دأبت الولايات المتحدة الامريكية على مدى عقود طويلة على الادعاء بمساندة الحرية والديمقراطية، فاعتبرت نفسها «زعيمة العالم الحر» ايام الحرب الباردة، ورفعت «سيف الديمقراطية» في وجه الجميع بعد ان استتب لها امر الزعامة (المؤقتة) دوليا، اثر انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية. وقد نجحت امريكا الى حد كبير في تغطية زيف ادعاءاتها وشعاراتها الاستهلاكية، او بمعنى اصح تحويل الانظار عنها، رغم استمرار التمييز العنصري داخل الولايات المتحدة ذاتها بكل اشكاله، ورغم ممارساتها ضد الانظمة التحررية وشعوب العالم الثالث، ومساندتها المعروفة لاكثر الدكتاتوريات قسوة ورهبة، والمطالبات الحالية، ومن داخل امريكا، بمحاكمة هنري كيسنجر على ممارساته اثناء توليه وزارة الخارجية او رئاسة مجلس الامن القومي الامريكي، ماهي الا دليل اضافي على ذلك. لكن معظم هذه الممارسات كانت تتم في السر او بطرق ملتوية غير مباشرة، وعبر الدبلوماسية الصامتة احيانا، وفي كل الاحوال لم تكن في مواجهة مكشوفة مع العالم كله مثلما هي الآن. ففي ظل غرور القوة والتفرد ومنذ وصول ادارة جورج بوش الابن الحالية بشكل خاص، داست امريكا بكل غطرسة ووقاحة على حقوق الانسان في كل مكان، وادارت ظهرها لكل المواثيق والاعراف الدولية، وجعلت من نفسها صاحبة الحق الوحيد في ان تفعل ما تشاء كيف تشاء ومتى شاءت! ففي حين يتعرض الشعب الفلسطيني للابادة الجماعية بأكثر الاسلحة الامريكية فتكا وتطورا على ايدي قوات الاحتلال الصهيوني، تطبيقا لسياسات التمييز العرقي والديني التي قامت عليها اسرائيل، فان امريكا ترفض مجرد ان تطرح للمناقشة مسألة مساواة الصهيونية بالعنصرية رغم انف العالم بما في ذلك بعض المنظمات والجماعات الامريكية. وفي وقت يعقد مؤتمر مكافحة العنصرية في بلد عانى شعبه من ابشع انواعها وفي قارة كانت كلها ضحية لتجارة الرقيق الامريكية الاوروبية تقف امريكا مرة اخرى ضد الاجماع العالمي رافضة الاعتراف بمسئوليتها عن هذه الجريمة التاريخية وبالتالي تعويض ضحاياها ولو معنويا! لقد فرضت امريكا نفسها وبجدارة زعيمة لعقوق الانسان، لا لحقوقه وأعادت البشرية لحقبة جديدة من قانون الغاب يكون الحق فيها كل الحق، للاسنان والمخالب وللأشد بطشا وقوة، ليس في البر والبحر فقط، وانما في الفضاء ايضا. ولكن.. الى حين!! عبدالله اسحاق