الحرب الإسرائيلية لتشمل لبنان أو سوريا؟ في كل الاحوال، سوف يبقى للاستعداد العسكري وزنه.. سلماً أم حرباً، على الجبهة المصرية، أو على الجبهات العربية، والا لما كان هناك قلق إسرائيلي.