منذ يونيو الماضي اخذ نجم السيناتور جيسي هيلمز يخبو شيئا فشيئا، وذلك بعد ان تمكن الديمقراطيون من ان يزحزحوه عن مقعده الشامخ في رئاسة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ. لقد تمكن الديمقراطيون من احراز ذلك النصر عليه، بعد ان قام السيناتور الجمهوري جيمس جيفورز باعلان تخليه عن عقيدته الجمهورية والتزامه منبر الحياد والاستقلال، وبذلك اختل التوازن الحزبي بمجلس الشيوخ لصالح الديمقراطيين 50ـ 49 واستطاعوا بذلك ان يحتلوا قيادة معظم اللجان النافذة فيه وعلى رأسها لجنة الشئون الخارجية التي تشارك رئيس الجمهورية في رسم سياسات امريكا الخارجية. ماو.. الأمريكي! وكان جيسي هيلمز قد استمرأ لعب ذلك الدور طوال السنوات الاخيرة، ومارس عناده فيه بأشد ما يمكن ان يمارس العناد في تلك الشئون، غير عابيء بنقد من ينتقد، ولا احتجاج من يحتج وكانت المباديء التي يتشبث بها تعتبر في نظره هي المباديء الصحيحة وما سواها ففيه نظر، ويتطلب اعادة نظر، ولذلك فما على من ينتقدوه او يحتجوا عليه او يختلفوا معه الا ان يعدلوا من مذاهبهم وآرائهم ليتفقوا معه. قاد هيلمز تكتل غلاة اليمين الجمهوري المحافظ ذا النزعة الدينية «البابتستية» لقرابة الثلاثين عاما بأروقة مجلس الشيوخ، ولان المعارضة اسهل من الابداع فقد ادمن تنفيذ احلامه المغالية من خلال الاعتراض على السياسات المعتدلة، التي كان يحلو له ان يسميها بالسياسات الليبرالية. وفي هذا السياق الطويل ابدى اشد اعتراضاته على السياسات الواقعية، التي قادها كيسنجر للتفاهم مع الدول الشيوعية، بشأن تحديد الاسلحة النووية كما شن هجوما متواصلا على ما سماه بالنزعة «الانفتاحية» العالمية للسياسة الامريكية، او ما يسمى حاليا بـ «العولمة» وذلك مع انه شخص لايفقه في شئون العالم شيئا كثيرا، ولم يزر اي قطر خارجي، سوى مرة واحدة، وحينها لم يبعد النجعة كثيرا اذ كانت قبلته هي المكسيك التي يفصلها مجرد سلك شائك عن ولاية تكساس! وفي عدم معرفة هيلمز بالعالم الخارجي كان يكمن احد اسرار تصلبه في مواقفه الايديولوجية ذات النزعة الدينية القدرية تماما كما كان ماوتسي تونج الصيني الذي لم يخرج من بلاده الا مرة واحدة في زيارة عبر الحدود لموسكو، في عام 1950، وهي الزيارة التي خيبت آماله كثيرا وعززت في طواياه نزعة الشك في الغرباء ودعته لان يسود الصين ايديولوجيا ـ من خلال الثورة الثقافية بأصلب وأمنع مما فعل الاباطرة التاريخيون، الذين شادوا سور الصين العظيم. وهكذا اتخذ جيسي هيلمز مواقفه المتشددة من الامم المتحدة ومن برنامج المعونات الخارجية الامريكية، ومن اتفاقيات الحد من الاسلحة الاستراتيجية، والكيميائية، وغير ذلك من السياسات التي اعتقد انها اتخذت مهادنة ومجاملة للعالم وانها تضر بالمصالح الامريكية الضرر الابلغ. الانسحاب من الأمم المتحدة موقفه من الامم المتحدة كان الاكثر تعنتا اذ دعا صراحة الى انسحاب الولايات والى ان تبادر الولايات المتحدة بانشاء منظمة عالمية بديلة، مبرأة من سلبيات الامم المتحدة ولا تضم في عضويتها الا الدول الديمقراطية وحسب. اضطر هيلمز لاتخاذ ذلك الموقف الصارم بعدما فشلت كل محاولات علاج اخطاء الامم المتحدة وبعد ان مر وقت كاف منذ ان اصدر الكونجرس قرار كاسيبايوم ـ سولومون، الذي ارسل اشارة قوية، لايمكن ان تكون الامم المتحدة قد اخطأت قراءتها وهي الاشارة التحذيرية التي خيرت المنظمة العالمية بأن تشرع فورا في اصلاح نفسها او ان تتهيأ للفناء ولكن كما يقول المتعجل هيلمز، فقد مرت عشر سنوات ولم تصلح المنظمة من شأنها شيئا ولم تمت، ولذا لم يبق امام الولايات المتحدة الا ان تنفض يدها عنها، وعن بقية دول العالم التي لاتدور في الفلك الامريكي وان تقطع عنها كافة انواع المعونات الاقتصادية والفنية لان تلك المساعدات لا يتأتى عنها الا تقوية دول تناصب امريكا العداء. وعلى صعيد الدول الكبرى وقف هيلمز حائلا دون ان يقوم كلينتون في آخر شهر له في السلطة ـ بتوقيع اي اتفاقية للحد من الاسلحة الصاروخية، قائلا ان اي اتفاقية من ذلك النوع ستكبل امريكا بالتزامات تعوق قدرتها في انشاء دفاعات صاروخية محكمة ويومها استخدم هيلمز عبارات غليظة في السخرية غير الموضوعية من كلينتون قائلا ان هذا الرئيس بكل هواياته الاستعراضية وحبه للنجومية، لن يترك البيت الابيض بدون ان يقوم بتوقيع اتفاقية للحد من الاسلحة الاستراتيجية، فيكون بذلك هو الرئيس الامريكي الوحيد الذي لم يفعل ذلك من عهد بعيد انه لن يغفل عن ذلك، ولن يزهد فيه طرفة عين ولكنا له بالمرصاد، وانا لنعده بأنه لن ينعم بذلك المجد ابدا واننا لن نسمح له ان يخلد نفسه بصورة فوتوغرافية ليوم توقيع مشئوم يفتح ثغرة ـ تتسع تباعا ـ في امن الاجيال الامريكية القادمة. زعم هيلمز ان اتفاقية الحد من الاسلحة الصاروخية التي وقعت مع الاتحاد السوفييتي في عام 1972 لم تعد ملزمة للولايات المتحدة وذلك لسبب بسيط هو ان الاتحاد السوفييتي نفسه لم يعد له وجود، اما روسيا التي تدعي وراثتها للامبراطورية التالفة وتتشبث باتفاقية 1972، فينبغي اعطاؤها خيارا واحدا، وهو توقيع اتفاقية جديدة تماما معها، تسمح لامريكا ان تفعل ما تشاء في سبيل بناء دفاعها الصاروخي الخاص. التهديد بالقتل ادى ذلك الموقف المتشدد من هيلمز الى إلجام اتجاه كلينتون نحو تجديد اتفاقية الحد من الاسلحة الصاروخية وذلك عندما هدده صراحة بأن اي تجديد رئاسي للاتفاقية سيلاقي حتفه في مجلس الشيوخ، وبذلك فتح هيلمز المجال للحكومة الامريكية الحاضرة للمضي قدما في خطواتها الجريئة لانقاذ برنامج الدرع الصاروخية. اسلوب التهديد بقتل قرارات الرئيس عند وصولها الى منصة مجلس الشيوخ هو اسلوبه المفضل وهو يرمز اليه باختصار بحروف ثلاثة: D.O.A «اي الموت عند الوصول» ان هيلمز قلّما افلح في اتخاذ موقف صارم عن غير ذلك السبيل، انه سلبي جدا فهو رافض ومعارض ومعوق ومثبط من الدرجة الاولى، ولم يشتهر الا بتبني القليل من القرارات او المبادرة بها، ولعل اشهر ما علق باسمه هو قانون بيرتون ـ هيلمز للمقاطعة الاقتصادية لكوبا، ولولا ان ذلك الامر ينال في العادة اجماع الاصوات لما استطاع ان يبتدره ولو بالمشاركة مع نائب آخر. ان هيلمز يمثل اقلية ضئيلة بمجلس الشيوخ، ولكنها اقلية عالية الصوت، نفتعل كثيرا من الضجيج، وتثير كثيرا من العجيج وربما اكتسبت تلك الاقلية المتطرفة ذلك الاسلوب من خبرات عملها بالصحافة ولعل علو اصواتها في العمل الاعلامي، هو الذي ادى بها للوصول الى المنابر التشريعية فأدمنت من ثم اسلوب رفع الصوت، بالتعليق الساخر والاعتراض الساخر. عمل جيسي هيلمز مذيعا بتلفزيون W R A L بمدينة رالي بولاية كارولينا الشمالية، ما بين عامي 1960ـ 1972 وهي فترة حفلت بكثير من مظاهر الصراع الايديولوجي العالمي، وشهدت قمة معارك حرب فيتنام، وقد كان صوت هيلمز احد اقوى الاصوات التحريضية من خلال تلك الفترة المشتعلة، وقد أنالته قدراته اللفظية اعجاب كثير من مواطنيه، فصوتوا له عندما رشح نفسه لمجلس الشيوخ في 1972 ومازالوا يصوتون له في كل مرة منذ ذلك الحين. لكن الغريب ان هيلمز لم يحرز في اي مرة من المرات الخمس التي فاز فيها اكثر من 55% من جملة اصوات الناخبين وفي آخر مرة فاز بأغلبية بسيطة اذ لم يحرز اكثر من 53% من جملة اصوات الناخبين وقد كان الديمقراطيون يعدون العدة لهزيمته في الدورة الانتخابية المقبلة في عام 2003 لولا انه استبقهم واعلن عدم نيته خوض تلك المعركة وان كان قد حرص على استخدام الالفاظ المرة التي اشتهر بها قائلا انه يعلن عن عدم خوضه للانتخابات المقبلة في عام 2003 لا عن استقالته الآن ولم ينس ان يدعم قولته بشعر اشد مضاضة استعاره من شاعر الاستعمار البريطاني الكبير ريوديار كبلنخ لعله استعاره هو الآخر من شاعر العربية الاكبر ابي الطيب: واذا كانت النفوس كبارا.. تعبت في مرادها الاجسام!! تعب جيسي هيلمز اخيرا، ولكن بعد ان اتعب خصومه جميعا، آخر معاركه خارجيا كانت مع الصين، اذ عمل جهده على منعها من استضافة دورة الاولمبياد في عام 2008 قائلا: يجب ان نتذكر ان هتلر كان قد استضاف الاولمبياد في اواخر الثلاثينيات ثم اخذ يغزو الدول تباعا، وان بريجنيف قد استضاف الاولمبياد في اواخر السبعينيات ثم غزا افغانستان، وهذا ما تخشى ان تفعله الصين غبّ استضافتها للاولمبياد. اما آخر معاركه داخليا فقد كانت مع بوش الابن، اذ استخدم معه اسلوب Death on Arrival فأوقف تعيين عدد من مرشحيه للمناصب العليا بوزارة الخزانة حتى يستجيب لتعديل عدد من الاتفاقيات التجارية مع دول الكاريبي، رأى هيلمز انها ألحقت حيفا بالطرف الامريكي. د. محمد وقيع الله