ما الجديد الذي قد يتمخض عنه المؤتمر الدولي حول العنصرية المنعقد حالياً في مدينة دوربان الجنوب أفريقية؟ أن اية اجابة عن هذا السؤال مهما كان «لونها» لن تتأتى من دون الاجابة اولا وأساسا عن سؤال أكثر اهمية وأسبقية على سالفه هو: هل تبدل تعريف «العنصرية» في القاموس السياسي الدولي، أو تغير المفهوم أو الرؤية تجاه «الرق» في الوعي الجمعي العالمي عما كان سائداً قبل عقدين من الزمان، على سبيل المثال؟ ففي الزاوية القاتمة من الصورة القائمة ـ في المشهد ـ نرى أن الصهيونية لم تعد رديفاً لنظام «الأبارتيد» بعد ان نجح اللوبي الصهيوني العالمي في «تبرئة» الصهيونية ـ فكراً ودولة ـ من سماتها الاساسية الممقوتة انسانياً وفي مقدمتها النزعة العنصرية أو التحقير الديني والأثني. لقد سبق للجمعية العامة للامم المتحدة ان اصدرت في العام 1975 قراراً يساوي بين الصهيونية والعنصرية، غير انها ألغت قرارها هذا في العام 1991 في ظل تقاعس القوى العربية والاسلامية أساسا عن تثبيت الهوية العنصرية للفكر الصهيوني والدولة الاسرائيلية في الاوساط السياسية والفكرية العالمية الفاعلة، بل ـ أساساً ـ لدى الرأي العام الدولي الذي ظل هدفا مباشرا للحملات الدعائية التضليلية التي تنتجها وتطورها باستمرار الماكنة الايديولوجية والنفسية والسياسية الصهيونية التي تجند في سبيل ذلك القدرات الهائلة والاموال الطائلة ومن دون ادنى توفير في الوقت أو الجهد أو الفرصة أو الوسيلة والحيلة! انتهت الظاهرة الاستعمارية في جنوب افريقيا وانتهت معها الظاهرة العنصرية بالضرورة.. فيما مازالت الصهيونية ودولتها الاسرائيلية الظاهرة الاستعمارية والعنصرية الوحيدة الباقية على سطح الكرة الارضية. ومؤخرا طالبت عدة منظمات افريقية مناهضة للعنصرية الدول التي مارست تجارة الرقيق بانتقاد نفسها بشكل صريح وواضح وطلب الصفح من الشعوب التي مارست بحقها هذه التجارة اي شعوب القارة الافريقية، والمقصودة هنا بالطبع الولايات المتحدة الامريكية، واعتبرت هذه المنظمات ان «تجارة الرقيق واستعباد السود لعبت دوراً حاسما في ترسيخ التمييز ضد الشعوب الافريقية»، وقال متحدث باسم هذه المنظمات ان «اصدار شيك لا يمكن ان يعوض عن الدم المراق»، في اشارة إلى مطالبة بعض الاوساط للولايات المتحدة بالتعويض المالي عن ضحايا تجارة الرق، كما دعت هذه المنظمات إلى «وجوب تضمين هذه المرحلة من تاريخ افريقيا في الكتب وتدريسها لتلامذة العالم اجمع». ان المدماك الاستعبادي العنصري الذي قامت عليه الخيمة الأمريكية قبل خمسة قرون، قد تكرر مع الظاهرة الاسرائيلية في منتصف القرن العشرين، ومازال مستمرا حتى هذه اللحظة.. وما الدفاع المستميت للولايات المتحدة عن اسرائيل سوى دفاع عن تاريخها هي نفسها، وهو تاريخ عريق من المتاجرة بدماء ودموع «الأبنوس»، وهي التسمية التي كان يطلقها تجار الرقيق على العبيد في ذلك العهد! حسن عبدالوارث