ذات عام في الثمانينيات طلبت بعض البلدان العربية من دولة افريقية ان تقطع علاقتها باسرائيل، وجاء رد هذه الدولة الافريقية حاداً وغير متوقع، فلم يتخف الرد وراء عبارات دبلوماسية مألوفة ولكنه جاء على الشكل التالي:«حسناً ولكن لماذا لا تطلبوا من البلدان العربية التي تقيم علاقات مع اسرائيل أن تقطع علاقتها أولاً وبعدها تطلبوا منا ذلك»؟! تذكرت هذا النموذج الموحي وشديد الدلالة، وأنا أتابع الشد والجذب بين العرب من جهة وأمريكا واسرائيل وبعض البلدان الأوروبية من جهة اخرى حول مؤتمر دوربان بشأن ادراج مسألة مساواة الصهيونية بالعنصرية. ويبدو أننا سنظل لفترة طويلة نعاني من ألغاز السياسة الرسمية العربية، فكيف نحاول كعرب ان نقنع العالم بعدالة قضيتنا ونطالبهم بالتصويت لصالح قرار دمغ الصهيونية بالعنصرية، ونحن كعرب يقيم بعضنا علاقات دبلوماسية كاملة مع هذه الدولة العنصرية، وبعضنا الأخر يفتح مكاتب اتصال، وبعضنا الثالث يفضل العلاقات السفلية غير المعلنة مع هذا الكيان؟! نعرف جميعاً أن العرب نجحوا في منتصف السبعينيات عندما كان هناك حد ادنى من التضامن في اقناع العالم بالتصويت على اعتبار الصهيونية حركة عنصرية، لكن العرب ايضا ـ وأقصد هنا الحكومات الرسمية ـ هي التي سارعت تحت الضغط الأمريكي وأوهام ما بعد مؤتمر مدريد الى التصويت في الأمم المتحدة على الغاء قرارها السابق، ثم صوتت هذه البلدان العربية بقرار رسمي على الغاء مقاطعة اسرائيل اقتصادياً وخاصة في الشق المتعلق بالشركات التي تتعامل معها. واذا تعمقنا أكثر في دهاليز وألغاز السياسة العربية سوف نكتشف ان هناك خطاباً رسمياً مزيفاً يتم تقديمه للجماهير والشعوب خاصة عندما يتعلق الأمر بالموقف الحقيقي من أمريكا واسرائيل، وبجواره موقف تحتي غير معلن هو الذي يجري اعتماده، وربما كان ذلك هو السبب في فشل كل المؤتمرات العربية من اجتماعات القمة حتى لقاءات الخبراء. وربما ايضا يمكننا ان نفسر لماذا لا تغضب أمريكا واسرائيل من كل الجعجعات الصوتية والبلاغية التي تمتلئ بها بيانات مؤتمراتنا العربية. وعندما تقول بعض البلدان العربية التي تقيم علاقات او اتصالات مع الكيان الصهيوني ان هذا الكيان هو عصابة تقتل الناس أو مافيا تحكم دولة، فكيف تستطيع ان تقنعنا باستمرار علاقتها بهذه العصابة أو المافيا؟ وكيف يمكن لدولة ان تؤثر في عصابة عبر الادوات الدبلوماسية العادية، فالمفترض ان العصابة لا ترتدع الا بلغة القوة، والمافيا لا تنهار الا باجراءات غير عادية، ليست من بينها العلاقات الدبلوماسية! علينا ان نواجه الأمور بجدية وصراحة ونتوقف عن سياسة التهريج ولا نطالب الاخرين باعتبار الصهيونية حركة عنصرية، في حين اننا كعرب مستمرون في السماح لعلمها العنصري بأن يرفرف في سمائنا، وبعضنا أصبح ينظر لفائدة استمرار العلاقات!! عماد الدين حسين