كشف الكاتب الصحفي الأشهر محمد حسنين هيكل في مقال نشرته صحيفة «السفير» اللبنانية أمس عن تقرير رئاسي أمريكي خطير أعده خبراء الادارة الأمريكية حول الخيارات المطروحة بشأن تطورات الأوضاع في فلسطين المحتلة، ليكون دليلاً للخطوات التي يمكن للرئيس الأمريكي جورج بوش اتخاذها في سياق التحالف الاستراتيجي الأمريكي الاسرائيلي. وتناول هيكل في مقاله خلفيات اعداد التقرير المعنون من جانب مجموعة العمل الرئاسية بـ «الملاحة في بحور خطرة» فيما كان يفضل داهية الدبلوماسية الأمريكية وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر، ان يحمل عنوان «خريف خطر» الا ان المجموعة عملا بنصيحة من الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش «الأب» فضلت ابعاد كيسنجر عن دولاب عملها، حتى لا يستغل الفرصة لاستعادة نفوذه، واعادة تفعيل رؤيته تجاه حل الصراع العربي الاسرائيلي. ولأهمية المقال وأهمية كاتبه، وغزارة المادة المعلوماتية وأصالة التحليل التي يتميز بها هيكل، ننشر أهم ما تضمنه مقاله في «السفير»: الملاحة في بحار عاصفة على مكتب الرئيس جورج بوش الآن تقرير مفصل عن الخيارات السياسية المتاحة له ولإدارته في شأن أزمة الشرق الأوسط.وتلك «أزمة منطقة» تدهورت أحوالها بشكل أصبحت فيه مثل كتلة صخر مهولة انكسرت من الجبل وراحت تتدحرج ولا تزال عشوائيا على سفوحه، وهي توشك أن تنقض على الوديان والشطآن المحيطة بالجبل مهددة بدمار وخراب إلى درجة الكارثة. وهذا الوصف لمنطقة الشرق الأوسط وأزمتها الحالية ليس من عندي، ولكن صاحبه هو هنري كيسنجر الذي لم يشارك في أعمال اللجنة الرئاسية التي وضعت التقرير، وكان يود لو انضم إليها لكن مستشاري الرئيس الأقربين اعترضوا برغم أن عددا منهم سبق لهم العمل معه «وأولهم وزير الخارجية كولن باول الذي كان لعدة سنوات مساعدا خاصا لكيسنجر»، وكانت أسباب الاعتراض متنوعة، بينها بداية «وذلك رأي جورج بوش الأب» أن «هنري سوف يظل باستمرار أسيرا لتجربته السابقة في المنطقة»، وتلك تجربة مضى زمنها لأن الظروف تغيرت، ثم «وذلك رأي ديك تشيني نائب الرئيس هناك خشية من «أن هنري لن يعمل من أجل توسيع خيارات الرئيس، وإنما سوف يعمل لتوسيع نفوذه الشخصي، وتلك طبيعة هنري لا تتغير مهما تغيرت الظروف». ولم تعتمد اللجنة الرئاسية توصيف هنري كيسنجر لأحوال الشرق الأوسط الراهنة بما فيها كتلة الصخر المهولة التي تهوي على سفوح الجبل وتهدد الوديان والشطآن، وإنما اختارت اللجنة وصفا آخر عنونت به تقريرها الرئاسي، وهو عنوان لم يبتعد كثيرا عن أوصاف هنري كيسنجر لأحوال المنطقة، بل تابعه في استلهام تقلبات الطبيعة ومفاجآتها، فقد كان العنوان الذي اختارته مجموعة العمل الرئاسية لتقريرها هو «الملاحة في بحور مضطربة». وهكذا، ففي حين رأى كيسنجر أن المنطقة صخرة هاوية من قمة جبل فإن المجموعة الرئاسية رأتها بحورا مضطربة تتلاطم فيها العواصف! والواقع أن تقرير «المجموعة الرئاسية» بشأن الشرق الأوسط وخيارات السياسة الأمريكية وسط هذه المنطقة «المضطربة» كان واحدا من خمسة تقارير تمثل قائمة أولويات السياسة الأمريكية من منظور الإدارة الحالية. والتقارير الخمسة تعالج خيارات القرار الأمريكي في: شرقي آسيا «الصين واليابان أوروبا حلف الأطلنطي والسوق الأوروبية شبه القارة الهندية الهند وباكستان وما حولهما( الخليج ) وهو في التقرير الأمريكي مواقع إنتاج النفط وضمنها العراق وإيران وشمالا حتى القوقاز وأخيرا منطقة الشرق الأوسط والمقصود بها أساسا هو ساحة الصراع العربي الإسرائيلي. بوش لا يريد أن يحرق أصابعه وبعد أن يستعرض هيكل رسالة الادارة في بدايتها لعواصم القرار العربي وتوجهات ديك تشيني لمجموعته الرئاسية ذكر بأن كوندوليزا رايس طرحت نيابة عن رئيسها ثلاث ملاحظات: الأولى أن أزمة الشرق الأوسط تحتاج في ما ثبت بالتجربة إلى «معجزة». والثانية أن رؤساء أمريكيين سابقين اقتربوا من الأزمة ولم يأخذوا منها إلا «حرق أصابعهم»، والثالثة أن جورج دبليو رئيس لا يعتبر نفسه صانع معجزات «تحول قطعة الحجر إلى رغيف خبز»، كذلك فهو لا يريد أن يحرق أصابعه!! لم يخرج تقرير اللجنة الرئاسية عن الخيارات السياسية المتاحة للرئيس بوش في الشرق الأوسط فجأة إلى النور، ولم يطبخ هذا التقرير على عجل ليقدم للإدارة الجديدة على صينية أو على طبق فور طلبه. وإنما كان للتقرير الرئاسي أساس أبعد من ذلك وأعمق، لأن قسما كبيرا من أفراد المجموعة التي عكفت على إعداده كان لها سابق اهتمام بالمنطقة، ولذلك فإن معظم الجهد كان عملية تنسيق وتنظيم ومضاهاة وصقل. وفي الواقع، فإن الصورة النهائية للتقرير لم تكتمل إلا في شهر يونيو الأخير (2001) عندما قام اثنان من المشاركين في إعداده بزيارة «اللحظة الأخيرة» للمنطقة حتى يجري تقديم التقرير وعليه «اللمسة الأخيرة». كانت مجموعة العمل الأصلية تضم قرابة أربعين وزيرا وسفيرا وخبيرا سبقت لهم الخدمة في إدارات جمهورية من قبل، وكانت للمجموعة الكبيرة لجنة إدارة ضيقة ضمت وزراء خارجية «بينهم ألكسندر هيج من إدارة ريجان الأولى مثلا، ومستشاري أمن قومي منهم انتوني ليك من إدارة ريجان الأولى أيضا، وسفراء عملوا في المنطقة «مثل صمويل لويس الذي خدم ثماني سنوات سفيرا في إسرائيل». وقد تولت اللجنة ترتيب وتنسيق زيارات ولقاءات لأعضائها على اتساع عواصم الشرق الأوسط وذلك لإجراء حوارات «استراتيجية معمقة» وهنا، فإن أحد عشر عضوا من أفراد مجموعة العمل قاموا بزيارة للمملكة العربية السعودية وللأردن ولإسرائيل وللضفة الغربية، وقابلوا مجتمعين أو فرادى كل من ظنوا أن لديه شيئا مهما يسمعونه منه. وعندما فرغت المجموعة من إعداد تقريرها وقد ركزت عليه طوال شهور الربيع قررت إرسال اثنين من أعضائها هما دافيد بروك وروبرت ساتلوف في أوائل الصيف «يونيو» إلى المنطقة لمهمة «النظرة الأخيرة» وإضافة «اللمسة الأخيرة»! وأخيرا أكملت اللجنة تقريرها في ثمانين صفحة، ثم إنها وضعت فوقه تلخيصا لمجمل ما فيه في حالة ما إذا لم يجد الرئيس وقتا كافيا لقراءة ثمانين صفحة! المدخل العام للتقرير يبدأ بعرض واسع يطرح على الرئيس بوش وكبار معاونيه صورة ما تغير في الأفق الاستراتيجي للمنطقة منذ ترك الجمهوريون رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية عند سقوط بوش «الأب» أمام كلينتون في انتخابات سنة 1992. ثلاثة انجازات شرق أوسطية لكلينتون الإنجاز الأول: هو فتح الطريق أمام سلام شامل في المنطقة، وذلك بمؤتمر مدريد سنة 1991 الذي قصدت إليه كل الدول العربية «راغبة وقادرة ومستعدة» لصنع السلام مع إسرائيل من خلال مفاوضات سياسية لها مساراتها المختلفة ومن خلال مؤتمرات للتعاون الإقليمي متنوعة في موضوعاتها لكن هدفها واحد! وهو أن توفر للكل نصيبا في «جوائز السلام»! وتشرك دول المنطقة دون تمييز في أجواء من التعاون تساهم فيه تركيا بالتحديد وبالاسم لأن «ذلك يحقق توازنا في القوى محكما وفاعلا». الإنجاز الثاني: ان مطلبا إستراتيجيا شديد الأهمية تحقق بالكامل في الوقت الذي ترك فيه بوش الأب مكانه «بعد انتخابات الرئاسة 199» وذلك المطلب هو ضمان «أمن الخليج» وموارده البترولية الحيوية على نحو نموذجي حلم به كل رئيس أمريكي وعجز عن بلوغه لكن «حرب الخليج الثانية» مكّنت منه. والإنجاز الثالث هو ما بدا من أن العالم العربي يقبل عموما بأهم ظواهر «العولمة»، فقد أصبحت صيحة اقتصاد السوق هي اللازمة المسموعة في كل محفل عربي، ومعها جرت «إعادة هيكلة اقتصادية ومالية» قامت بها معظم الحكومات العربية أو اتجهت إليها، كما انفتحت شهية المستهلكين العرب لأنواع من السلع الاستهلاكية الغربية طلبتها ودفعت ثمنها مقبلة عليها وسعيدة بها، وتم ذلك دون مقاومة تذكر. وبالإضافة الى ذلك، فإن الفضاء العربي وقع فيه كسر قبضة أي دولة عربية تتصور أنها تستطيع السيطرة أو التوجيه داخل بلد واحد. أو التأثير فيما هو أوسع. والسبب أن «الفضائيات العربية» الناطقة باللغة العربية فتحت الأجواء العربية لكل ريح من أي اتجاه. موجة العداء الأمريكي تبعد المعتدلين عن واشنطن والمدهش أن التقرير بعد ذلك يلاحظ أنه «مع أن الاقتصاديات العربية على وجه العموم فشلت في الإفادة من الجانب الإيجابي للعولمة، لأنها عجزت عن زيادة نصيبها في التجارة العالمية بل إن بعضها فقد شيئا مما كان لديه فإن رياح العولمة أشاعت في المنطقة جوا من المرونة «أو من الرخاوة» مفتوحا للتأثير . وقد امتد بعض التأثير الى مجالات الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن الحكومات العربية مع اختلاف «أشكالها وألوانها استجمعت ما لديها من سلطة لتقاوم التيارات على هذه الجهة وتصدها»! وكان ذلك هو المدخل العام لتقرير المجموعة الرئاسية الذي قرأه أو يقرأه أو يوشك أن يقرأه الرئيس بوش الآن، أو على الأقل يطلع على ملخصه أو يسمع شرحا له تقوم به «الأستاذة» كونداليزا رايس مستشاره للأمن القومي. ويحدد التقرير أربعة منعطفات في المنطقة: ان مسيرة السلام تعطلت أمام عراقيل واجهتها، أهمها ذلك الانفجار الشعب الفلسطيني الذي وقع في سبتمبر سنة 2000 ووصل الى درجة من العنف المتبادل بين الفلسطينيين والاسرائيليين تحول الى نوع من حرب العصابات، وأدى ذلك الى ضياع «فكرة المفاوضات» و«منطق الحل الوسط» وكانت تلك الفكرة وهذا المنطق «دعامتين رئيسييتين» في عملية بناء شرق أوسط جديد!. ترتب على ذلك أن موجة من المشاعر المعادية لأمريكا اجتاحت العالم العربي وما زالت أمواجها الداكنة بالكراهية تتدفق في عواصمه حتى تلك العواصم التي تعتبر الأقرب من السياسة الأمريكية مثل القاهرة والرياض ومسقط. وكان أن «السلام الأمريكي ففذ فَفكيْمٍء الذي طلع على المنطقة وشاع الظن بأنه تمكن من تثبيت قواعده راح يتعرض لضغوط من الرأي العام العربي حتى أن نظما صديقة للولايات المتحدة اضطرت أن تحتفظ لنفسها «بمسافة أمان» تحميها من المشاعر المعادية لأمريكا حتى لا تصل إليها تأثيراتها في مواضع قاتلة! ولقد كان أخطر المنعطفات التي تعثرت عندها «المسيرة أيام كلينتون أن تحالف حرب الخليج أخذ يترنح، وأظهرت الأعراض أن شعورا عاما ساد في العالم العربي مؤداه أن شعب العراق دفع ثمنا لا يمكن قبوله أو الاستمرار في قبوله، وبالتالي فإن تحالف حرب الخليج فقد الهدف المشترك الذي قام عليه في البداية. ثم إن السياسة الأمريكية حاولت أن تواصل التصرف تحت غطاء تفويضه حتى تتمكن من «احتواء النظام في العراق وتطويقه وإسقاطه». وفي تداعيات ذلك وغيره تسللت عائدة الى المنطقة قوى كان الواضح في أواخر عهد الإدارة الجمهورية السابقة بوش الأب» أنها خرجت من المنطقة الى غير رجعة. وأولى هذه القوى هي روسيا، وخطر عودتها الى دور فاعل في الشرق الأوسط ظاهر على ناحيتين: من ناحية: فهي قادمة مع توريد أسلحة محظورة لبعض بلدان المنطقة التي يزداد فيها العداء للولايات المتحدة وبينها إيران والعراق وسوريا. ويحدد التقرير الصين وأوروبا كقادمين جدد للمنطقة. كلينتون فشل في تقليد كارتر ويصل التقرير الى نقطة حساسة حين يشير الى أن الإدارة الديمقراطية السابقة أساءت التقدير ، وأساءت التصرف بالأسلوب الذي اتبعه «الرئيس كلينتون» شخصيا حين تصور لنفسه مقدرة التصدي لأزمة الشرق الأوسط وساعده على هذا التصور أنه كان يبحث لنفسه عن مجال يعوض فيه بنجاح غير مسبوق فضيحة هي الأخرى غير مسبوقة.. والحقيقة كما يرى التقرير أن «بيل كلينتون» رأى الصعوبات والعقبات ومهاوي الهلاك التي وصلت إليها أحوال المنطقة، لكن «كلينتون» وقع في خطأ عمره عندما ظن أنه يستطيع تقليد رئيس ديمقراطي سبقه جيمي كارتر «1977» بممارسة دبلوماسية شخصية على نحو ما قام به «كارتر» مع أنور السادات ومناحم بيجن في كامب ديفيد سنة 1978. وهنا يشير التقرير أن كلينتون نسي عدة فوارق كبيرة تتعلق بالحقائق وبالظروف وبالناس. بمعنى أن جيمي كارتر في تجربته مارس الدبلوماسية الشخصية بين أهم دولتين في المنطقة أكبر دولة عربية تاريخيا وهي مصر ، وأقوى دولة عسكريا في اللحظة الحالية وهي إسرائيل . وكذلك فإن كارتر مارس دبلوماسيته مع رجلين كلاهما وراءه سند من نوع ما»، فأنور السادات «وراءه أمل سلام يعقبه رخاء للشعب المصري ومناحم بيجن وراءه أمل أمن يترتب عليه تحقيق شرعية قانونية لدولة إسرائيل، وترافق ذلك مع ظاهرة أن الدبلوماسية الشخصية كانت بدعة مثيرة جديدة وبراقة في تلك الأيام قبل ربع قرن. أما الآن فإن الصورة مختلفة وأسوأ من ذلك أن كل المقولات التي بنى الأطراف عليها مقولاتهم تمت تجربتها لأن السلام الذي طلبه أنور السادات لم يتحقق والأمن الذي طلبه مناحم بيجن لايزال معلقا في الهواء. نصيحة التقرير لبوش:افصل بين البترول وفلسطين صلب التقرير الرئاسي كلام صريح موجه للرئيس «جورج بوش» يخاطبه مباشرة بـ: لا تفعل ذلك وافعل ذاك، وتنبه هنا وحاذر هناك. وأول المنهي عنه بالتصريح والتلميح مسألتان: المسألة الأولى خطاب للرئيس: لا تخلط في منطقة الشرق الأوسط أو ما يسمى كذلك اصطلاحا بين «نطاقين إستراتيجيين» لأنه لابد أن يظل كل منهما مستقلا بذاته وبعيدا عن الآخر: الخليج وما حوله ناحية وفلسطين وما حولها ناحية أخرى بمعنى ضرورة الفصل في سياساته ما بين إسرائيل وبين البترول، والاعتبار أن الخليج قضية وفلسطين قضية أخرى والمزج بين الاثنتين يخلق تفاعلات تنشأ عنها شحنات خطر يصعب تقديرها. يضاف الى ذلك أن الفصل بين النطاقين هو الضمان لإحكام السيطرة على إدارة كل واحد منهما في حدوده المعينة وفي إطار المحسوب. والمسألة الثانية خطاب للرئيس أيضا: لا تقع في الأخطاء التي وقع فيها «كلينتون» قبلك.. بمعنى أن عليك أن تحتفظ لنفسك بمسافة كافية تبعدك عن التناول المباشر لأزمات الشرق الأوسط وتحميك من التفاصيل وتحفظ للرئاسة مهابتها. لكنه في ما يتعلق بقضية الخليج تستطيع أن تقترب أكثر بحكم حجم المصالح وخصوصية الأطراف التي تتعامل معها الولايات المتحدة. اقتراب بغداد من فلسطين محظور يدخل صلب التقرير بعد ذلك مباشرة مقترحا على الرئيس توصيات يأخذ بها في سياساته وقراراته. التوصية الأولى: عليك أن تمنع نشوب حرب إقليمية في الشرق الأوسط.. وسائلك الى ذلك على النحو التالي: عليك أن تؤكد طول الوقت أهمية تحالفنا الإستراتيجي غير المكتوب مع إسرائيل وحتى يفهم الجميع بغير التباس أن القوة الأمريكية غالبة وأن إسرائيل شريك إستراتيجي لنا. عليك أن تستغل وتستعمل الدول العربية المعتدلة «خصوصا مصر والأردن والمغرب والسعودية» وذلك لتشجيع طرح مبادرات وعرض صيغ تُبقي عملية التسوية مفتوحة طول الوقت. عليك أن تواجه المعارضين لسياستنا الحاليين والمحتملين بسياسة رادعة، وهنا عليك أن تتأكد أن سوريا تحت قيادة بشار الأسد تدرك أن تشجيعها لعمليات حزب الله سوف يستثير ردود فعل ضرورية تعرض سوريا لضربات إسرائيلية موجعة. وفي هذا المجال فإن عليك أيضا إفهام بغداد بأن اقترابها أو تدخلها في الصراع العربي الإسرائيلي لا يمكن السماح به، وأن الولايات المتحدة ترقب محاولات العراق لتخويف وابتزاز الأردن، كما لا يستطيع العراق أن ينتهز فرصة زيادة التوتر في فلسطين ويجرب القيام بعمليات تعزيز سلطته في مناطق الأكراد. عليك أن تطلب فورا توقف أعمال العنف بين الفلسطينيين وإسرائيل وعليك أن تجعل الطرفين (!) يدركان دون التباس أن «الالتزام بمسيرة السلام هو وحده المبرر الذي يبقي الولايات المتحدة طرفا فيها وإذا لم يتأكد ذلك فإن كل طرف عليه أن يتحمل عواقب تهاونه في وقف العنف وعقوبة تأخره في العودة الى مائدة المفاوضات بغير تضييع للوقت». التوصية الثانية: اقترب بلا أحضان عليك أن تعيد تقييم تجربة المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين بما في ذلك تجربة أوسلو حتى تتضح خطواتك نحو التسوية وتبين أمامك.. وسائلك الى تحقيق ذلك على النحو التالى: عليك أن تقرر بعد استكشاف مواقف الإسرائيليين والفلسطينيين إذا كانت الجهود التي بذلت في الأسابيع الأخيرة من إدارة كلينتون وتحت إشرافه تستطيع توفير أساس تقوم فوقه إضافات ترتفع به الى المستوى اللازم أم أن ذلك الجهد كان مضيعة للوقت وبالتالي تفض يدك منه ومن نتائجه. عليك أن تقرر هدفا لتدخل إدارتك في هذه الأزمة فإما أن تختار البحث عن حل دائم أو تكتفي بسياسة خطوة خطوة مرة أخرى. عليك أن تقوم بتحذير الطرفين من قيام أي منهما بعمل منفرد أو التهديد بعمل منفرد ولا بد أن يعرف الفلسطينيون دون أدنى شك أنك لن تقبل إعلان قيام دولة فلسطينية من طرف واحد كما أنه لابد أن يعرف الإسرائيليون أنك لن تقبل بعملية فصل كامل بين الشعبين. عليك أن توضح أمام كل من الطرفين أن الولايات المتحدة ليست لها مصالح ملحة تريد ضمانها من توصل الطرفين الى تسوية وإذا تم فصل نطاق الخليج عن النطاق الفلسطيني الإسرائيلي فإن مصالح الولايات المتحدة في التسوية النهائية بينهما محدودة وكل ما تريد الولايات المتحدة تحقيقه هو وضع نهاية للصراع تبقي الأماكن المقدسة هناك مفتوحة لأتباع كل الأديان. وليس لإدارتك أن تقدم أية مقترحات أمريكية لحل عقد مستعصية وإن كان بمقدورها أن تفعل ذلك بشرطين: أن يطلب الطرفان تدخلها بتقديم صيغة حل. وأن يتعهد كلاهما بقبول الصيغة التي تقدمها. عليك إعلام الطرفين بكل الوسائل أن التفاوض هو مسؤولية الاثنين وحدهما وأن إدارتك مع استعدادها لأن تتابع عملية التفاوض ليست مستعدة لأن تكون طرفا فيها. وفي كل الأحوال فإنك بهيبة الرئاسة لا تستطيع أن تتدخل في مثل هذه المفاوضات ومن الأفضل: ترك المهمة لوزارة الخارجية. تفعيل دور وكالة المخابرات المركزية. موقفك بصفة عامة: اقترب من الأزمة عند الضرورة ولكن لا تأخذها في أحضانك مهما كانت الظروف! التوصية الثالثة:الأولوية لمقاومة التحريض تستطيع السماح لأطراف دولية غير الولايات المتحدة ببذل جهود لتخفيف حدة التوتر في الإقليم.. وسائلك الى ذلك على النحو التالي: عليك أن تتعاون في هذا الصدد مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ويكون طلبك من الجميع أن يعملوا بجد على استعادة الهدوء في الإقليم دون أن يتجاوز أي طرف من هذه الأطراف الدولية ويسمح لنفسه بالتدخل في عملية التفاوض المباشر. عليك دفع الدول الإقليمية الموالية لك وخصوصا مصر وتركيا للوصول إلى العالم العربي والعالم الإسلامى وتخفيف أية احتقانات تحصل سواء لدى الشعوب أو لدى القادة. عليك أن تجعل مقاومة التحريض بين أولويات مطالبك، وهنا فإنه لابد من التأثير بأي طرق تراها فى الرأي العام العربى والإسلامي، ومن المهم تشجيع الحوار على كل المستويات بين الإسرائيليين وبين العرب والمسلمين. عليك أن تعمل على استئناف المفاوضات متعددة الأطراف، فمثل هذه المؤتمرات تساعد عملية السلام أو تخفف التركيز عليها أي تنتقل من السياسة إلى الاقتصاد ومن لغة الإثارة إلى لغة المصالح. عليك أن تتشاور مع الدول المنتجة للنفط لكي تقدم بعض المساعدات للاقتصاد الفلسطيني، ولفت نظرهم إلى أن ارتفاع أسعار البترول يجعل مثل هذه المساعدة بلا تكلفة زائدة ، ثم إن مثل هذه المساعدة تستطيع تغطية انسحاب دول النفط سياسيا من تعقيدات الأزمة فى فلسطين. التوصية الرابعة:هدد سوريا وحجمّ حزب الله عليك أن تهتم بمثلث سوريا لبنان إسرائيل، وتشجيع عملية تغيير فى سوريا ولبنان تفتح الباب لمفاوضات قد ترى أنك تستطيع توجيهها.. وسائلك إلى ذلك على النحو التالي: عليك تقوية إمكانيات الردع الإسرائيلى لأن ذلك وحده هو ضمان تحجيم إمكانيات حزب الله فى شن هجمات صاروخية على شمال إسرائيل. ومن المهم إبلاغ كل الأطراف باعتقادك أن إسرائيل تملك مشروعية الدفاع عن نفسها بالوسائل التى تقدرها ومن الضروري أن تدرك سوريا نقلا عنك مباشرة أنها سوف تصاب بأضرار جسيمة إذا سمحت بتحويل مواقع الحدود الإسرائيلية اللبنانية إلى منطقة عمليات عسكرية. وهنا فلا تشجع إسرائيل على استهداف المدنيين عند قيامها بعمليات الردع العسكري. عليك تأييد موقف السكرتير العام للأمم المتحدة فى اعتبار أن الانسحاب الإسرائيلى من جنوب لبنان هو وفاء من جانبها بشروط قرار مجلس الأمن 425. ولابد للبنان أن يعرف أنك تربط بين أي مساعدات أو استثمارات لإعادة إعمار لبنان بشرط انتشار الجيش اللبنانى على الحدود مع إسرائيل والبدء فى نفس الوقت بنزع سلاح حزب الله. عليك استكشاف الفرص المتاحة فى سوريا جرب إذا كان فى مقدور الرئيس السوري بشار الأسد أن يقوم بجهد فى تحسين علاقاته مع الولايات المتحدة. معيار قياسك لحسن نواياه هو الطريقة التى يتصرف بها إزاء لبنان وإزاء قضية الإرهاب «حزب الله»! عليك أن تتحرك بنشاط أكثر فى لبنان وذلك عن طريق تشجيع مطالبة اللبنانيين بحرية أكبر، وذلك لفك القبضة السورية عن الشئون اللبنانية، وتستطيع أن تقنع الحكومة اللبنانية بأن تأخرها فى إرسال جيشها إلى حدودها الجنوبية سوف يفرض عليك أن تعيد توجيه المساعدات الأمريكية للبنان.. لا تقدم مساعدات للجيش اللبناني.. وجه مساعداتك إلى دعم النواحي الإنسانية ومنها منظمات حقوق الإنسان والهيئات العلمية والمدنية وأي نشاط لمؤسسات المجتمع المدني فى لبنان! التوصية الخامسة:كن مستعداً ضد العراق عليك أن تمنع تواجد أسلحة متقدمة بما فى ذلك أسلحة الدمار الشامل فى ترسانات دول المنطقة، وعليك أن تحول دون انتشار هذه الأسلحة وبالتأكيد دون استخدامها.. وسائلك إلى ذلك على النحو التالي: عليك إيجاد توافق دولي إقليمي على منع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وليكن ذلك عن طريق التفاوض والتفتيش وغير ذلك من الوسائل الضرورية لبناء الثقة. عليك أن تكون متأهبا للرد بقوة على أية مخالفة، ولا بد أن تكون مستعدا على سبيل المثال لاستخدام قوة عسكرية طاغية ضد العراق إذا حاول إعادة بناء ترسانته العسكرية، ومن الأفضل أن ترتب لمثل هذا الاحتمال عن طريق الأمم المتحدة أو عن طريق تحالف حرب الخليج السابقة، وإذا استحال ذلك فعليك أن تكون جاهزا للعمل مع عدد قليل من الأصدقاء يدركون الخطر العراقي، ويتابعون خططه فى مجالات الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والنووية. عليك ردع إيران عن امتلاك أية أسلحة متقدمة، والمهم فى حالة إيران أن تكون اجراءاتك ضد القيادة الإيرانية وبدون تأثير على الشعب الإيرانى «لأن إيران حليف قوي إذا سقط نظام الثورة الإسلامية». عليك تشجيع فكرة إقامة نظام دفاعي صاروخي تقوم عليه الولايات المتحدة بالشراكة مع بعض الأطراف فى المنطقة، ولتكن البداية بمجموعة دول مجلس التعاون الخليجي، وبعد ذلك تنضم الأردن ومصر وتركيا، وعندما تتهيأ الظروف تنضم إسرائيل. ولذلك فمن المهم تشجيع تركيا والأردن وغيرهما من الدول الصديقة فى المنطقة على استعمال الصاروخ أرو «الذى تنتجه إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة». التوصية السادسة: ضرب «الإرهاب» أولاً عليك أن تبذل كل الجهود لمقاومة الإرهاب، فهذا هو الخطر الأكبر فى المنطقة ذاتها ومنها إلى غيرها.. وسائلك إلى ذلك على النحو التالي: عليك أن تدرس قصص النجاح التى شهدتها المنطقة فى مجال مقاومة الإرهاب، وأهمها تجربة تركيا فى التعامل مع حزب العمال الكردي، وتجربة مصر فى التعامل مع الجماعة الإسلامية. عليك أن تعمل على عزل ميدان العمليات الإرهابية وخطرها عن مجرى عملية السلام وتقلباتها، وعليك أن تجعل الأطراف خصوصا الأردن والسلطة الفلسطينية يدركون أن السماح بصلة بين عمليات الإرهاب وعملية السلام سوف يكلفهم غاليا، وأول التكلفة أن يخسروا صداقة الولايات المتحدة. عليك تشجيع أوسع لتعاون دولي وإقليمى ممكن لمواجهة خطر الإرهاب خصوصا من شبكات التطرف الإسلامي. تدّخل بدور نشيط فى مقاومة الإرهاب بواسطة التنسيق بين أجهرة المخابرات، وشجع على تبادل المعلومات سرا لأن هناك دوائر فى العالم العربي والإسلامى على استعداد للتعاون، لكنها لا تريد لأحد أن يسمع ما تقول أو يرى ما تفعل. لاحظ وجود مكامن للإرهاب فى إيران وباكستان واليمن وأفغانستان. ولك أن تتذكر أن فى أوروبا دولا قادرة على مساعدتك فى هذا المجال. عليك تقدير وسائلك فى العمل المباشر ضد الإرهاب دون أن تتردد لأي اعتبار، وعلى سبيل المثال فنحن نعرف أن بعض مدبري انفجار الخبر «فى السعودية» موجودون فى إيران. لا تتردد فى إعلان عزمك على استخدام القوة ضد معاقل الإرهاب أينما كانت وأعط لعزمك مصداقية فعلك! التوصية السابعة: تشجيع التغيير في إيران عليك أن تكون مستعدا للقيام «بإجراءات نهائية ضد القوى التي تهدد المصالح الأمريكية فى المنطقة، وأولها العراق وإيران.. وسائلك إلى ذلك على النحو التالي: عليك تشجيع التغيير في إيران وفي العراق، وعليك أن تلاحظ أن التغيير فى إيران يمكن أن يتم بوسائل سياسية، وأما التغيير فى العراق فلا يمكن أن يتم بوسائل سياسية. ومعنى ذلك أن التغيير فى إيران يمكن أن يتم من الداخل، وأما التغيير في العراق فيقتضي دعما من الخارج لثورة بالعنف أو انقلاب من الداخل. ولتسهيل التغيير فى العراق وتقليلا لتكاليف العنف الملازم له يستحسن إشغال صدام حسين وتشتيت انتباهه على أكثر من جبهة واحدة. عليك تقدير ردود فعلك العسكري مبكرا إزاء أي تطور يحدث فى العراق: فى حالة قيام تمرد ضد النظام فى بغداد. فى حالة تعرض صدام حسين للكيانات ذات الاستقلال المحلي فى المناطق الكردية شمال العراق. فى حالة رفض صدام حسين نهائيا محاولات إعادة الرقابة والتفتيش على برامج تسليح العراق. وفى كافة هذه الحالات ليس هناك ما يمنع من أن يكون صدام حسين على علم برد فعل الولايات المتحدة وتصرفها إزاء كل حالة، ويجري ذلك بالتوازي مع إعادة بناء إمكانية مالية وعسكرية وتكنولوجية لقوى المعارضة العراقية، على أن تكون هذه القوى على علم أكيد بحجم الدعم الذى يمكن أن تقدمه لها الولايات المتحدة فى كل ما تقوم به من أجل نظام ديمقراطي فى عراق ما بعد صدام حسين. عليك أن تشجع المعتدلين فى إيران ضد المتطرفين، وأن تصل من وراء الاثنين مباشرة إلى الشعب الإيراني: شجع السياحة بين إيران والغرب شجع القطاع الخاص فى إيران ابحث عن قنوات لحوار مع القوى الديمقراطية فى إيران. التوصية الثامنة:دعم الموالين لواشنطن بصرف النظر عن الموجة المعادية لأمريكا وهى تجتاح المنطقة الآن فإن عليك أن تعزز التيارات والمواقع الموالية للسياسة الأمريكية.. وسائلك إلى ذلك على النحو التالي: عليك أن تتأكد باستمرار من أنه ليس هناك «تآكل حتى بالتواكل فى علاقاتك فى المنطقة». عليك أن تشجع عملية واسعة للتعريف بالقيم الأمريكية والديمقراطية الأمريكية والممارسة السياسية فى أمريكا. عليك أن تعمل على ظهور قيادات جديدة صديقة لأمريكا وقادرة على إجراء إصلاحات توفر لها «لهذه القيادات» شرعية مقبولة. عليك تشجيع الاتجاه نحو الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، وفي هذا الميدان فإن عليك أن «تفكر بجرأة وتتصرف في حذر لأن عملك فى هذه المجالات يمكن أن يخلق حساسيات تعطل جهودك. ركز على مصر باعتبارها أكبر دولة عربية. ركز على السلطة الفلسطينية لأن قضية فلسطين موجودة فى كل بلد عربي، وهناك احتمالات واسعة لتطورات ديمقراطية مهمة في عصر ما بعد عرفات! التوصية التاسعة:اسرائيل هي الركيزة عليك أن تهتم بتقوية قواعد ووسائل عملك فى الشرق الأوسط لمواجهة أية احتمالات تنشأ دون أن يفاجئك منها شيء.. وسائلك إلى ذلك على النحو التالي: عليك أن تعرف أن إسرائيل هى الركيزة الأولى لضمان أمن الإقليم، والتحالف الأمريكي مع إسرائيل بالفعل وبالقول هو القاعدة المتينة لكل الخطط والسياسات، والحقيقة فإن قوة الشراكة بين البلدين هي أداة الفعل الرئيسية فى المنطقة، ولا بد أن تكون العلاقة بين الطرفين «الأمريكي والإسرائيلي» نظيفة من أى سبب للتوتر. عليك الاستفادة القصوى من هذه الحقيقة الاستراتيجية أن تكفل لإسرائيل تفوقا نوعيا متجددا طول الوقت على كل الأطراف العربية، وهنا فإن عليك أن تقاوم وترفض بشدة كل محاولة من جانب أي طرف عربي يطلب أو يسعى للتساوي مع إسرائيل. عليك أن تساعد مصر حتى تقوم بمسؤوليتها القيادية فى إطار سياستك، لكن إذا ترددت مصر فى القيام بهذه المسؤوليات بما في ذلك المبادرات الإقليمية الاقتصادية التى تشمل إسرائيل ثم تذرعت في ذلك بتعثر عملية السلام، فإن عليك أن تتخذ ما تراه لازما. وعليك أن تُذّكر كل من يعنيه الأمر أن مصر وإسرائيل تحصلان على أكبر قدر من المساعدات الخارجية الأمريكية. عليك أن تبذل جهدك لتأييد وتسريع عملية التطبيع بين الأردن وإسرائيل، وإقناع الأردن أن ذلك أفضل ضمان له سياسيا واقتصاديا، وحذر الأردن من غواية تصورها أنها تستطيع مغازلة أو مهادنة صدام حسين ذلك سوف يضر بسلامة الأردن واعتداله. عليك أن تشجع تركيا على القيام بدور رئيسي فى المنطقة مع إفهامها بطريقة واضحة أنها لا تستطيع أن تمارس هذا الدور، ولا أن تحقق نتائجه السياسية والاقتصادية إلا بالتعاون مع إسرائيل. بيروت ـ «البيان»: