للتاريخ دورات معروفة، ولكل ساعة أو دورة من دوراته دولة ورجال، هذه حقيقة يتغافل عنها كثيرون، حتى يفاجئهم التاريخ بصفعاته الدامية، وأحدث تجسيد لهذه البديهية يجري حاليا في تيمور الشرقية تلك المنطقة التي اقتطعت من جسد اندونيسيا بعد حروب أهلية دامية، وانفجار قنابل عرقية موقوتة زرعها الاستعمار البرتغالي. غايته ان زانانا جوسماو الذي قضى زهرة عمره مطاردا من السلطات الأمنية والعسكرية الاندونيسية باعتباره زعيما لمتمردي تيمور الشرقية صار قاب قوسين أو ادنى من كرسي الرئاسة في أول انتخابات رئاسية تجرى العام المقبل بعد انتهاء فترة خضوعها للإدارة الدولية وبدء تمتعها بالاستقلال الفعلي كدولة. وقال جوسماو امام الصحافيين ونحو الف شخص محتشدين في احد ملاعب ديلي عاصمة هذه المقاطعة «اعلن هنا والان موافقتي على تسميتي من قبل الاحزاب» للرئاسة. ودعا جوسماو (55 عاما) ايضا الاحزاب السياسية الى «التسامح والاحترام المتبادل» في حين سيتوجه سكان تيمور الشرقية الى صناديق الاقتراع الخميس المقبل لانتخاب جمعية تأسيسية. وهي الخطوة الاولى امام الاعلان الرسمي للاستقلال ولاجراء الانتخابات العامة المقررة السنة المقبلة. وكان الزعيم الانفصالي السابق يلقي ظلالا من الشكوك منذ اشهر عدة حول قراره بشأن ترشيح نفسه الى الانتخابات الرئاسية في تيمور الشرقية بعدما كان اعلن انه يريد ان يصبح مصورا وان يبتعد عن السياسة. لكن العديد من التيموريين الشرقيين يعتبرون ان بطل النضال من اجل الاستقلال هو افضل شخص قادر على تولي مقاليد الحكم بعد سنتين من التصويت لصالح الاستقلال عن اندونيسيا الذي تخللته اعمال عنف. وقال جوسماو «انني مدرك بانني لا اشكل الخيار الافضل لهذا العمل. من الصحيح انني بدأت اتعب بعد 25 سنة من المسئوليات الثقيلة». واضاف «لقد راودني على الدوام الحلم بانه سيكون لدي المتسع من الوقت، بعد الاستقلال، لزراعة اليقطين وتربية الحيوانات». لكن وسط اجواء مفعمة بالتأثر الشديد تلقى الحاضرون اعلان جسماو بترشيح نفسه بتصفيق حاد. وجوسماو ولد في 1946 وهو استاذ جامعي وانضم الى المقاومة بعد انسحاب البرتغاليين من مستعمرتهم في 1975. وقد اجتاح الجيش الاندونيسي تيمور الشرقية قبل ان يضمها بعد سنة في 1976 لتبدأ بذلك 24 سنة من الاحتلال والمواجهات التي اوقعت حسب بعض التقديرات، التي تحتج عليها جاكرتا، حوالى 200 الف قتيل بينهم عدد كبير من المدنيين الذين توفوا متأثرين بامراض وسوء التغذية. وقاد جوسماو منظمة «فريتيلين» المسلحة على مدى عشر سنوات الى حين اعتقاله في ديلي عام 1992. وقد سجن في جاكرتا وافرج عنه عام 1999 بعد سنة على سقوط نظام الرئيس سوهارتو. ودعي سكان تيمور الشرقية الى انتخاب مجلس تأسيسي يوم الخميس يضم 88 عضوا سيكلف اعداد دستور في مهلة 90 يوما. وتخضع تيمور الشرقية (حوالى 700 الف نسمة غالبيتهم من الكاثوليك) لادارة الامم المتحدة مؤقتا منذ اجراء الاستفتاء حول الاستقلال في 30 اغسطس 1999 الذي ايد فيه 5،78% من التيموريين الانفصال عن اندونيسيا. وقد تخلل الاستفتاء اعمال انتقامية للميليشيات المؤيدة لاندونيسيا والرافضة للاستقلال والتي قتلت ما بين 600 و2000 مدني وفقا للتقديرات ودمرت القسم الاكبر من البنى التحتية قبل ان تلجأ الى تيمور الغربية (اندونيسيا). ولا يزال هناك حوالى 100 الف تيموري شرقي لاجئين في مخيمات تيمور الغربية. أ.ف.ب