شكل حرص الرئيس السوري بشار الأسد على زيارة الكويت بعيد زيارة رئيس حكومته محمد مصطفى ميرو لبغداد، اشارة لا لبس فيها إلى ان العلاقة السورية ـ العراقية الجديدة، التي تم مأسستها على مستوى لجنة عليا مشتركة ما بين البلدين، لن تكون في أي حال ضد الكويت ومن هنا حرص الجانبان السوري والكويتي علنياً على فهمها توافقياً في الاطار الاقتصادي وليس في الاطار السياسي، غير انه اذا كان صحيحاً ان التعاون الاقتصادي هو العنوان الاساسي لتلك العلاقة، فإن ما هو ابعد عن الصحة تجريدها من مضامينها السياسية، اذ لا يزال مبكراً الحديث عن فصل السياسة عن الاقتصاد في هذه المنطقة الملتهبة من العالم، بالطريقة التي تطرحها الايديولوجيا الليبرالية الجديدة للعولمة الجارية اليوم، وترتبط هذه المضامين ـ في اطار فهمنا للرؤية الاستراتيجية السورية ـ باعادة تعريف الرئيس السوري للعراق بوصفه «دولة مواجهة» وليس مجرد «دولة مساندة». وهو ما كان باعتراف القادة الإسرائيليين أنفسهم ـ الذين يسهل على أي منا العودة إلى تصريحاتهم العلنية ومؤتمرات خبرائهم يومئذ ـ العامل الاساسي في نشر سيناريوهات العدوان ضد سوريا طيلة الربع الأخير من العام الماضي، ومناقشة «تقدير الموقف» المترتب عليها. ورغم «الفيتو» الامريكي على تنفيذ هذه السيناريوهات لكن مع تبني نواياها ونقلها في صورة تحذيرات ورسائل واحياناً تهديدات لدمشق، وهو ما تم بالفعل سراً وعلنا اكثر من مرة ـ فإن دمشق قد وضعت على ما يبدو في تقديرنا خططها الدفاعية على أساس «الخيار الاسوأ»، وهو الاستعداد العملي لحرب محدودة في الحد الاقصى، أو لمعركة قاسية ميدانية تصادمية محددة في الحد الأدنى، واذا كان لقاء «جيئوت» السنوي الماضي في «ايلات» «الذي يتميز بصفة استشارية فعالة فيما يسمى في الادبيات الاستراتيجية بتقدير الموقف، ويشترك فيه عادة مندوبون عن مجلسي الأمن القومي الإسرائيلي والامريكي بحضور السفير الأمريكي في إسرائيل» قد وضع احتلال دمشق في تقديره مع احتلال منطقة الحكم الذاتي الفلسطينية، ومن ثم فرض شروط «السلام» الإسرائيلية، فإنه قد احتمل رداً صاروخياً سورياً غير تقليدي، وهو بالتأكيد ليس مستبعداً حسب منطق الوضع ـ فيما اذا قررت حكومة إسرائيل تصدير أزمتها المستعصية على طريقتها التقليدية، وهي شن عدوان لغايات سياسية انتخابية او داخلية لكن ـ برسم سياسات قومية تهدف إلى طمأنة «الشعب» على قدرتها على حمايته من قلقه الوجودي على مصيره الكياني، اذ لم تعد هناك دولة في العالم الراهن تشن حرباً لأسباب سيكولوجية جماعية او قومية عصابية او داخلية إلا إسرائيل. غير ان هذا الرد لن يكون مجدياً لسوريا فيما اذا فرض «الاحتمال الاسوأ»، بمعزل عن عمق استراتيجي ممكن وملموس، وليس هذا العمق في اطار اختلال التوازن الميداني الفعلي بالنسبة للرؤية السورية الا العراق ـ اذ ماذا تنفع مواقف الشجب الدبلوماسي على الطريقة العربية في الميدان؟ وهو ما يلتقي من جهة ثانية مع الرؤية العراقية الامنية لميراث الصراع الوجودي للدولة العراقية ضد إسرائيل حتى في ظل حكم عبدالاله. وهذا ليس مبالغة اذ ان كافة الاستراتيجيات العسكرية العراقية منذ عام 1948 موجهة ضد إسرائيل وايران، وبالطبع ما يهم هنا بالنسبة للرؤية السورية هو الموقف الاستراتيجي العراقي ضد إسرائيل، وهو موقف لا يستطيع ان ينكره حتى اعتى اعداء بغداد، من هنا ليس مفارقة ان يحسم الرئيس السوري خياراته الاستراتيجية الاساسية، بطي صفحات التناقض الفرعي ما بين دمشق ومحيطها الجيو ـ بيوليتيكي السياسي الطبيعي الممثل بالهلال الخصيب «بلاد الشام والعراق»، لمواجهة التناقض الأساسي مع إسرائيل، ومن الطبيعي هنا ان تكون ثوابته هي ثوابت الدولة السورية التي تتميز مع العراق جوهرياً عن سائر الدول العربية الاخرى بتناحرها الأساسي ضد إسرائيل. كما انه من المفهوم تماماً في سياق وضع الهلال الخصيب ان تكون سياسته الاقليمية في اطار بلدان الطوق، موجهة إلى العراق وفلسطين، ومن هنا اصر الاسد بحزم على توقيع اتفاق سياسي مع عرفات وفق ثوابت منظمة التحرير الفلسطينية نفسها، كما تحمست القيادة العراقية لرؤيته، ووضعت عدة ألوية تحت تصرفه القيادي. وحين اطلق رئيس الحكومة السورية في بغداد قوله ان «كل عدوان على العراق هو عدوان على سوريا»، فإنه كان يعبر عن الافق السياسي الاستراتيجي لمستقبل العلاقات السورية ـ العراقية، وبالتالي على احتمال ممكن لتطور اللجنة السورية ـ العراقية العليا إلى قيادة سياسية موحدة عليا في اطار استقلال البلدين. غير انه ليس من اليسير تجاوز التاريخ المر لعلاقة «الاخوة الاعداء»، التي كان كل طرف فيها ملجأ تقليدياً لمعارضي الآخر بمن فيهم الاكثر تآمرية على مدى خمسين عاماً ونيف على الأقل، بقدر ما يمكن القول اليوم، ان كلا من دمشق وبغداد لم تعودا تعولان على الأدوات السياسية الاعتراضية التي ثبت فشلها. لقد كانت هذه الأدوات بالمعنى الموضوعي أدوات عقائدية وجهت لأهداف استخدامية وقتية، وقد انتهى زمنها اليوم تماما، فحين يطرح الرئيس السوري ان دمشق تعارض أي تغيير خارجي للنظام العراقي، فإنه يطرح بداهة ان «اسقاط النظام العراقي» لم يعد هدفاً قريباً او بعيدا لها، ويصح ذلك على موقف بغداد من شعارها السابق باسقاط النظام السوري، والذي كان يتبنى في مرحلة معينة علنيا الكفاح المسلح، بكلام موجز، اذا كانت العلاقة السورية ـ العراقية قد تميزت على مدى خمسة وثلاثين عاما على الاقل بالتناقض التناحري فإنها اليوم تشرع بطي ذلك عبر التوافق على تجميد الصراع الحزبي المزمن الناشب منذ عام 23 فبراير 1966 حين شهد الحزب أول انقسام درامي من نوعه في تاريخه، وتوقف كل طرف عن دعم معارضي الطرف الآخر، ورفع القيود عن حركة السفر والانتقال ما بين البلدين، وبكلام آخر انتهت الحرب الباردة ما بين دمشق وبغداد، ودخلت العلاقات السورية ـ العراقية في مرحلة ما بعدها، والتي يمكن ان تحتمل أشكالاً استراتيجية اقتصادية وعسكرية وسياسية عديدة.