أبرزت الأحداث اللبنانية الأخيرة عمق الأزمة التي يتخبط بها مسيحيو لبنان ان لجهة علاقاتهم بعضهم ببعض، وان لجهة علاقاتهم بالنسبة للدولة اللبنانية. لقد خرج حزبا «القوات اللبنانية» و«العونيين» منهكين من المواجهات الأخيرة، وتراجعت قدراتهما على العمل والتأثير. اما «قرنة شهوان» التي تضم النواب والسياسيين المسيحيين المعارضين فانها في حالة ارباك بعد الهجوم الذي شنه عليها ميشال عون، وبعد الانقسامات التي عصفت بها نتيجة موقفها من رئيس الجمهورية اميل لحود. فهناك من يريد الحوار المفتوح مع رئيس الجمهورية، وهناك من يريد الحوار المشروط. يبقى حزب الكتائب اللبنانية، وهو الحزب التاريخي عند المسيحيين، فانه يعاني من انقسامات داخلية مزمنة عسى ان تحلها الانتخابات المقرر اجراؤها في الرابع من شهر أكتوبر المقبل. هذا المشهد المسيحي يدل على وجود خلاف عميق داخل الوسط المسيحي حول العلاقة بالدولة اللبنانية، وينقسم المسيحيون ثلاثة فرق: فريق مقاطع، وفريق معارض، وفريق محبط. الفريق المقاطع هو بامتياز الفريق العوني الذي يطعن بشرعية الحكم اللبناني ويطالب بانسحاب الجيش السوري على الفور، وقد هاجم المعارضة المسيحية المتمثلة «بلقاء قرنة شهوان» لمجرد انها وافقت على الحوار مع رئيس الجمهورية. انه موقف التطرف الذي لا يقود الا للانتحار او الاستسلام، وفي الحالين الغاء للدور المسيحي في لبنان وفي الشرق الأوسط. الفريق المعارض هو بامتياز فريق «قرنة شهوان» الذي يتبنى طروحات البطريرك الماروني ويحاول ان يترجمها في السياسة اليومية. غير ان البطريرك الذي يبدو صلباً في مواقفه إلى أقصى الحدود لم يتردد في ان يدفع بالمعارضة المسيحية الى الحوار مع رئيس الجمهورية. فهو يعترف باتفاق الطائف وبالشرعية المنبثقة عنه ويطالب بتطبيق كل بنوده ويحتج على كل تجاوزات السلطة. انه موقف يتسم بالصلابة المرنة، لا يغلق باب الحوار لكنه لا يحيد عن الأهداف، وهو يدرك ان الغطاء الشرعي لمسيحيي لبنان يتمثل برئيس الجمهورية. اما الفريق الأخير فهو فريق الاحباط ويتمثل بالشباب بامتياز الذي يعانون صعوبة العيش، وهم قلقون على المستقبل، وباطلون عن العمل في الحاضر. انهم الخسارة الاكبر التي يصاب بها الوطن، يهاجرون ليس طلباً للمال ليعودوا، بل طلباً لحياة اخرى وهرباً من واقع مرير. الهجرة الحالية ليست هجرة مؤقتة، بل هجرة نهائية لا عودة بعدها. المقاطعة قد تتحول إلى معارضة، والمعارضة قد تتحول إلى موالاة، لكن المهاجرين الحاليين لن يعودوا ولا عوض عنهم، ولا بديل. المسيحيون اللبنانيون يفتشون عن دور جديد في لبنان والشرق الاوسط. انهم على المحك: فاما ان يخترعوا دوراً جديداً لهم، واما ان يتحولوا إلى لاجئين جدد. قدر المسيحيين اللبنانيين ان يكونوا رواد النهضة العربية، ورأس رمح في الحركة العربية الثقافية. وكل من يفكر بأقل من هذا الدور يكون كمن يقزم المسيحيين. وكل من يقدم عليه هو من ينقذ المسيحيين وينهض الوطن ويبني الدولة.