كنا بالطبع سنكون في مركز أقوى في مؤتمر «دوربان» لمناهضة العنصرية لو أن حكامنا لم يستسلموا لاوهام «سلام الشجعان» ويوافقوا دون مبرر حقيقي على إلغاء قرار الامم المتحدة باعتبار الصهيونية مساوية للعنصرية، أو يكتفوا بالصمت العاجز عند تمرير القرار الذي اعتبره بعض قادتنا الأشاوس عربون مودة للعصابة الصهيونية التي سرقت فلسطين حتى تمضي قدما في عملية التسوية السياسية تحت رعاية «العراب» الكبير للعملية كلها وهي الولايات المتحدة الامريكية! ومع ذلك فالانتفاضة المباركة وما تلاها من احداث جسام تعيد ترتيب الاوضاع وتصلح اخطاء التنازلات المجانية التي ادمنها العرب وتفوقت فيها القيادة الفلسطينية في وقت من الاوقات جريا وراء السراب المخادع لسلام حقيقي تبدد على أرض الواقع وانتهى إلى حرب الابادة التي تشنها اسرائيل والمقاومة الشجاعة التي يتمسك بها شعبنا العربي الفلسطيني. واعظم نتائج هذه المواجهة حتى الان انها اعادت القضية التي كادت تتوه في سراديب اوسلو وملحقاتها إلى حقيقتها البسيطة القاسية: قضية ارض محتلة وشعب يقاتل من اجل الحرية والاستقلال في جانب، وقضية استعمار استيطاني يمثل اكثر اشكال العنصرية قبحا ووقاحة وبعدا عن الانسانية. ومن هنا تأتي أهمية المعركة التي يشهدها مؤتمر «دوربان» ومن هنا تأتي شراسة المقاومة الاسرائيلية ـ الامريكية لهذا التوجه الجديد الذي يكشف عودة الحقيقة أمام الضمير العالمي، وهي خطوة اولى وضرورية لهزيمة آلة الدعاية الصهيونية وكشف حقيقة اسرائيل ككيان لا يمكن ان يكون إلا كيانا عنصريا بحكم قيامه على اغتصاب الارض وتشريد شعب بأكمله وفرض الامر الواقع بالقوة، وبالتأييد الامريكي والدعم المادي والسياسي والاقتصادي للعدوان الصهيوني البشع على شعب اعزل يعاني الاحتلال ويتعرض للابادة. من هنا تأتي الشراسة الاسرائيلية في المقاومة، وينكشف الوجه القبيح للسياسة الامريكية وهي تتحدى العالم كله وتعلن انها لن تشارك في مؤتمر يدين العبودية ويفضح حقيقتها العنصرية، أو حتى وهي تتراجع خطوة فتكتفي ـ حتى كتابة هذه السطور ـ بعدم مشاركة وزير خارجيتها باول في المؤتمر، وهي خطوة لا تتحدى العالم الخارجي فقط، بل تعادي مشاعر الزنوج الامريكيين انفسهم الذين كانوا يأملون في مشاركة أول وزير خارجية أمريكي اسود في المؤتمر، ويطمعون في موقف يدين العبودية ويطالب بالتعويض عنها وهو ما ترفضه الادارة الامريكية ايضا. والمهم ان يصمد العرب للضغوط الامريكية، وأن يدركوا انهم يقاتلون معركة عادلة وان عدوهم سيخسر مهما كانت المناورات ومهما زاد البطش ومهما طالت قافلة الشهداء. جلال عارف