في عصر التلفزيون صار السياسي يهتم بمظهره ربما أكثر من جوهره فقد أصبحت الشاشة البلورية منبراً مؤثراً وذا سطوة لا يمكن تجاوزه من اجل الوصول إلى قلوب الجماهير وليس بالضرورة إلى عقولها. وفي زمن التلفزيون صارت اختلاف الكاريزما صناعة عصرية لها فنونها واباطرتها الذين يجيدون مهارات تسويق السياسيين وتقويتهم جماهيرياً في الطريق إلى المناصب القيادية. وكان لابد لأساطين هذه الصناعة من التعامل مع السياسيين الطامحين بأدوات التلفزيون فعمدوا إلى استثمار فنونه كأفضل ما يكون في سبيل ترويج شخصياتهم وابطالهم للجمهور كأفضل ما يكون. واستسلم السياسيون كل حسب طموحاته إلى أصحاب الصناعة العصرية بعدما ادركوا ان الاستقطاب الجماهيري ما عاد وقفاً على بلاغة الخطاب السياسي وجوهره فقط وانما يعتمد كذلك إلى حد بعيد في عصر التلفزيون على طريقة العرض وأهم من ذلك كيفية الاداء. وتحول «الزعيم» إلى نجم تلفزيوني أو هكذا فرض عليه اساطين صناعة الكاريزما العصرية. وكان لابد له ان يتعامل بعقلية النجم التلفزيوني فيتجمل أكثر. ربما يكون نجوم التلفزيون الحقيقيون يتجملون في ادائهم ولكنهم لا يكذبون اذ يحاولون ما استطاعوا ذلك في الدراما أو الاستعراض ولكن نجوم التلفزيون من السياسيين يتجملون ويكذبون علناً وهم يدركون ذلك ويكتشف الجمهور كذبهم ولو بعد حين. ولذلك تنشط عمليات التجميل في مواسم الانتخابات بغض النظر عن البلد في الشرق أو الغرب. فها هو رئيس سيدة العالم جورج بوش يستسلم لاخصائية ماكياج قبل ظهوره على الشاشة ويحاول بوش ان يبدو هادئاً ومرحاً أثناء عملية تجميله غير ان قسمات الاخصائية لا تعبر عن ارتياحها للمهمة. ربما لانها اكتشفت عيوباً تدرك عجز مهنتها عن اخفائها في وجه بوش. وأثناء حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة كان لابد لنائب الرئيس السابق آل جور ان يلعب الدور التلفزيوني في سباق البيت الأبيض وهو يبدو في اللقطة الثانية مستسلماً لامرأة تكشف قسمات وجهها انها من اصل اسيوي تزين وجه آل جور لكن نتائج الانتخابات لم تكن بالطبع لصالح مسوقي نائب الرئيس ربما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يدرك اكثر من سابقيه في الكرملين حاجته لصانعي الكاريزما ذلك ان بوتين قفز إلى الحلبة السياسية من المجهول واكثر من ذلك انه جاء من جهات الامن وهو مجال يتسم قادته بالغموض ضمن صفات سلبية عديدة لعل أبرزها عدم الشهرة ومثل نجوم حضارة النيون الغربية حرص بوتين على الامتثال لحرفيي التجميل والتزيين. رئيس جنوب افريقيا ثابو مابيكي يعرف هو الآخر انه تسنم الرئاسة بعد زعيم له بريق عالمي ذلك نيلسون مانديلا ويحتاج مابيكي إلى مهارات فائقة لكي يثبت نفسه زعيماً خارج ظل مانديلا ولذلك لم يكن استثناء استسلامه لخبراء التجميل. الممارسة ليست وقفاً على السياسيين الحاليين فها هو هلموت كول المستشار الألماني السابق يخضع لعملية تجميل رغم عملقته وعملقة انجاز الوحدة الألمانية الذي حققه، وحتى رئيس الوزراء الإسرائيلي الاسبق بنيامين نتانياهو كان يمارس اللعبة في محاولة تجميل نفسه، وكذلك يبدو الحرص واضحاً على ديفيد تريمبل الوزير البريطاني لشئون ايرلندا الشمالية السابق وهو يتجمل قبل الظهور على الشاشة في لقاء تلفزيوني. وكما اشرنا فان هذه الصناعة تزدهر في مواسم الانتخابات وها هو اللقطة «8» راؤل كوباز مرشح الرئاسة في كولورادو في صالون للتزيين قبيل مناظرة تلفزيونية في الانتخابات قبل نهاية القرن وكذلك خضع فالداس ادمكوز الذي خاض انتخابات الرئاسة في ليتوانيا. الرئيس الاندونيسي الاسبق حبيبي وجد نفسه يواكب نجومية التلفزيون منذ بداية عهده. ربما نلاحظ بسهولة ان كل هؤلاء السياسيين من الرجال، اذ انه من الطبيعي ان نستوعب هذه الممارسة من النساء السياسيات، وهو المنطلق نفسه الذي نفسر به ان المرأة هي التي تتولى مهمة التجميل في الشرق أو الغرب. وعدم وجود سياسي عربي واحد في هذه المجموعة لا يعني تخلف الساسة العرب عن عصر التلفزيون أو انهم لا يتجملون مثل غيرهم من الساسة فان العرب يتجملون ويكذبون.