يخطو العالم خطواته الواسعة نحو التعبير عن متغيرات تاريخية وايديولوجية وما رافقهما من تقدم تقني وتحضر أخلاقي في قراره بعقد مؤتمره في جنوب أفريقيا ليبحث العنصرية بقصد القضاء عليها، واعتقد أن البحث سوف يتناول قضايا حقوق الإنسان وقيمة الانسان وانسانيته التي تميزه عن المخلوقات الأخرى. وفي البدء نتوجه بسؤالنا لماذا كان اختيار جنوب افريقيا؟ هل ينوي العالم المناهض للعنصرية أن يرى أثار السياط على جسم نيلسون مانديلا؟ أم يريد العالم أن يؤكد أن العنصرية سوف تندحر نهائياً وسوف ينتصر العقل المتحضر على العقول المتوحشة التي امتلكت القوة الجهنمية الساعية لتدمير البشرية؟. أم هي معركة ثأرية للقرار (3379) ؟ والاجابة عن هذه الاسئلة تندرج في هذه الحقائق التي نتوجه بها إلى المؤتمر: عنصرية التوراة ورد في معجم اكسفورد: «مذهب العصمة الحرفية القائم على أن الكتاب المقدس معصوم من الخطأ لا في القضايا العقائدية والاخلاقية فحسب.بل في كل ما يتعلق بالتاريخ ومسائل الغيب. وورد في دائرة المعارف الامريكية تعريفاً للاصولية بأنها: «حركة الفية بروتستنتية محافظة» . هذه التعاريف الخاطئة تكذبها التوراة نفسها ونحن نقرأ وصية ابراهيم إلى عبده كبير بيته، ويستحلفه أن يزوج ابنه اسحق من أهله وعشيرته. أ- «فاستحلفك بالرب إله السماء وإله الأرض ألا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن بينهم. تكوين 24 :4». ب- وحدث في تلك الايام لما كبُر موسى أنه خرج إلى إخوانه لِينظُر في اثقالهم. فرأى رجلاً مصرياً يضرب رجلاً عبرانياً من أخوته. فالتفت إلى هنا وهناك ورأى أن ليس أحدٌ فقتل المصري وطمره في الرمل. خروج 2: 11، 12، 13. وفي تفسير سفر حزقيال نفهم تحريم الاختلاط بالشعوب والأمم الأخرى لأنها بهائم -حيوانات- وجاء هذا المنع والتحريم من الإله الغيور على نقاء دم قبيلته. فهو إله القبيلة وليس كما يريد حزقيال إلهاً أممياً، لجميع الأمم والشعوب، فغضب الاله على أهوليته لأنها اعطت رحمها لغير اليهود يدنسونه. أما ما ورد في تلمودهم فهو أكثر عنصرية عندما يفلسف دخول الروح أو انتقالها بطريقة تناسخية عجيبة تخص اليهودي وحده، أما غير اليهودي فيقول التلمود عنه: محرم على اليهودي أن ينجي أحداً من الأمميين من الهلاك. توارث اليهود عبر اجيالهم الطويلة هذه العقلية المأساوية التي سببت كره الشعوب واحتقارها لهم وراحت تسعى للخلاص والتخلص من شرورهم وفسادهم، وطريقتهم في التجارة والربا. وفي التاريخ الحديث نقرأ مقولة المارشال العنصري الصهيوني ايان سميث رئيس وزراء جنوب افريقيا أيام النظام العنصري: «السكان الوطنيين لهم أبسط العقول، ولا يفهمون سوى أبسط الأفكار والمثل، ويشبهون الحيوانات تقريباً في بساطة عقولهم وعاداتهم» وان لا حق لهم بالحرية، فهم لا يعرفون الحضارة، ولم يساهموا في البناء الحضاري الانساني. ولم يكن في استطاعته -سمتس- أن يتحدث عن الحرية سوى في قرنية فصل الأعراق، فحرية الرجل الأبيض كانت متميزة عن الرجل الأسود. مظاهر العنصرية الصهيونية ومن المعروف ان بن جوريون قد رفض حمل الهوية الإسرائيلية لأنها تتضمن كتابة بالعربية إضافة إلى العبرية، والملاحظ للسياسة الداخلية لدولة الكيان الصهيوني يرى كيف تتدهور الحياة الديمقراطية وتصاعد نزعات الفاشية والعنصرية ويتأكد كل يوم أن هذا الكيان قام ولا يزال على أنه دولة لليهود شديدة اللصوق بالصهيونية. وإذا كان هذا الكيان قد بلور مفهوم الدولة اليهودية لليهود دون سواهم من جميع المواطنين الأخرين، فإن ذلك قد انحرف باتجاهات عنصرية أكثر مأساوية ليس بالنسبة للعرب فحسب بل على كل الملونيين غير الغربيين من اليهود ونعني بذلك أن الدولة اليهودية هي لليهود الاشكناز، وكانت «جولدا مائير» تردد: «أن اليهودي هو من يتكلم «الييديش» وهو اليهودي الاشكنازي الغربي». إن دراسة وضع العرب ومستوى حياتهم المعيشية حيث إلى نسبة 46% من العائلات العربية تعيش تحت خط الفقر مقارنة بنسبة 8% في المجتمع اليهودي الصهيوني تدل صراحة على سياسة دولة الكيان العنصرية فضلا عن تجريد العرب من أراضيهم وعدم السماح لهم باستئجار أراضي الدولة التي تصل نسبتها إلى أكثر من 92% من إجمالي أراضي البلد. وتدل الاحصاءات أن نسبة طاقة العمل العربية تتدنى يومياً وهي أقل من 6% يعملون في المصانع العربية التي تقوم حكومة المتوحش شارون بتدميرها منذ أن تسلم السلطة. وتعمل الدولة اليهودية على احتكار الوظائف الاكاديمية والمؤسسات الحكومية والتعليمية لليهود، فقبل الانتفاضة الأولى 1987 والثانية سبتمبر 2000 لا يشغل العرب اكثر من 10% من مجموع 5000 وظيفة اكاديمية كما أوردت صحيفة «دافار» في عددها 8/10/1991 التي اكدت في العدد نفسه أن مخصصات الحكومة للسلطات المحلية اليهودية أعلى بثلاثة اضعاف من المخصصات المقدمة للسلطات العربية وهي تكاد تنعدم الآن على ضوء الحرب القذرة التي تشنها حكومة شارون. واذا كانت القوانين والقضاء مظاهر حضارية في أية دولة فإن دولة الكيان الصهيوني ترسم يومياً صورتها العنصرية المتوحشة. فالقضاء الاسرائيلي لم يكن في يوم من الايام جهازاً لتحقيق العدالة المجردة بقدر ما كان جهازاً يسير ضمن اتجاه مصلحة اليهود. ولم يحصل أن اصدر القضاء اليهودي حكماً عادلاً في أي جريمة يقترفها يهودي بحق العرب كما حصل في محاكمة قائد مذبحة كفر قاسم بتغريمه قرشاً واحداً، أو محاكمة «بنحاس سياح» من مستعمرة «الون موريه» الذي اتهم بقتل راعيين عربيين، أو محاكمة المجرم الذي اشعل النار في المسجد الأقصى يوم 21/8/1969، وما أكثر الأمثلة التي لا يسعفنا ادراجها في هذا الحيز المتواضع، ناهيك عن فعل الشرطة اليهودية التي تعمل علناً على إبادة العرب بالتعاون مع حركة ««كاخ» العنصرية التي تفوح منها رائحة عنصريتها المبرمجة تحت عنوان سري «سيف جدعون» أي قتل العرب، وكانت قد سلحت أعضاءها بالرشاشات والبنادق الاتوماتيكية، كشف ذلك أحد أعضائها بكل وقاحة في تصريح له لصحيفة «حداشوت» في عددها 17/11/1991 أن لديه «احساساً بأنه سيكون هناك رد جدي على عملية الباص - في مفترق مستعمرة تبواح إذ سيقتل عرب» في حين لا تتوانى الشرطة اليهودية عن ملاحقة كل من يُشك في أمره من العرب، ولم نسمع حتى هذا اليوم أن رجال الشرطة أو المخابرات عملوا على نزع سلاح غير مرخص من اليهود بل أن حكوماتهم تعمل على تسليح المستوطنين علناً وتدفعهم لذبح العرب. الموقف الأمريكي منذ أن وافق الرئيس «ويلسون» على وعد بلفور أخذ خلفاؤه يلزمون أنفسهم بالموقف الصهيوني بصورة علنية غير مترددة، وقد عبر الرئيس «هاردنج» عن موقفه بوضوح في الأول من يونيو 1921 بقوله «إنهم سيعادون يوماً إلى وطنهم القومي التاريخي». ولم يأت هذا التصريح أو التصاريح والوعود المتعاقبة من القادة الامريكيين إلا بعد أن استبان لهم الانهيار النهائي لآخر وأكبر دولة إسلامية، الدولة التركية العثمانية، في الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة الاسلامية نهائياً على يد كمال اتاتورك 1924، والعرب خارج التاريخ. منذ ذلك الوقت شرعت الحكومات الامريكية تستخدم الذرائع التوراتية، وترى أن الثقافة والتاريخ الخاصين بالمجتمعات التي عمّرت فلسطين لا يتمتعان بأهمية في مقابل التاريخ التوراتي، وهذا ما يجب تأكيده في كل بحث من أن العالم ينخدع بما ورد من اساطير وخرافيات في كتاب روائي خرافي زوّر تاريخ البشرية ولهذا السبب استبعدت الجامعات الغربية والامريكية تاريخ فلسطين عن الدراسات التاريخية، وتتجاهل سكانها، وترفض أن تبرز حقيقة التاريخ الحضاري العربي. لأجل ذلك تستمر السياسة الامريكية تجاه القضية الفلسطينية من منطلقات تاريخية وعقائدية وليست سياسية فحسب. وعلى الرغم من اعتراض دول عديدة على الموقف الأمريكي حيال مؤتمر العنصرية وتهديدها بمقاطعة المؤتمر وهي تخالف بذلك 194 دولة، وعلى الرغم من ان دولاً أوروبية وغير أوروبية أصبحت تنظر إلى الولايات المتحدة بالدولة الشريرة وإن سياستها لا تلتزم بالشمولية وتتفرد في اتخاذ القرار وتعتبر العالم لعبة قادرة على إدارتها حيث تشاء دون أي اعتبار حتى لحلفائها التاريخيين. وقد عملت الولايات المتحدة بكل قوتها النفوذية على إلغاء القرار الدولي 3379 الخاص بالمساواة بين الصهيونية والعنصرية دون أن تعبأ بما ستؤول إليه منطقة الشرق الأوسط من احداث وصراعات، وامتهان للمجتمع الدولي الذي اثبت الطبيعة العنصرية للصهيونية وأدانها، وخدعت الولايات المتحدة العالم بأن اسرائيل سوف تمتثل للشرعية الدولية، وإلى الآن لم تدرك دول العالم أن الولايات المتحدة في هذا الإنتصار الجديد إنما ترسخ إستيلاءها على الأمم المتحدة بالقوة والمراوغة والعبث بمرجعية الأمم المتحدة حين لن تستند قراراتها المتعلقة بالإنسحاب الإسرائيلي أو تفكيك المستوطنات أو إبطال ضم القدس أو الجولان إلى تدابير رادعة. بل ان الولايات المتحدة زعيمة العنصرية في سلوكها التفريقي على سبيل المثال بين نظام جنوب أفريقياً - الأبارتيد - عندما قضت بتفكيكه لمصلحة نظام يقوم على تقرير المصير للأكثرية السوداء اصحاب الأرض الأصليين، في حين تعمل مع اليهودية العنصرية على تفكيك الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وزوالها. أن المشروع الصهيوني نسيج إستعماري غربي يمثل مخفراً لحماية مصالح الغرب في منطقتنا.لكنه بعد أن صلب عوده تحول إلى الهجوم على العالم المتمدن الذي ساهم في زرعه. وعلى الغرب أن يميز بين الحقيقة والخيال، فالخرافة التوراتية والتسليم بها هو نقض كل التراث الإنساني والديمقراطي إذ لا يمكن أن تكون الخرافة بديلاً عن الحقيقة. بقلم: عبد الغفار نصر ـ عضو اتحاد الكتاب العرب