هل تذكرون قصة الحاخام والخنزير؟ علاقتنا كعرب مع الادارات الأمريكية المتعاقبة منذ عام 1948 وحتى هذه اللحظة تشبه هذه القصة تماماً، فعقب مجيء أي ادارة أمريكية جديدة نترحم على الادارة السابقة، باعتبارها كانت اقل انحيازاً لاسرائيل وأقل تجبراً على العرب، وهكذا صارت ادارة كلينتون التي عشش الصهاينة في كل أوكارها وكأنها حمل وديع مقارنة بفريق عمل بوش الابن وطريقة تعامله المتغطرسة ليس مع العرب فقط ولكن مع كل العالم. شكلياً قد يكون فريق بوش الأكثر غباء في تاريخ الحكومات الأمريكية، وقد يرجع ذلك الى شخصية الرئيس نفسه، الذي يشبهه الكثيرون في الغرب بـ «التكساسي السام»، وقد يعود ذلك الى ان هذه الادارة لم تخف محافظتها ويمينيتها وانعزاليتها. لا يهمنا السبب كثيراً، لكن اذا امعنا النظر في جوهر المسألة، فسوف نكتشف على الفور أنه لا فارق جوهرياً بين بوش وأسلافه، الجميع عمل للمصلحة العليا لبلاده، الفارق ربما كان فقط في الاسلوب وطريقة التنفيذ. قبل ذلك ومع وجود الاتحاد السوفييتي كان هناك توازن دولي، الآن ومع تفرد أمريكا بالعالم، صارت البلطجة احدى أهم أدوات السياسة الخارجية لهذه الدولة، ويحق لها أن «تتباهى» بادخالها للبلطجة الى الدبلوماسية على حساب اسلحة صارت بالية مثل القانون والاتفاقيات، والمفاوضات الدولية. اذا فهمنا ذلك جيداً فلن نستغرب كثيراً عدم المبالاة الأمريكية بكل ما يمت الى القانون أو المبادئ بصلة، ولذلك يمكن فهم انسحاب واشنطن من اتفاق كيوتو الخاص بالبيئة، لأنه ببساطة يتعارض مع لوبي الشركات الأمريكية العملاقة التي أوصلت بوش إلى البيت الأبيض، واذا اضفنا سلاح البلطجة يمكن فهم لماذا لا توقع واشنطن على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة الكيماوية ثم تطالب بلدانا أخرى في العالم الثالث بالتقيد بهذه الاتفاقية، كما يمكننا فهم لماذا تطارد واشنطن كل البلدان التي تفكر في امتلاك القدرة النووية وتغض الطرف عن اسرائيل. ليست القوة فقط هي السبب في هذا السلوك الأمريكي، لكنها القوة مضافا اليها الغطرسة، وهو الاسلوب الذي تمارسه اسرائيل معنا بالضبط. اذن السؤال الجوهري ما اذا كانت ادارة بوش قد نجحت أو أخفقت، ذلك قد يكون حكم الناخب الأمريكي، لكن القضية الخطيرة هي هذا الفراغ الدولي الرهيب، والانصياع الأعمى لكل ما تريده هذه الإدارة المتجبرة التي تجسد كل ما هو سيء في هذا العالم، من الأسلحة الصغيرة التي تقتل تلاميذ المدارس في المدن الأمريكية الى مروحيات الاباتشي وطائرات الـ اف 16 التي تغتال الرضع في فلسطين المحتلة مرورا بكل المآسي في العالم التي لابد ان تجد يداً أمريكية خلفها. بداية التصدي لهذا التجبر الامريكي لابد أن يبدأ أولاً بكلمة «لا» كبيرة، بعدها يمكن الرهان على دور القوى الشعبية في كل العالم مثلما يحدث مع المنظمات المناهضة للعولمة، بعدما استطاعت واشنطن ان تحول غالبية حكومات العالم الى مجرد دمى لخدمة مصالحها الكونية. عماد الدين حسين