حزنت كثيراً على ما جرى للدكتور عدنان البخيت الذي أملى مقالاً افتتاحياً لمجلة «الندوة» التي يحررها، وتصدرها جمعية الشئون الدولية في الأردن، وقد كان عنوان مقالة الدكتور البخيت هو أقسى ما في المقالة، حيث قال يارب الغوث. والمقال ينم عن حب هذا الأردني حتي النخاع لبلده وقيادته وشعبه ولكن هذا الماضي العريق الذي يتحلى به الرجل، وما صنعه من خدمة لبلده كمؤرخ وموثق، وبان لجامعة آل البيت تحت الاعين الهاشمية، لم يشفع له. فأخرج من الجامعة، جالباً مع هذا القرار الحزن والاسى لكثير من محبيه، والمعجبين به، والمعجبين المفتونين ببلدهم الأردن. وتساءلت في نفسي، وقد وردت قضيتي وقضيته معاً. في كثير من التحليلات الصحفية، لذا كان القرار ضده رسالة إلى كل من يكتب مالا يرضي بعض المسئولين بأن انتبهوا ايها السادة والسيدات، فنحن سنلاحقكم بغض النظر عن اصلكم ومنبتكم، أردنيا كان أم شركسياً، أم فلسطينيا، أم سورياً، أم واحدة من الطوائف والاثنيات والمنابت الاكثر بين 50 في بلد بوتقة الانصهار، البلد المضياف الأردن. ويسألني كثير من الناس، ولماذا لم يلاحق النائب الفلاني «وهو من عشيرة الدكتور البخيت»، علماً انه سعى بالفتنة والفساد على أسس جغرافية تحت القبة البرلمانية وخارجها، وقضم اذن أحد النواب، ولماذا يترك صحفي مثل د. فهد الفانك ليتعرض لكل مقدس ومهاب في الوحدة الوطنية دون ان يساءل. وجوابي ان ما اكتبه انا، او ما يكتبه د. عدنان البخيت اخطر بكثير مما يكتبه د. الفانك، أو ما يصيح به النائب المحترم، ولكنني ادافع عن حق كليهما كي يقول رأيه، حتى ولو كان ذلك الرأي سخيفاً، فالكلمة المفتوحة هي التي تخرج المكارة من تحت البسط، وهي التي تزكم الانوف فتسارع إلى فتح الشبابيك وتغيير الهواء ومع الاسف، فان كثيراً من الكلام المكبوت حول العلاقة الاردنية الفلسطينية داخل الأردن يتم التداول به في الصالات المغلقة، وفي أماكن الافراح والاتراح. وفي الايام التي تكثر فيها البطالة والفقر وشح المطر، تهتاج اعصاب الناس اكثر، وترتفع درجة حساسيتهم، فلا يتسامحون. فاللافت للنظر في الأردن، ان كل الاحصائيات التي تعكس القيم الفعلية للناس تسير بالاتجاه المعاكس للتعبيرات الشفوية. فحالات الزواج المختلطة بين اردنيين وفلسطينيين داخل الأردن، وحالات الشراكة من نفس المنبت والموقع الجغرافي وهذه حقائق انثروبولوجية في غاية الدلالة والأهمية. ولكن كبت البحث في هذه القضايا على مستوى عاقل وناضج، هو الذي يبقي القضايا على المستوى التحليلي والشخصاني، ويحرمها من فرصة أبراز الايجابيات. وقد كتب د. الفانك مقالاً سيئاً في صحيفة أردنية الاسبوع الماضي يقول فيه ان حوالات الأردنيين العاملين في الخارج سوف تبلغ في نهاية العام الحالي حوالي 2 مليار دولار. ويقول الفانك ان هذا رقم مهم، ولكنه لا يؤثر على الناتج المحلي الاجمالي الذي لايشتمل على صافي عوائد عناصر الانتاج، والتي تدخل في الناتج القومي الاجمالي وهو كذلك لا يؤثر على ايرادات الحكومة لأن هذه حوالات لأفراد، والواقع ان القواعد المحاسبية تؤكد صحة ما يقوله الدكتور الفانك. ولكن الحقائق الاقتصادية تسخر من قوله، فهل يقصد ان يقول الدكتور الفانك ان الناتج المحلي الاجمالي سيبقى على حاله بدون الـ 2 مليار دولار التي تأتي من العاملين في الخارج. وهل يقصد ان يقول لنا ان موازنة الحكومة ستبقى غير متأثرة لو انقطعت هذه الأموال. وهو يقول ان هذه الاموال تذهب للافراد فنقول صحيح، ولكن عندما ينفقها الافراد، الا يذهب جزء منها إلى ضريبة المبيعات وآخر للجمارك، وآخر للرخص، واخر لضريبة الدخل. ألم يسمع الدكتور الفانك بنظرية المضاعف؟ وبنفس المنطق يقول، وفقاً لاحصائيات دائرة الاحصاءات والبنك المركزي، ان جزءاً يسيراً من هذه الحوالات يذهب للاستثمار. وما المانع ان يذهب للاستهلاك، ويزيد من حركة السوق، ومن الرغبة في الاستثمار. يقول الدكتور الفانك ما يقوله لأنه يريد بصراحة ان يقلل من دور الأردنيين من اصل فلسطيني، والذين يشكلون اكثرية الاردنيين العاملين في الخارج، في التأثير الايجابي على الاقتصاد الأردني انا معه لو قال ان العاملين في الخارج قادرون على الوقوف مع الاقتصاد الأردني بشكل فعال اكثر. ولكنني لست معه في اسلوبه الافتتاحي وغير المقدر للآخرين. لا اريد للدكتور الفانك ان يتوقف عن الكتابة، ولكنني سأرصد ما يكتبه «تفيص اقتصادي» دافع لاحداث الفرقة في بلد يحتاج لوحدته الوطنية، والتي يجب ان تزداد تماسكا وصلابة وتسامحاً هذه الأيام بالذات.