أصبح العنف الطلابي ظاهرة خطيرة متنامية خلال الفترة القصيرة الماضية. وهذه ظاهرة شديدة الأذى لأنها تلاحق المستقبل باعتبار ان من يمارس العنف هم الطلاب والشباب الذين نعول عليهم كثيراً في تجاوز الخيبات والانحدار الراهن. ونردد باستمرار: ان الاجمل لم يولد بعد. فهل يحمل جيل العنف هذا الامل في غد أفضل وهو يعجز عن الحوار واستعمال العقل عوضاً عن السيخ والمطاوي؟ من هنا يكون القلق والخوف مضاعفاً لأن هؤلاء الطلاب يبشرون بغد مليء بالعنف والتعصب وضيق الافق. يحاول كثيرون ـ وبحسن نية احياناً ـ ان يتعاملوا مع الظاهرة بعقلية الاجاويد والتي قد تنجح أحياناً ولكنها لا تذهب بعيداً لسبر غور الظاهرة ومتابعة جذورها البعيدة. فالسؤال الذي يواجهنا من البداية هو لماذا ازدادت احداث العنف في هذه الفترة بالذات رغم الحديث عن الانفتاح النسبي او عن هامش الحرية المتاح؟ هذا وضع طبيعي فالعنف كامن وينتظر الانفجار ويمكن لاحتكاكات بسيطة واختلافات طفيفة ان تطلق عنفاً مكبوتاً وان يكون رد الفعل أكبر بكثير من موضوع النزاع نفسه. فالاحتقان والغيوم التي مازالت تملأ الاجواء، كل هذا يجعل الجميع في حالة تربص والاستعداد العدائي هو الشعور السائد والذي يحكم أي تفاعل ويجره إلى العنف الذي هو نتيجة عادية لخلفيات وامزجة ومشاعر لن تنتج أي تسامح او حوار حقيقي. يعتبر العنف من التراث التاريخي الذي ادخلته ورسخته ما سميت بالاحزاب العقائدية في الجامعات والمعاهد العليا. فالعنف جزء من ثقافة او تربية الاخوان المسلمين والشيوعيين وقد تباروا في نشرها وتعميقها بين الطلاب عوضاً عن الحوار والكتابة والجدال الفكري العميق الهاديء. فإذا كانت مشكلة الجنوب ذات الطابع السياسي الاقتصادي قد نجمت عنها حرب اهلية طويلة، فهناك حرب اهلية ذات طابع فكري استنزفت طاقات الشباب الفكرية والثقافية قادها الاخوان المسلمون والشيوعيون لعقود طويلة اوصلت الوطن إلى أزمته المستعصية الحالية. والمتأمل للتاريخ السياسي السوداني منذ الاستقلال وحتى الآن يجده تجسيداً لحرب البسوس الإسلامية ـ الشيوعية. فالانقلابات وصراعات النقابات والاتحادات المهنية والطلابية واتحادات المرأة والتحالفات السياسية منذ الجبهة الاستقلالية وحتى التجمع الوطني الديمقراطي بالاضافة لصراعات الادباء والكتاب واستمالة الصحفيين كذلك تدهور ومعارك الخدمة المدنية. كل مكونات وعناصر ومفاصل الحياة العامة خضعت لهذه الحرب المعلنة أو المستترة بين الجماعتين رغم صغر حجمها عددياً وكمياً ولكنهما النخبة المثقفة ـ تجاوزاً ـ والتي تكون او تؤثر على الرأي العام وعلى الحاكمين. كان التنظيمان بوصلة او قنبلة موقوتة لأي نظام حكم او تكوين موقف سياسي لدى الاحزاب والقوى الاخرى، كانا الخصم والحكم والمحكمة للجميع. لذلك كان من الطبيعي ان تكون دور العلم ـ للأسف ـ هي المختبر لأفكارهم وممارستهم، وقد استثمر الاخوان المسلمون والشيوعيون دور الطلاب في الحركة الوطنية قبل الاستقلال 1956 وفي ثورة اكتوبر 1964 وفي قيادة الاحتجاجات باعتبارهم طليعة لم تلوثها المصالح والطموحات الخاصة بعد. هناك خطأ شائع هو اطلاق صفة عقائدي على الإسلاميين والشيوعيين باعتبارهما تنظيمات قائمة على ايديولوجية أو عقيدة فكرية محددة. بينما هو في الواقع احزاب ديماغوغية مشذبة ومطعمة بشذرات من شعارات إسلامية واشتراكية أو سوفييتية. بوصف أدق عجز التنظيمان داخل الجامعات والمعاهد العليا والمدارس عن مراكمة أي فكر من خلال التنظير والتدوين واكتفيا بصحف الحائط وأركان النقاش. ولم يصدر الشيوعيون أو الاخوان المسلمون أي مجلة خاصة بهما تعبر عن افكارهما. فهذه الطليعة أو النخبة التي تحتكر النشاط لم يفتح الله عليها باصدار مجلة أو دراسات منتظمة أو كراسات مستمرة لاظهار وتأكيد هذه العقائدية بين الطلاب والشباب. هذه كذبة كبرى عن عقائدية التنظيمين والعقيدة الثابتة التي تركها التنظيمان هي العنف، تعددت التسميات الجهاد أو العنف الثوري ولكن النتيجة واحدة غياب العقل وغلبة العضل وللمفارقة بين الطلاب والشباب. الآن رغم ان التنظيمين ليسا طرفين مباشرين في صراعات ونزاعات الجامعات ولكن الارث التاريخي يتحكم بوعي أو لا وعي في إدارة الخلاف بين الطلاب. ومع انهيار حائط برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي العظيم صار الشيوعي اكثر عجزاً وبالتالي حقداً وغضباً. ومع سقوط سور المشروع الحضاري صار الإسلامي اكثر عصبية وعنفاً فقد انتفخ في السابق بعصاة السلطة واستخدمها داخل الحرم الجامعي والدراسي ضد زملائه. وتحول الطلاب الإسلاميون إلى تروس في آلة الامن الضخمة. واستمر الإسلاميون في خلق عدو وهمي يسمونه دائماً الشيوعيين ولكنه مجرد مبرر لكي يكون العنف اكثر ضراوة وله مسحة دينية محببة. وفي الفترة الأخيرة احتكر الإسلاميون العنف الطلابي، مستخدمين الجناحين حسب الظرف والمقام. كما صارت المبادرة في استخدام العنف لديهم في كثير من الاحيان. وبالتأكيد هناك تناقض واضح بين تزايد الحديث عن الوفاق والحل السلمي الشامل من جهة وتصاعد العنف الطلابي من جهة أخرى. لأن اختبار مصداقية أي وفاق او تقارب يتم من خلال قبول الآخر والتسامح وتطبيق شعار الحرية لنا ولسوانا. وهذا اختبار صعب لكل من الإسلامويين والشيوعيين ، لانهما قسما الكون إلى أشرار وخيرين أو كفار ومسلمين أو رجعيين وتقدميين فقط ولا وجود لوضع ثالث. سيظل العنف الطلابي مستمراً طالما بقيت آثار الشيوعيين والإسلاميين وتراثهم العنيف في الجامعات ودور العلم. خاصة وانهما حتى الآن لم يقدما نقداً ذاتياً صادقاً وغير مناور، ولم يغيرا أساليب الصراع لأن تربية الامتثال والطاعة داخل التنظيمين تستمر في استنساخ نماذج طبق الاصل تقلد النسخة الأولى في كل شيء حتى طريقة الكلام ومضمون الكلام وحركة الايادي وتحريك العيون. واعتقد انها فرصة لاصلاح الخطأ وبدءاً من داخل دور العلم لانها الحاضنة الأساسية لهذين التنظيمين. وفي هذا شفاء لهما وشفاء للحركة الطلابية. ورغم صعوبة التراجع والمراجعة لدى التنظيمين إلا انها فرصة تاريخية للبداية الصحيحة ولعودة اليقظة للعقول. يمكن بعد ذلك الحديث عن تغيير واقع الحياة الطلابية بعد ضمان الدور الايجابي للإسلاميين والشيوعيين، اذ يأتي دور كل القوى والتنظيمات الاخرى. ورغم ان الاغلبية هي الآن خارج التنظيمين وتتكون من المستقلين أو المحايدين إلا انهم مازالوا في مرحلة البحث عن برنامج محدد ورؤية مشتركة وواضحة. ولكن حتى ذلك الحين فالحركة الطلابي عموماً مطالبة بتأسيس نشاط ثقافي وفكري يقوم على المعرفة الهادئة والعميقة وعلى الحوار الصبور على احترام الآخر المختلف وهذا يعني التقليل من ثقافة أركان النقاش القائمة على الصوت العالي والمعبر والذي ينتظر صاحبه التصفيق والاستحسان بعد كل فقرة مثيرة. لانقول بإلغاء مثل هذا النشاط ـ هذا مستحيل ـ ولكن يجب الا يكون المرجعية الوحيدة في تكوين الطلاب الفكري. من أسباب اللجوء إلى العنف الخواء الروحي بالمعنى الواسع، اذ يقل الاهتمام بالفنون ويغيب الاهتمام بالمسرح الجامعي ومعارض الفنون التشكيلية كذلك غياب الغناء الرصين والموسيقى الراقية. بالاضافة لتحميل البيئة داخل دور العلم نفسها بزراعة الاشجار والزهور اضافة للمعمار. لأن انتشار القبح حول الطلاب يجعل منهم مشاريع لممارسي العنف والغاء الآخرين: كن جميلاً ترى الوجود جميلاً. فهذه البيئة الثقافية والطبيعية العنيفة على العين والقلب والوجدان لابد ان تتغير لكي تساعد مواثيق الشرف ونبذ العنف. والبداية ليست في التوقيع على المواثيق وهذه عادة مارسها الكبار قبل ذلك كثيراً ولكن في الشروع فعلياً في تعميم حركة ثقافية وفكرية واسعة وعميقة تتجاوز البؤس الموروث عن التنظيمات العتيقة الديماغوغية التي ارتاحت ـ بسوء طوية ـ لتسمية العقائدية تقرأ خطأ الفكرية الحديثة خلافاً للطائفية. هذه المهمة تقع ليس على عاتق الطلاب فقط بل يشاركهم التربويون والمفكرون والمبدعون وكل المهتمين بالمستقبل ومن الخطأ ان نعتقد مجدداً ان يكون الحل في اتفاق بين قادة سياسيين فقط ينزلون اتفاقهم إلى الطلاب. فقضية العنف الطلابي ذات ابعاد ثقافية ونفسية وما السياسة إلا قناع يخفي الوجه الحقيقي.