على بلاطة، كما يقول المثل الدارج.. يؤكد مؤلف هذا الكتاب.. وهو صحفي محقق بارز وباحث في مجاله، أن الكذب الصريح السافر .. وهل نقول الفاجر؟ كان أداة إسرائيل على طول الخط، منذ أحداث عام 1967 وملابسات مأساة «ليبرتي» سفينة التجسس الأمريكية التابعة كما أسلفنا لوكالة الأمن القومي بالولايات المتحدة. وكما المحنا أيضا .. فالكذب الصهيوني لم يقتصر على حكاية ليبرتي ولكنه امتد ليحاول تغطية المجازر التي اسهب مؤلفنا الأمريكي في تفصيلها في الفصل السابع من كتابه وقد اختار له عنوان «الدم» وهو يقصد دماء الأسرى المصريين الذين غدر بهم الصهاينة وقتلوهم بالعمد في مجازر جماعية خلافا لكل ما تواضعت عليه الإنسانية من أعراف الحرب وتقاليدها العسكرية منذ فجر التاريخ. جرائم حرب يهمنا في هذا السياق بالذات أن ننبه إلى الوصف الدقيق الذي أطلقه مؤلفنا الاستاذ جيمس بامفورد على هذه الأفاعيل ـ الخطايا الإسرائيلية التي حرص على توثيقها عبر صفحات الكتاب الذي نستعرضه في هذه الاحاديث.. أن جيمس بامفورد يطلق عليها عبارة واحدة هي: جرائم حرب. وهذا وصف خطير لأنه يعني أولا أن مثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، ويعني ثانيا أن كل مرتكبيها يحملون مسئولية اقترافها بصورة شخصية، فلا يتذرع أحدهم بأنه كان مأمورا أو مقودا ينفذ أداء القيادات الأعلى، ويعني ثالثا أن الجانب العربي أصبح من حقه أن يلاحق مرتكبي جرائم الحرب هذه شريطة أن يكسب إلى جانبه القوى الشريفة في الرأي العام العالمي، وهي كثيرة وفعالة، ويعني أخيرا أنه قد حان الوقت لرفع دعاوى أمام محاكم الجنايات الدولية كي تحقق في جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل. عند هذه النقطة نحيل إلى سطور الكتاب حيث يقول المؤلف: من البداية الأولى كان العنصر الأساسي في خطة إسرائيل هو إخفاء معظم وقائع الحرب خلف ستارة محبوكة جيدا من الأكاذيب، أكاذيب حول تهديد مصري وأكاذيب حول من بدأ الحرب وأكاذيب قدمت إلى الرئيس الأمريكي وأكاذيب سمعها مجلس الأمن الدولي وأكاذيب للصحافة .. وأكاذيب للرأي العام .. وبعد هذه العبارات وقد نقلناها بنصها الحرفي .. يواصل المؤلف حديثه قائلا: من هنا يلاحظ المؤرخ العسكري الأمريكي ريتشارد سميث أن أي محاولة سعت إلى اختراق هذه الستارة الدخانية التي القت ضبابا على الحرب «العربية ـ الإسرائيلية» كان مصيرها.. الاحباط! ومن سوء حظ السفينة «ليبرتي» ان وجدت في مياه المتوسط وسط هذا الضباب الذي نشرته إسرائيل. لقد أكد الناجون من أطقمها أن البحرية الإسرائيلية عرفت بوجودها فيما نشطت سفينة التجسس الأمريكية في رصد الإشارات اللاسلكية الإسرائيلية والمصرية التي كانت محتشدة في أجواء الأثير. وفيما كانت المذابح الإسرائيلية دائرة بحق الأسرى المصريين، جاءت إشارة صهيونية تحذر من وجود سفينة في المنطقة يشكل وجودها خطرا على حياة الإسرائيليين .. ولم يكن في المنطقة، كما يوضح مؤلفنا سوى سفينة التجسس «ليبرتي» ولم تكن مزودة بأسلحة يعتد بها لأنها كانت مجرد سفينة شحن لنقل البضائع من أيام الحرب العالمية وحين استدعوها للخدمة من التقاعد ـ حولوها إلى محطة تجسس عائمة وليس إلى سفينة مقاتلة. هنا يعلق جيمس بامفورد قائلا: لم يكن ثمة تهديد لحياة الإسرائيليين ولا كانوا يحاولون الدفاع عن أنفسهم. والحقيقة أنهم كانوا يحاولون إخفاء اسرارهم والتغطية على ما يدور في المنطقة «من جرائم الحرب» هنالك شاهد قائد السفينة «ليبرتي» طائرات الميراج الإسرائيلية تنقض فجأة وتقصف سفينته وبدأ أفراد الإتصالات على متنها يسمعون صيحات الطيارين الصهاينة بالعبرية يقولون: «مدهش .. عظيم .. إنها تحترق»! وكان الهجوم مخططا ومتعمدا ومدمرا، قنابل الصهاينة قصدت عمدا إلى إعطاب هوائيات السفينة وآلاتها الالكترونية فجعلتها ـ كما يصفها المؤلف ـ عاجزة عن أن تسمع أو أن ترى أو تتكلم بمعنى أن ترسل استغاثات للنجدة بعد استغاثتها الأولى التي التقطتها حاملة الطائرات الأمريكية «ساراتوجا» التي كانت تجوب وقتها مياه البحر المتوسط. أسرار ترى النور ثم يعود بنا المؤلف إلى مجازر ـ مذابح الأسرى العرب في العريش وما حولها، ويكشف المؤلف سرا جديدا يقول فيه: لقد حصلت على وثائق دامغة تثبت أن ثمة طائرة تجسس تابعة لوكالة الأمن القومي الأمريكية كانت تحلق في السماء فوق مسرح أحداث المجازر التي تعرض لها الأسرى وكانت تتصنت على ما كان يدور على الأرض «والغريب» ان الوكالة الأمريكية أبقت على هذا السر مخفيا على مدى 35 سنة ومع ذلك يؤكد مؤلف الكتاب أن حصيلة التجسس الذي مارسته الطائرة الأمريكية بشرائطها ووثائقها موجودة ولكنها تعد ـ كما قال ـ من «بين أعمق أسرار وكالة الأمن القومي الأمريكية». انضمت طائرات المستير الإسرائيلية إلى طائرات الميراج «وكلها صناعة فرنسية» وبدأت استخدام النابالم الحارق لتدمير السفينة الأمريكية منكودة الحظ، ويؤكد المؤلف أن تسجيلات التخاطب التي أمكن الحصول عليها بين الطيارين الصهاينة كانت تنبئ بما راودهم من مشاعر السعادة إلى درجة شهوة الفرح لأنهم قتلوا ودمروا وأسقطوا قنابل وأزهقوا أرواحا ولا أدل على شهوة القتل من قول المؤلف «ص 219» ان الصهاينة عمدوا إلى تدمير قوارب النجاة القليلة التي كانت على جانبي السفينة «ليبرتي» حتى يقطعوا كل طريق للنجاة على أفراد طاقمها. وفي هذا السياق يقول المؤلف: في ذلك اليوم كان الإسرائيليون قد ارتكبوا مجازرهم التي أمعنوا فيها ذبحا وتقتيلا في المدنيين والأسرى العرب.. وهاهم يكملون جهودهم فيستنفدوا بقية اليوم لكي يتأكدوا أن كل طاقم السفينة الأمريكية قد سدت أمامهم سبل النجاة أو الحياة ولذلك كانوا يقتلون كل من يقفز إلى قارب أو إلى مياه البحر. ويبدو أن مؤلفنا جيمس بامفورد يعتقد أن مصير السفينة «ليبرتي» قد تحدد، وأن الإسرائيليين قرروا تدميرها بأي ثمن لأنها كانت شاهد عيان على المجازر التي ارتكبوها بحق العرب من مدنيين وعسكريين. ولا أدل على ما نذهب إليه من نص عبارات المؤلف التي يقول فيها: لم يكن الإسرائيليون على بينة مما التقطته وكالة الأمن القومي الأمريكية من معلومات ولذلك فقد تحسبوا واحتاطوا لأسوأ الاحتمالات، وهو ان الوكالة قد سجلت قرائن تثبت ارتكابهم مجازر متعددة في ذلك الصباح .. وكان من شأن ذلك أن يشكل أدلة دامغة حاسمة على اقتراف الجنود والضباط الإسرائيليين جرائم حرب بموافقة من كبار القادة في الجيش الإسرائيلي. في واشنطن كانت هناك عناصر في إدارة الرئيس جونسون ـ من مدنيين وعسكريين ـ تود لو تغلق بسرعة ملف السفينة ليبرتي ومأساتها .. وهنا يؤكد المؤلف أيضا أنه حصل على وثائق تثبت هذا الأمر وكان أصحاب هذا الرأي «يريدون حماية إسرائيل من الاحراج» فيما كان هناك من يخشى من عواقب اكتشاف ما كانت تحمله السفينة من معلومات وأسرار تنتمي إلى فصيلة الاستخبارات. وفي المكتب البيضاوي كان الرئيس جونسون يخشى أن تكون ليبرتي قد دمرت بهجوم مصري أو سوفييتي لكن جونسون ـ يضيف المؤلف ـ ما لبث أن شعر بالإرتياح فقد دمرت بهجوم .. إسرائيلي! وربما كان مرد هذا الارتياح أيضا أنه لن تحدث مواجهة كانت واشنطن تخشاها بينها وبين موسكو السوفييتية وسرعان ما طيروا برقية مشفرة من البيت الأبيض إلى كوسيجين رئيس وزراء روسيا في الكرملين تقول: «علمنا الآن أن السفينة ليبرتي وهي سفينة مساعدة (بمعنى ثانوية لا أهمية لها)! قد اصابها طوربيد من جانب القوات الإسرائيلية بطريق الخطأ» تأمل النفاق. وصلت الرسالة إلى الكرملين في الحادية عشرة والنصف صباحا وبعد 45 دقيقة أجاب كوسيجين بأنه تسلم الرسالة وأنه أبلغ بها الرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة. لكن ثمة رسالة سوبر عاجلة وصلت من تل أبيب إلى البيت الأمريكي الأبيض، وفي هذا يقول المؤلف: خلال ساعات من الهجوم طلبت إسرائيل إلى الرئيس جونسون أن يدفن الحادثة .. بهدوء وبعث السفير الأمريكي في تل أبيب برقية غاية في السرية ومحدودة التوزيع جدا تحث على التعتيم على أخبار الحادث بدعوى أنه كفيل بأن يثير شكوك العرب في أن أمريكا كانت تساعد «حاشا لله» إسرائيل. ابتلاع الاهانة على هذا كله يعلق مؤلفنا جيمس بامفورد قائلا: وبعد ذلك بفترة قصيرة، أمر البنتاجون بفرض حظر كامل على أخبار الحادثة، ولم يكن يسمح لأي فرد في الميدان بأن يذكر أي شئ عن هذا الهجوم. ثم بدأت حكومة تل أبيب تزود واشنطن بتبريرات تسوغ بها ما ارتكبته من تدمير إحدى السفن الأمريكية. وكانت حركة مكشوفة ولكن واشنطن كانت على استعداد لأن تبلعها وتقنع نفسها ورعاياها بأن المسألة كلها كانت مجرد غلطة لا أكثر ولا أقل .. ولم يقف أحد لكي يدرس الأمر أو يتساءل، مجرد تساؤل حول أي تحقيق أجرته إسرائيل في مثل هذا الحادث. وكيف أنه لم يسفر ـ كما يؤكد مؤلف الكتاب ـ عن محاكمة عسكرية لأي مسئول كبير أو صغير ولم يتم تنزيل رتبة أحد ولا حتى توجيه أي لوم إلى أي ضابط أو جندي في جيش إسرائيل. والأمر الأكثر استفزازا هو ما يعبر عنه المؤلف حين يقول إن إسرائيل ـ على العكس ـ اختارت أن تكرم زوارق الطوربيد التي أجهزت على السفينة الأمريكية. والسؤال المطروح هو: لماذا بلعت إدارة جونسون كل هذه الاكاذيب وكل هذه الافتراءات الإسرائيلية؟ يقول المؤلف في معرض الاجابة: على الرغم من كل هذا الفيض من الأدلة الدامغة التي تدين إسرائيل بمهاجمة السفينة الأمريكية وقتل عسكريين أمريكيين من طاقمها إلا أن إدارة جونسون ومعها الكونجرس! عمدوا إلى التستر على الحادثة برمتها والرئيس جونسون يخطط لخوض انتخابات الرئاسة في السنة التالية وكان بحاجة إلى تأييد من الأصوات المؤيدة لإسرائيل.. ومن ثم كان سلوك إدارته مجللا بالعار. ثم يحيل المؤلف إلى شهادة أدلى بها تورديللا وكان من أكبر مستشاري جونسون في البيت الأبيض حين قال: كنت اعتقد أن الهجوم على «ليبرتي» قد صدرت أوامره من قائد إسرائيلي كبير كان في شبه جزيرة سيناء وقد تصور ـ خطأ ـ أن السفينة الأمريكية كانت تراقب الأنشطة التي كان يقوم بها وقتذاك. ويعلق مؤلفنا على هذه الشهادة قائلا: والعجيب ان هذه الشهادة جاءت موافقة للوائح تماما ذلك لأن المسئول الأمريكي الكبير لم تكن لديه حين أدلى بإفادته تلك أي فكرة عن جرائم الحرب التي كان الإسرائيليون يرتكبونها في ذلك الوقت في سيناء، وكان ذلك على مرمى حجر لا أكثر من أجهزة التصنت التي كانت مشرعة متأهبة على سطح السفينة «ليبرتي». أولويات الجاسوسية الاسرائيلية بعد ذلك يخطو المؤلف إلى نقلة فرعية أخرى حول ملابسات حرب 67، إنه يتطرق إلى تقرير اعدته المخابرات المركزية الأمريكية عام 1979 ويقول مؤلفنا عن التقرير أن إسرائيل كانت تعرف الكثير، عكس ما كان متصورا عن الإشارات والاتصالات والبرقيات والمكالمات التي كانت تملأ الأجواء في حرب 67، وقد أكد التقرير المذكور أن إسرائيل نجحت في فك الشيفرة العربية بما أتاح لها معلومات هائلة ودقيقة عما كان يدور حتى على مستوى محادثات عبد الناصر والملك حسين بل يؤكد التقرير أيضا أن أولويات الجاسوسية الإسرائيلية تتمثل في مجالين: أولهما التجسس على العرب والتجسس على سياسات .. الولايات المتحدة ذاتها! ومع هذا كله فالمؤلف الأمريكي يطالب الكونجرس والحكومة الأمريكي بمعاودة فتح ملف السفينة «ليبرتي» وفتح ملفات المجازر وجرائم الحرب الإسرائيلية بشكل عام. جيمس بامفورد يختم هذا الفصل المحوري من كتابه بفقرة مهمة ننقلها حرفيا إلى القارئ الكريم ويقول فيها: على مر تاريخها، ظلت إسرائيل تخفي سجلها البشع المقيت في مجال حقوق الإنسان خلف دعاوى التقوى الدينية، وكثيرا ما كانوا يخرسون أصوات المنتقدين بأن يرفعوا في وجوههم بغير ضمير أو حياء، تهمة معاداة السامية «بغض اليهود» ومنذ هجوم إسرائيل على السفينة ليبرتي قدم دافعو الضرائب الأمريكيون أكثر من 100 مليار دولار معونات لحكومة إسرائيل وهو مبلغ كان يكفي لتمويل أنشطة وكالة الأمن القومي الأمريكي على مدى ربع القرن القادم بأكمله .. ومن ثم فلا جدال في ضرورة أن يتاح للمحققين الأمريكيين أن يتابعوا بحوثهم وأن يطرحوا أسئلتهم حول حادثة «ليبرتي» وعلى وكالة الأمن القومي الأمريكية أن تفرج عن الأشرطة والشهادات والمستندات والمحادثات المسجلة بما يميط اللثام عما حدث لسفينة أمريكية كانت موجودة في مياه المتوسط وتعرضت للتدمير وتعرض بحارتها للاغتيال على يد القوات الإسرائيلية. وكانت ذلك يوم 8 يونيو من عام 1967.