العنصرية داء فتاك من اخطر ما يصيب الأمم والشعوب فتساق وراء قادتها وزعمائها لارتكاب اسوأ وأبشع الافعال العدوانية التي يأباها ويستنكرها العالم بأسره. والتي تزدريها جميع المجتمعات البشرية المتحضرة. والتاريخ البشري على مر عصوره المختلفة وحتى الوقت الحاضر يموج بالشواهد والدلالات التي تكشف عما يصاحب التوجهات العنصرية من الاحداث الدامية والمآسي المفجعة التي تنجم عما يرتكبه دعاة العنصرية من الجرائم والفظائع والممارسات غير الانسانية التي تتمثل بصفة خاصة في اعمال الابادة الجماعية والتطهير العرقي والاغتيالات وازهاق ارواح المدنيين والابرياء من الاطفال والنساء والشيوخ وقصف المدن وهدم المباني وتجريف الارض المزروعة وتشريد السكان.. وغير ذلك من الاعمال التي تصنف كجرائم حرب، والتي يضاف اليها ما تؤججه العنصرية من كراهية واحتقار الشعوب الاخرى والاستعلاء عليها. والعنصرية تعمل دائما على اثارة المنازعات لما تنطوي عليه من القوة الغاشمة التي تمثل جوهر العقيدة العنصرية فهي اداة للترابط والتماسك وتوحيد الصفوف داخل المجتمع العنصري، مما يمنح افراده شعورا قويا واحساسا عميقا بالذات والانانية، كما ان الشعور بالسمو العنصري يثير في حاميه احساسا باحتقار وازدراء غيرهم من الاجناس والجماعات، على أساس ان العقيدة العنصرية تتنكر لمبدأ المساواة وتعمق الاحساس بأن الناس ينبغي معاملتهم وفقا لاصولهم وسلالاتهم وانتماءاتهم العرقية. ان بداية الصهيونية العنصرية في ميدان التطبيق تشبه الى حد كبير الغزو الاستيطاني الاوروبي للقارة الامريكية، يقول الكاتب: «تخيل انك تعيش في مقاطعة في ميامي بولاية فلوريدا وطلب منك الخروج من المنطقة لان اعصارا عنيفا كان على وشك ان يعصف بها، بعد مضي العاصفة قررت العودة ولكن منعتك حشود عسكرية وقالوا لك «لا يمكنك العودة» ترد عليهم: ماذا تعنون انني لا يمكنني العودة ان لدي منزلا وعملا هناك؟! لم يعد لديك شيء «رد الجندي» كل ممتلكاتك اعتبرت ممتلكات بلا صاحب والآن سوف نستخدمها نحن لذا عد ادراجك هناك 49 ولاية اخرى تستطيع الحياة فيها لن تعود ابدا الى المنزل الذي تخليت عنه. ان هذا بالضبط ما حدث لـ 700 الف فلسطيني في عام 1947 ـ1948 فقد قام الاسرائيليون بشن حملة وصفها احد الصحفيين بأنها: حملة حرب نفسية نظمت فيها مجازر في الوقت المناسب. فقد طرد الاسرائيليون الفلسطينيون من ديارهم وقراهم بلا أية ممتلكات باستثناء الملابس التي يرتدونها، لكي يثبتوا للعالم ان فلسطين ارض بلا شعب، ثم ذهب الاسرائيليون الى مؤتمر السلام وأعلنوا بداية انهم لن يسمحوا بعودة اي لاجئ ولن يتم تعويضهم عن فقدانهم اية ممتلكات، تلك كانت خطيئة اسرائيل الاولى، وتلك كانت ايضا خطيئتنا نحن «يقصد الامريكيين» لأن حكومة الولايات المتحدة لم تفعل شيئا وكان يجب عليهم الاصرار على عودة اللاجئين. الأسس الصهيونية التي قامت عليها الدولة الصهيونية الحالية تدعو الى دولة يهودية يصفونها بأنها دولة ذات اغلبية يهودية، وذات حكومة يهودية وقوانين يهودية تمثل ما يدعى بالشعب المختار الذي يضع الشعوب الاخرى في مرتبة ادنى وفي خدمة مآرب الصهيونية التوسعية، اما الاقليات الصغيرة غير اليهودية فيمكن ان تقابلها الصهيونية، الا انها تعامل افرادها في اسرائيل كمواطنين من الدرجة الثانية، اما دولة متعددة فذلك كان من المستحيلات». ولقد شهد العالم الغربي نمو بذرة العنصرية خلال القرن الماضي من جانب الاحزاب ذات الاتجاهات العنصرية التي كانت تعتمد في الدول الاوروبية على الطبقات الرأسمالية، انها كانت تقف موقفا عدائيا من المهاجرين والعمال الاجانب. وكان هذا الاتجاه تمثله في فرنسا الجبهة القومية بزعامة لوبن، التي كانت تدعو الى وضع حد لوجود المهاجرين في فرنسا. كما كانت الولايات المتحدة مرتعا خصبا لاتجاهات مثيلة كان أهمها جماعة الكوكلوكس كلان التي كانت تؤمن بتمييز البيض ضد السود، والبروتستانت ضد الكاثوليك، وكان من أهم اغراضها الحفاظ على الصفاء الامريكي، وقد كان اقوى الاتجاهات العنصرية في القارة الافريقية ما كانت تعانيه جنوب افريقيا خلال عهد الاستعمار من التمييز بين المستوطنين الاجانب والافارقة، وهم الاكثرية الساحقة من اهل البلاد، وقد انفردت هذه العنصرية المقيتة بتسمية الابارتايد. وتزايد الاهتمام العالمي في الوقت الحاضر بمشاكل التمييز العنصري وقضايا كراهية الاجانب التي افرزتها العقيدة العنصرية، لذا قررت الامم المتحدة لمعالجة هذا الموضوع المتفاقم ان تعقد المؤتمر العالمي ضد العنصرية في مدينة «دوربان» جنوب افريقيا في المدة من 31 اغسطس الى 7 سبتمبر العام الجاري لمناهضة كل ممارسات التمييز العنصري وكراهية الاجانب وما يرتبط بهذه الكراهية من التعصب. وتؤكد ادبياته على مبادئ التسامح والعدالة واحترام كرامة الانسان. وسوف يركز المؤتمر على العمل الموجه الى القضاء على العنصرية وتحديد الخطوات العملية لتحقيق هذا الهدف، بما في ذلك اجراءات الوقاية والتعميم والحماية واتاحة جميع وسائل العلاج الفعال بحيث يكون، كما يقول القائمون على تنظيمه، فرصة فريدة ومهمة لايجاد رؤية عالمية جديدة للقضاء نهائيا على العنصرية في القرن الحادي والعشرين. وقد اثارت الولايات المتحدة في مساعيها المهيمنة على العالم، ضجة كبرى بمناسبة قرب انعقاد مؤتمر الامم المتحدة لمكافحة العنصرية في دوربان بجنوب افريقيا، حيث قامت بتحركات واتصالات دبلوماسية واسعة النطاق مع تهديدات رسمية وعلنية، بمقاطعة المؤتمر فيما اذا بحث قضيتي مساواة الصهيونية بالعنصرية، ودفع تعويضات مالية للذين عانوا من نظام الرق والعبودية وعمليات السلب والنهب التي تعرض لها الافارقة في العهود الاستعمارية. وكان من الواضح ان المجتمعات الافريقية، التي سلب منها مواطنوها كعبيد، اصبحت لهذا السبب دولا فقيرة نتيجة الاختطاف الجماعي للاهالي، لأن تجار الرقيق كانوا يختارون الاقوياء الذين يمكن الاعتماد عليهم في البقاء وتحمل الرحلات الطويلة الصعبة، بحيث يكونون قادرين على العمل. ومع اضطرار هؤلاء الافارقة للمغادرة تدهورت وسائل وآليات النمو الاقتصادي لبلادهم، في الوقت الذي اصبحت فيه اوروبا وامريكا والكاريبي غنية من عوائد تجارة الرقيق، ومن عوائد المواد الخام الرخيصة المستخرجة من القارة لتغذية صناعات المستعمرين، بمعنى ان عملية الاسترقاق ونهب الثروات الافريقية كانت المأساة الكبرى في حياة افريقيا التي لازالت مائلة حتى يومنا هذا. والواقع ان قضية العبودية والتعويض عنها سبق اعلان فكرتها والاعلام عنها في (مؤتمر ابوجا عام 1993)، ففي هذا المؤتمر درس المحامون والباحثون الوسائل العملية للحصول على التعويضات عن العبودية والاستعمار، وقد شكلت منظمة الوحدة الافريقية لجنة فرعية للقيام من اجل ذلك بحملة على المستوى الدولي ثم برزت القضية عندما عقد عام 1999 اجتماع في اكرا عاصمة غانا لجماعة اطلقت على نفسها اسم «لجنة الحق للاصلاحات واعادة التوطيد للعالم الافريقي»، حيث اصدرت اعلانا طالبت فيه بدفع مبلغ ضخم للتعويض عن استعباد الافارقة واستعمار قارتهم، وقررت الجماعة في الاعلان عزمها على تكليف فريق دولي من المحامين من افريقيا وخارجها لاتخاذ الوسائل القضائية اللازمة لذلك، وهذه صورة تحتذى للعرب لانهم مع الافارقة في هم واحد. ولا شك ان الولايات المتحدة في ضوء ضجتها بمناسبة «مؤتمر ديربان» تخشى أن يندد المؤتمر بفظائع العبودية التي سادت في بلادها لاحقاب طويلة، والمطالبة بدفع تعويضات مالية مستندة الى اسس قانونية امريكية، فيفتح ذلك الباب لسيل من دعاوى التعويضات امام المحاكم الامريكية من جانب الجماعات التي تمثل الامريكيين السود، ويتردد ان هناك استعدادات لرفع مثل هذه الدعاوى ضد المؤسسات الحكومية والشركات التي لها علاقة بالموضوع وثبت انتفاعها من استغلال العبيد، وتتبنى هذه الدعاوى جماعة من المثقفين السود (اتحاد كوبرا الوطني في لويزيانا الامريكية). على الجانب العربي أكد المؤتمر العربي الاقليمي ضد العنصرية، التضامن المطلق مع الشعب الفلسطيني وانتفاضته الباسلة في مواجهة ممارسات القهر العنصري وانتهاكات حقوق الانسان، التي تمارسها قوات الاحتلال الاستعماري العنصري الاسرائيلي، واوضح المؤتمر الذي انجز أعماله في القاهرة خلال شهر يوليو العام الجاري بمشاركة ممثلي 75 منظمة غير حكومية عربية، الى جانب عدد من ممثلي منظمات غير حكومية دولية، ان من حق الشعب الفلسطيني ان يستخدم شتى الوسائل بما في ذلك الكفاح المسلح من اجل انهاء الاحتلال، ووضع حد لمخططات الاستعمار الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية المحتلة، والتي تخالف مبادئ القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة ذات الصلة. وشدد المشاركون في المؤتمر الذي نظمه مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان تحت شعار «معا من اجل اسقاط اخر النظم العنصرية» على ان بناء السلام العادل في المنطقة لن يقوم على منطق الاذعان والقبول الذليل بالامر الواقع. بل ينبغي ان يقوم على احترام الحقوق الاساسية ومعاني العدالة والكرامة الاصيلة للشعوب. انها لمعركة قوية تدور بمختلف الوسائل السياسية بين الجلاد والضحية، وهما القوى الوطنية العربية وشعوب العالم الثالث من جهة، وقوى الاستعمار والصهيونية بزعامة امريكا وبريطانيا من جهة اخرى، وهي معركة تدخل في اطار الصراع الابدي بين القوتين، انها مسألة اخلاقية وقانونية ينبغي وضعها في المسار العالمي كما وضع العالم أمريكا خارج لجنة حقوق الانسان الدولية. ولم يكن من السهل على المنظمات الصهيونية ان يمر من امامها هذا الحدث العالمي دون استغلاله وراحت تسعى بكل ما لديها من وسائل ضغط لاحياء ما تسميه المشكلة اليهودية، باعتبارها مشكلة عداء للسامية وهي اللغة ذاتها التي سبقت الاعلان عن قيام «دولة اسرائيل»، واستهدفت الحركات اليهودية من احياء هذه المقولات القضاء نهائيا على تشبيه العنصرية بالصهيونية والتي صدر بها قرار من الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1975، وهو القرار الذي توج كفاح قوى وطنية عربية واسلامية وافريقية بلغت جملة اصواتهم في الجمعية العامة 72 صوتا، ولكن سرعان ما التفت القوى الصهيونية على القرار واستطاعت الغاءه نهائيا في عام 1991 بقوة 110 أصوات كنتيجة طبيعية لسقوط الاتحاد السوفييتي وانتصار الولايات المتحدة في حرب الخليج. بدأ الصراع بين القوتين العربية والصهيونية في الحصول على اكبر قدر من المكاسب الصهيونية من المؤتمر التحضيري في جنيف بضغوط امريكية وأوروبية حاولت فيها الولايات المتحدة مناصرة الأفكار اليهودية والضغط في الوقت نفسه على الدول العربية لغلق ملف الصهيونية والعنصرية، بحجة انه اصبح من الماضي. ولم تكتف بذلك بل حاولت الحصول على اكبر قدر من المكاسب لصالح اليهود. لذلك يواجه العرب والافارقة معا دولة الهيمنة الكاسرة في السيطرة على المؤتمر بتحويل مساقه لخدمة الصهيونية، وهنا ينبغي ان يعود التضامن العربي الافريقي الى ابعاده في السبعينيات عندما قطعت افريقيا علاقتها بإسرائيل. بقلم: نعيم قداح ـ سفير سوري سابق