درج الباحثون العرب على اعتبار أحباء صهيون، أو مؤتمر بازل موعداً للميلاد الصهيوني، ووعد بلفور هو استجابة لهذا الميلاد الذي ولد من رحمه المشروع الصهيوني الاستيطاني الحديث متمثلاً في دولة الكيان الصهيوني يوم 15مايو 1948. ومن الاخطاء المستمرة تاريخياً ان الولايات المتحدة الامريكية تحرص على هذه الدولة الكيانية الهجينة لانها تحفظ لها مصالحها في منطقة الشرق العربي. لكن الاسئلة المطروحة راهناً من مرجعية تاريخية عميقة تثبت أن الانظمة العربية التي ولدت بفعل سايكس ـ بيكو، وبلفور.. صديقة للولايات المتحدة. اليست الصداقة الانظمية العربية الامريكية كافية لحفظ المصالح الامريكية؟ هل التغيير الجذري لدى الانظمة الوراثية في توجهها الديمقراطي هو الذي ارعب الولايات المتحدة؟ وما هي تلك المرجعيات التي تثبت تلازم الولايات المتحدة بالكيان الصهيوني؟. الأسئلة كثيرة ومحيرة في آن تفرض علينا العودة قليلاً إلى الوراء نعود إلى التاريخ نستقرئ الصفحات المعتمة التي أعجمت على العرب منذ زمن التدوين وإلى اليوم. لقد استطاع كتبة التوراة خداع البشرية بهذه الملحمة الاسطورية الخرافية، والعرب أخذوا التوراة مرجعية تأريخية وقعوا في أسرها وعجزوا عن الخروج. في المنظور نفسه ما زلنا نعجز عن فهم ووعي التشكيل المجتمعي التكويني للولايات المتحدة من أين أتى أفراد هذا المجتمع المتكون هجينياً؟ من هم عرقياً أثنياً دينياً مذهبياً؟. الرؤية الأمريكية للكيان الصهيوني اعتماداً على ما سبق طرحه، وعلى رسالة جون آدمز 1797 - 1801 إلى ضابط يهودي في الجيش الامريكي يؤيد فيها قيام دولة يهودية في فلسطين، يتكون التصور الامريكي لهذا الكيان تاريخياً قبل تشكيله دولة، وهذه تتيح لنا رفض مقولة العدوان الثلاثي على مصر، فهو عدوان رباعي اشتركت فيه الولايات المتحدة صراحة على صورة تهيئة سياسية عملية تهدف اخراج أوروبا من المنطقة العربية، كما يفسر التعاطف الامريكي إزاء ما يُعرف بالاضطهاد النازي، الذي كوّن قضية هامة في مسار السياسة الامريكية، نحو الاعتراف الفوري بالدولة الصهيونية. في الوقت نفسه لا يمكن لأي دارس متمعن أن يتنكر للتشابه الكبير بين تكوين المستوطنات في القارة الامريكية - الولايات فيما بعد- والمستوطنات في فلسطين منذ رؤية مارتن لوثر إلى اللورد شافتسبري، إلى بالمرستون نهاية بهرتزل، وإن كنا نستثني بنيامين فرانكلين الذي وصف اليهود بالانحطاط الاخلاقي: «أينما حل اليهود هبط المستوى الاخلاقي والشرف التجاري»، وخلال الحرب العالمية الثانية كانت وعود القادة الامريكيين تتصل على شكل سلسلة مترابطة الحلقات نطق باسمها النائب الديمقراطي جوزيف ماركوماك «على الكونجرس أن يدرك أن اسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الأدنى التي نستطيع الاعتماد عليها». وفي أيام الحرب الباردة تدعي الحكومات الإمريكية من كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري أن اسرائيل تمثل سداً في وجه الشيوعية الزاحفة من الاتحاد السوفييتي. فلا بد من دعمها، وذلك عندما تبنى عدد لا بأس به في مجلس الشيوخ الامريكي قراراً يحث الحكومة على شحن طائرات الفانتوم لاسرائيل إبان حرب اكتوبر 1973، هذا التصور رسم سياسة الولايات المتحدة طيلة النصف الثاني من القرن العشرين في اعتبار أمن اسرائيل هو أمن الولايات المتحدة وهذا ما يعنيه هنري كيسنجر وزير الخارجية بقوله: ينبغي أن تكون قوة اسرائيل والأهداف المشتركة بينها وبين الولايات المتحدة أساساً لأي مفاوضات في الشرق الأوسط. الرؤية الامريكية للواقع العربي ينظر العرب بتعجب وذهول لهذا الالتزام ويقبلون بادعاء مقاومة الشيوعية. وفي حال وعيهم حقيقة معنى الصهيونية يمكن أن ترتاح النفوس ناهيك عن أن النظرة والتصور الامريكي للراهن العربي منذ استقلال دولهم أنهم مجتمعات بؤس لا تعرف الحضارة، وتفتقد أنظمتها للديمقراطية وبالتالي هي مجتمعات متخلفة، وهذا ما عبر عنه السناتور جوزيف كلارك بعد زيارته لفلسطين وهو عضو في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ. في الوقت نفسه يتأكد لدى حكومات الولايات المتحدة، أن اسرائيل بلد لا تخشى أن يحصل فيه ثورة اجتماعية معادية للغرب، أو تقف في وجه المصالح الاستراتيجية الامريكية. هنا نلفت النظر وارجو التركيز على معنى السياسة الخارجية الامريكية والتصور النخبوي للانظمة العربية على أنها نتاج الجدب الديمقراطي وتخلو من نماذج مشرقة ومستمرة في الممارسة الديمقراطية الحقيقية، والوطن العربي يعيش أزمات ثلاث: ازمة ديمقراطية، ازمة كرامة، وازمة عدالة. مما زاد الشعور لدى الولايات المتحدة بضعف العرب المتفرقين في مجابهة سياستها، أو آلية الحرب الاسرائيلية، لكنها -من خلال التجييش الكثيف لمنطقة الخليج، وخلال السنوات العشر الأخيرة يتكون لديها شعورخاص وهام في أن الدولة القطرية التي كانت هدف الشعارات الثورية فيما مضى، اصبحت تحتكر المفهوم الديمقراطي وتهيمن على النتاج الثقافي والإعلامي في حرية الصحافة وحرية النقد، وبالتالي هي مرشحة لقيادة النضال القومي من خلال الفسحة الديمقراطية العريضة، وهذه تزيد من خشية الولايات المتحدة التي تتشبث اليوم بوجودها العسكري والسياسي في الخليج، وهي ترى كيف تهتز بنى الصداقات القديمة التي عبر عنها صراحة الامير عبد الله بن عبدالعزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية في رفض زيارة الولايات المتحدة، أو تصريحات نائب رئيس مجلس وزراء دولة الامارات العربية سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان لوفد من النواب الامريكيين: لا بد للكونجرس أن يقف مع الحقوق الأساسية للإنسان لا مع الاحتلال، ثم التحدي الكبير من وزير الإعلام والثقافة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان: أن على الولايات المتحدة أن تعرف ان دورها لا يقتصر على إصدار لوائح وقوائم بالدول الداعمة للارهاب لأنها من أوائل الدول التي تدعم اسرائيل. وهذه توضح المحاولة الجادة للخروج على التقاليد السياسية الكلاسيكية القديمة التي اعتادت الولايات المتحدة الاستماع اليها من قادة العرب واهمها أن العرب يذهبون إلى المفاوضات، بعد أن يلقوا استراتيجياتهم وكامل اسلحتهم. اشكاليات وتداعيات تتحدد السياسة الامريكية الخارجية بحدود مصالحها التي ترتبط بالتسوية السياسية اكثر من ارتباطها بالديمقراطية وشعاراتها المصدرة، إذ ترى أن الحل هو الاستمرار في التسوية، وفي الاتجاه الديمقراطي على أن لا يغير في البنية السياسية بحيث يخل بموازين القوى الداخلية لغير صالح التسوية مع الدولة العبرية الصهيونية، لذلك يأتي شعار الديمقراطية وتشجيعها بحذر شديد وخطوات وئيدة وهذا ما عبّر عنه تقرير معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى. لذلك ارى تحديد هذه الاشكالية في النقاط التالية: في دراسة السلوك الامريكي منذ مؤتمر مدريد إلى اليوم نرى في ولاية بيل كلينتون الاولى ومعظم ولايته الثانية ضعف انغماس السياسة الامريكية في عملية التسوية في محاولة لاتاحة الفرصة أمام دولة الكيان الصهيوني لاستثمار الخلل في ميزان القوى لمصلحتها، تستغل تمزق الصف العربي في سعيها إلى مفاوضات منفردة ومباشرة مع كل طرف عربي على حدة. اذا كان بيل كلينتون قد نجح في ضبط الحصول على اتفاق اوسلو لاخماد انتفاضة 1987 لكنه في الوقت نفسه استمر في سياسة عدم التدخل، ليفسح المجال أمام وزارة الخارجية - دنيس روس وزملاؤه - لاخماد الحرائق، حتى الأيام الأخيرة من إدارته عندما حاول أن يمسك بتفاصيل المفاوضات ويضع اصابعه على مفاصل الثورة الفلسطينية، هذه الوضعية أخافت بوش الابن في كيفية إنهاء انتفاضة الأقصى، وهو يطرح على نفسه أسئلة تتأرجح بين التدخل وعدم التدخل في ضوء توجسه من لهيب قد يشمل المنطقة كلها. لذلك يتضح للعالم فشله في اقحام نفسه في أتون المعركة، فراح يركز اهتمامه استجابة للسياسة الاسرائيلية على ما يسميه المحادثات الأمنية وهو يدرك أن العرب تعودوا أن يلقوا باسلحتهم ويذهبون للتفاوض، في الوقت نفسه تدرك إدارة بوش الابن أنه إذا ما فشلت المفاوضات الأمنية ومبعوثيه إلى المنطقة سوف يستمر في محاولته اطفاء النار التي اصبحت على السطح. توصيات «لجنة ميتشل» السناتور الامريكي السابق «جورج ميتشل» كانت متنفساً جديداً لدى ادارة الرئيس بوش الابن للانطلاق من زوايا الامتناع والرفض عن لعب دور للادارة وتوفير فرص اطلاق دبلوماسية وزارة الخارجية بعد الركود والتردد والاسترخاء، ناهيك عما يحصل من تطورات تفرضها جرائم شارون واعتباطيته التي يُخشى أن يورط امريكا بأكثر مما هو محسوب لها. أما على الجانب الفلسطيني، راحت السلطة تتمسك بالتوصيات وتطالب بها في حين لا يعبأ شارون إلا بما يراه مناسباً له في هذه التوصيات. هكذا تدخل ادارة بوش الابن المسرح لتمثل دوراً غير مستعدة له وهي تحمل لافته التهدئة. ويأتي مشروع العقوبات الذكية على العراق الذي ارتبط بوزير خارجية امريكا «كولن باول» الذي وصف العقوبات القائمة حالياً بأنها طائرة تهوي ويجب السيطرة عليها، لكن سياسة امريكا هذه ومشاريع العقوبات تتعارض وتصطدم بمصالح الدول الأخرى بالدرجة الاولى روسيا، وهي عضو دائم في مجلس الامن، لكنها أي الخارجية الامريكية راحت تلوح أنها لا تريد أن تحرج موسكو أمام المجتمع الدولي من خلال امكانية تصويت 41 دولة في مقابل اعتراض صوت واحد. والحقيقة التي لا غبار عليها أن امريكا وضعف قدراتها وفشلها في اقناع موسكو عّرض ادارة بوش الابن إلى ضغوط المتشددين في إدارته وبالدرجة الاولى وزارة الدفاع، وجاءت تصريحات باول المترددة إثناء جولته الثانية في المنطقة والتراجع في تأييده لدعوة مراقبين دوليين لوقف إطلاق النار وحماية الفلسطينيين لتزيد من تخبط الخارجية الامريكية وفشلها في معالجة الوضع الراهن. لكننا نلفت النظر الى أن السياسة الصهيونية -على يد مسئولين اسرائيليين- تمكنت من غسل الدماغ الامريكي في الخارجية الامريكية مرة في الاسبوع على الاقل، بعد اجتماع شارون مع الادراة ثم مجيئ رئيس أركان الجيش شاؤول موفاز ومحادثاته مع مدير الاستخبارات المركزية جورج تينت ووزير الخارجية باول ومستشارة الأمن القومي كوندو ليزا رايس، ونظيره في وزارة الدفاع الامريكية. وامام هذه التحركات يقف بوش الابن عاجزاً غير قادر على تخطي الجدار الذي يبنيه شارون في وجهه. بقلم: عبد الغفار نصر ـ عضو اتحاد الكتاب العرب