قضية الدين لم تكن يوماً من الأيام سبب الخلاف بين الشمال والجنوب، فقد حدث التمرد في عام 1955 في ظل دستور بريطاني علماني كما استمر التمرد في الستينيات في وقت ليس فيه اعلان عن توجه ديني، وعندما انتهت الحرب في ظل اتفاق أديس أبابا 1972 تضمن دستور 73 اتفاق أديس أبابا جنباً الى جنب مع الحديث بوضوح عن مصادر التشريع الاسلامي ولم يكن هناك احتجاج طوال عشرة أعوام، بل ان حركة قرنق بدأت تمردها في مايو 93 قبل أن يُعلن نميري قوانين سبتمبر من العام نفسه، لذا فإن إقحام قضية الدين والدولة جاء مؤخراً لخلق مزيد من التعقيد أمام حل المشكلة. لقد تأخر تحقيق الوفاق الوطني لأكثر من ثمانية أعوام ففي عام 1993 عندما تحولت الانقاذ من حكم عسكري الى حكم انتقالي كان يحكم البلاد مجلس سيادي عسكري، كما كانت تدار الاقاليم بواسطة حكام عسكريين، وعندما تم حل المجلس العسكري، كلف الرئيس البشير برئاسة الجمهورية كما تم تعيين مجلس وطني انتقالي ليسهم مع الرئيس في الجانب التشريعي، ولقد دعونا آنذاك عندما استقال الوزراء والحكام ان تكون سمة المرحلة الانتقالية هي تحقيق: ـ السلام. ـ التوازن السياسي. ـ التوازن الاجتماعي. ـ اعمار العلاقات الخارجية. ولكن تصلب المعارض من جانب ومقاومة تيار داخل الحكومة مناوئ لنهج الوفاق حال دون السير في طريق الوفاق، كما توقفت مجهودات الوصول الى سلام بنهاية حقبة الرئيس ابراهيم بابنجيدا ودخلت الحكومة في مبادرة الايجاد دون دراسة مسبقة، وخرجت منها في عام 1994 وهكذا ضاعت فرصة تحقيق الوفاق في مرحلة الانقاذ الانتقالية 93 ـ 1996. وعندما دخلت الانقاذ مرحلة تطورها الثالث وذلك باجراء انتخابات لرئاسة الجمهورية والمجلس الوطني ومجالس الولايات قاطعت المعارضة هذه الانتخابات بسبب عدم الوصول الى اتفاق ولسريان المراسيم الدستورية، ولم ينجح المؤتمر الوطني الكيان السياسي الواحد والذي كان من المؤمل أن يكون كياناً جامعاً لأهل السودان، لم ينجح في توحيد الارادة السياسية للسودانيين وبدلاً عن ذلك زادت حدة الاستقطاب وكان من نتيجته فتح جبهة قتالية جديدة بالشرق شاركت فيها المعارضة الشمالية وتحولت الى معارضة مسلحة ليزيد كل ذلك من معاناة الشعب السوداني. في هذه الحقبة عمل العديد من أبناء الوطن لمنع هذا الاستقطاب وقامت الهيئة الشعبية للحوار الوطني والسلام بالخرطوم في عام 1997 حينما استشعر لفيف من ابناء السودان التحديات الجسام التي يتعرض لها الوطن والمخاطر المحدقة به من كل جانب، فآلوا على أنفسهم العمل من أجل جمع الكلمة ووحدة الصف حفاظاً على الوطن ومقدراته لأن المواجهة العنيفة والاحتراب لن يؤديا الى حل المشاكل بل تزيد النار اشتعالاً ولأنها معركة ليس فيها غالب أو مغلوب وانما هناك خاسر واحد هو الشعب السوداني. إن قوى أجنبية تعمل على تأجيج الصراع وتعمل لاعادة تشكيل خارطة بعض المناطق في العالم، ولها رؤيتها للسودان ذي الموقع الاستراتيجي المهم وموارده الضخمة، كما ان بعض القوى الكبرى أصبحت تفرض هيمنتها وتتدخل من منطلق ذرائع الحفاظ على حقوق الانسان وحقوق الاقليات فهي تحاصر وتعاقب وتهدد .. فالسودان أصبح مستهدفاً في وحدته وموارده واستقراره وتحول النزاع السوداني من داخلي الى اقليمي ونخشى ان يتحول الى دولي. ولكن مجهودات الهيئة الشعبية للحوار الوطني والسلام في عام 1997 ذهبت أدراج الرياح برفض الحكومة والمعارضة معاً لما تم عرضه من مبادرة متكاملة لا تختلف عما طرحته المبادرة المشتركة بعد مضي أربعة أعوام. في الحقبة الرابعة للانقاذ وبعد وضع دستور 1998 بديلاً للمراسيم الدستورية والذي اعترف بالتعددية الحزبية، وتضمن اتفاقية الخرطوم للسلام التي وُقعت مع شريحة من الفصائل الجنوبية، لم يتبن في الساحة غير مبادرة الايجاد وهي في الأصل لقاء بين الحكومة وحركة قرنق فقط. في اغسطس 1999 كان مؤتمر وادي النيل من أوائل الأحزاب التي التقت الوفد المصري الليبي الذي جاء بالمبادرة المشتركة وقدمنا لهم كتاباً عن رؤية مؤتمر وادي النيل في حل القضايا السودانية، ورحبنا بالمبادرة لانها هدفت الى حل المشكلة السودانية برمتها في الجنوب والشمال كما هدفت الى إشراك كل القوى السياسية في الحكومة والمعارضة، ولكن المبادرة وجدت حرباً من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وحركة التمرد ونعترف انها ماتت الى ان فجأة قدمت دولتا المبادرة المذكرة الأخيرة في أوائل يونيو 2001 ورغم ان أصحاب المبادرة قدموا المذكرة «للحكومة والتجمع وحزب الأمة» مع إغفال تام لبقية القوى السياسية فقد كان هذا محل استنكارنا ونعتقد انه خطأ لابد من تصحيحه لاننا نعتقد ان القوى السياسية التي أهملت هي التي تشكل غالبية أهل السودان، ولكن برغم ذلك كان مؤتمر وادي النيل من منطلق المسئولية الوطنية من أوائل الموافقين على المذكرة كما جاءت دون حذف أو تعديل أو اضافة لأننا نعتقد ان المذكرة وفقت في وضع مبادئ من البند 1 ـ 7 وهي محل اتفاق كل السودانيين، وحيث اننا بحاجة الى وحدة الارادة السياسية لمجابهة المخاطر المحدقة بالوطن في الوقت الذي تتزايد فيه مهددات الأمن القومي ويتواصل فيه نزيف الدم السوداني الغالي وتكتمل فيه حلقات التآمر من قوى الاستعمار الجديد كما اننا بحاجة الى الوحدة الوطنية لمجابهة مخطط الطمع الأجنبي الذي يجري تنفيذه باتقان الآن. إذن فإن المذكرة بتجنبها القضايا الخلافية التي يمكن ان تؤدي الى فشل الوصول للحل وهي قضايا العلمانية والدين وقضية تقرير المصير، عمدت الى جمع ارادة أهل السودان فيما هم متفقون عليه ويترك أمر الخلاف لوقت لاحق، فإذا كان الهدف هو تحقيق السلام العادل فإن ما جاء من مبادئ كفيل بأن يرضي طموحات السودانيين في الجنوب والشمال كما ان التنسيق مع دول الجوار الافريقي الذي جاء في المادة الخامسة من المبادرة المشتركة في أصلها الأول هو بمثابة الضمان لما يتم الاتفاق عليه، وبهذا يصبح اللجوء لتقرير المصير غير ذي معنى، أما قضية فصل الدين عن الدولة فإنها لم تكن يوماً من الأيام سبب الخلاف بين الشمال والجنوب فقد حدث التمرد في عام 1955 في ظل دستور بريطاني علماني، واستمر التمرد في الستينيات في وقت ليس فيه اعلان عن توجه ديني، وعندما انتهت الحرب في ظل اتفاق أديس أبابا 1972 تضمن دستور 73 اتفاق أديس أبابا جنباً الى جنب مع الحديث بوضوح عن مصادر التشريع الاسلامي ولم يكن هناك احتجاج طوال عشرة أعوام، بل ان نميري عندما أعلن قوانين سبتمبر جاء ذلك بعد ان بدأت حركة قرنق تمردها في مايو من العام نفسه، لذا فإن إقحام قضية الدين والدولة جاءت مؤخراً لخلق مزيد من التعقيد أمام حل المشكلة وهذا يدل ان لجون قرنق أجندة خفية وان الدين موجود في وجدان الشعب السوداني، وينبغي ان يوضع في المكان اللائق به بعيداً عن العبث والاستغلال. وفوق هذا وذاك فإن قضية تقرير المصير ووحدة السودان وقضايا العلمانية والدين هي قضايا تهم الشعب السوداني بأسره ولا توجد فئة سياسية أو عسكرية مفوضة من الشعب السوداني للبت في هذين الأمرين، ولذلك فالوضع المنطقي ان تبعد هذه القضايا من طاولة المفاوضات لحين استفتاء الشعب السوداني فيها لاحقاً بأن ترجع القوى السياسية لجماهيرها قبل الانتخابات، والاسراع بعقد المؤتمر الجامع للقيام بالآتي: ـ ان يتم الحوار حول البنود السبعة من المبادرة وصولاً للميثاق الوطني مع استبعاد قضيتي تقرير المصير وفصل الدين عن الدولة لان ادراجهما في الاجندة سيؤدي الى فشل المؤتمر. ـ اعلان وقف دائم لاطلاق النار. ـ صياغة الدستور وقانون الأحزاب وقانون الانتخابات وقانون الأمن وغيرها من القوانين المهمة من وحي بنود الميثاق الوطني. ـ تشكيل حكومة وحدة وطنية قومية تعمل وفق الدستور المعدل الجديد (1998 المعدل) ورعاية تنفيذ بنود الميثاق الوطني وتنظيم انتخابات حرة نزيهة. ـ تشكيل هيئة يمكن ان تسمى مجلس الشيوخ بعدد يوازي اعضاء المجلس الوطني بمشاركة كل القوى السياسية يتولى مع المجلس الوطني مسائل التشريع، هذا إذاً تم الاتفاق على بقاء المجلس الوطني اما في حالة العكس يصبح المجلس المعين من قبل المؤتمر الجامع هو البرلمان الانتقالي. بقلم الدكتور: حسين أبو صالح