منذ وصولها الى الحكم بداية العام الحالي، مازالت الادارة الامريكية تثير الكثير من التساؤلات والشكوك حول توجهاتها السياسية، وما اذا كانت لديها فعلا استراتيجية واضحة للتعاطي مع القضايا والازمات الدولية ومعالجتها فضلا عن ممارساتها المستفزة للاصدقاء قبل الاعداء والخصوم، الحقيقيين او المتوهمين. وفيما يتعلق بالصراع العربي الصهيوني او «قضية الشرق الاوسط» بكل تعقيداتها وابعادها، تبدو سياسة الادارة الامريكية الحالية اشد غموضا واكثر مدعاة للشك والريبة، رغم تصاعد العدوان الاسرائيلي وما ينذر به من تفجير شامل للمنطقة بما فيها من مصالح حيوية امريكية. «الملف» التقى شخصيتين من القيادات البرلمانية والسياسية الفلسطينية، وحاورهما حول هذه التساؤلات والقضايا، وتحديدا حول الموقف الامريكي من القضية الفلسطينية والوضع المتفجر في المنطقة بسبب سياسة شارون الرعناء المدعومة من امريكا عسكريا وسياسيا وفي كل المجالات الاخرى. كشف النوايا يرى ناهض الريس عضو المجلس الوطني النائب الاول لرئيس المجلس التشريعي (سابقا) ان ليس امام الفلسطينيين الا الاصرار على هيئة بديلة للولايات المتحدة لرعاية عملية السلام، وقال: نحن لم نستغرب انحياز الورقة الامريكية لاسرائيل ولا الضغوط التي وجهت بصورة منفردة الى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وكيف نستغرب ذلك اذا كان جميع الرؤساء الامريكيين يصفون علاقاتهم باسرائيل بأنها علاقة تحالف استراتيجي، ولذلك كان كل رئيس امريكي يعتبر رضا اسرائيل واللوبي اليهودي هو جواز سفره الى رئاسة الولايات المتحدة وكانت اسرائيل منذ نشأتها تعيش بفضل المساعدات الامريكية؟ واشار الريس الى ان الانحياز الامريكي لاسرائيل رافق كل مراحل وجودها اما في هذه المرحلة فقد كان الانحياز واضحا منذ توجيه الدعوة الامريكية ابان عهد الرئيس السابق بيل كلينتون لعقد القمة الثلاثية في كامب ديفيد دون ان يسبقها اعداد كاف كما طلب الفلسطينيون، وكان الفلسطينيون في الوطن والشتات يعرفون ان مفاوضات كامب ديفيد ستضعهم بين شقي الرحى الامريكية الاسرائيلية. واستعرض الريس تصريح رئيس المخابرات المركزية الامريكية في قمة كامب ديفيد، اذ قال للرئيس عرفات بحضور كلينتون ان منطقة الشرق الاوسط بشعوبها وحدودها غير ثابتة بل قابلة للتغيير. ووصف الريس هذا التصريح بانه «اخطر تصريح مشئوم استمعنا اليه في الآونة الاخيرة من السياسة الامريكية» مشيرا الى ان هذا التصريح جاء في ذروة انفعال بيل كلينتون داخل غرفة مغلقة بعيدا عن المؤتمرات الصحفية وبرقيات وكالات الانباء والمكاتب والوثائق الرسمية. وتساءل الريس: هل كان تصريح رئيس المخابرات الامريكية عملا مدبرا مقصودا لتصعيد الضغط والارهاب والبلطجة السياسية في اطار حرب الاعصاب ضد الرئيس عرفات ام زلة لسان افصحت عن برامج ظلت موضوعة قيد السرية زمنا ثم لم تعد امريكا تبالي بالمجاهرة بها ام فلتة اعصاب باحت بسر خطير رغم ارادة صاحبه؟ واوضح الريس: ازاء التصريح المذكور حول رؤية السياسة الامريكية للمنطقة ولمستقبلها في مخططات الحقبة الامريكية، نكتشف ان اتفاقية سايكس البريطاني مع بيكو الفرنسي عام 1916، وهي الاتفاقية التي قسمت بين الحلفاء الغربيين الجسم العربي من الامبراطورية العثمانية المنهارة، ربما لم تعد في نظر مخططي السياسة الامريكية مرجعا معتمدا ونهائيا وربما كانت الولايات المتحدة واسرائيل قد عقدتا في تاريخ مجهول (او انهما تتأهبان) لعقد اتفاقية على غرار سايكس ـ بيكو لاعادة تجزئة الاجزاء وتقسيم البلاد العربية من جديد. واعتبر الريس ان الكلام الامريكي وهو في ذروة الانفعال نعثر فيه على الوثيقة الشفوية التي تقدم التفسير الوحيد المعقول والحبل الرابط بين احداث من قبيل الغارات الجوية المستمرة على العراق منذ عشر سنوات، والحرب المستعرة في جنوب السودان والاحداث المروعة في الجزائر، وبعبارة اوضح واشمل: حالة الاصطراع المحلي الناشئة في المنطقة العربية والاسلامية منذ ثلاثين عاما على الاقل، ولها وجهان الاول انخراط كل بلد عربي واسلامي في وقت من الاوقات بما في ذلك دول الخليج في حرب مع جاره، والثاني انبعاث صراعات الطوائف والعرقيات والجهويات والاحزاب وحمامات الدم داخل البلد الواحد. ونوه الريس الى وجود تطابق في الاهداف بين أمريكا وابنتها المدللة اسرائيل وايضا هناك ما يمكن ان نعبر عنه بعلاقة الاستعارة والتبادل المستحيل في غير حالة امريكا واسرائيل، اسرائيل تستعير جسد امريكا الهائل وامريكا تستعير رأس اسرائيل انها مهزلة مثلما انها مأساة. واضاف: لا يخفى على الذين جعلوا من انفسهم حلفاء للولايات المتحدة معنى وصول الامور بالولايات المتحدة الامريكية لأن نصرخ بأنها ترى منطقتنا بشعوبها وحدودها غير ثابتة وانها قابلة للتغيير ان معنى هذا القول ينطبق عليهم وعلى كراسيهم، ناهيك عن ان الولايات المتحدة الامريكية باتت تتصرف في منطقتنا بالذات تصرف المتآله الذي يشرك رب العالمين في قوله «ان يشأ يذهب بكم ويأتي بخلق جديد». العمى الاستراتيجي وأكد الخبير في الشئون الدولية لطفي زغلول ان الولايات المتحدة الامريكية سواء ادارتها الجمهورية الحالية او ادارتها السابقة ايا كان لون طيفها السياسي، ليس لديها تصور استراتيجي لحل دائم للقضية الفلسطينية. واوضح انه منذ اعتلت الادارة الامريكية الجمهورية سدة الحكم في البيت الابيض كان بالامكان استقراء سياستها تجاه الشرق الاوسط، فقد وجهت انظارها صوب الخليج العربي حيث مصالحها الاستراتيجية، وبطبيعة الحال فان العراق يشكل عصب هذا التوجه وعموده الفقري واشار الى ان اولويات السياسة الامريكية الراهنة لم تشكل القضية الفلسطينية بعدا استراتيجيا لها، وفي المقابل كانت اسرائيل ولا تزال تشكل المحور الرئيسي في السياسات الخارجية لكل الادارات الامريكية. وقال: بخصوص القضية الفلسطينية بكل ابعادها واتجاهاتها وتداعياتها وافرازاتها، فانها تحمل عنوانا اخر مغايرا في ملفات السياسيين الامريكيين الخارجية يتمثل في احد مسارات العملية السلمية في الشرق الاوسط، واذا كانت الادارة الديمقراطية في عهد الرئيس السابق كلينتون قد لعبت دورا مباشرا في هذه العملية فان الادارة الحالية وعلى خلفية ضغوطات الاوساط المؤيدة لاسرائيل، اثرت ان تخرج من سطور هذه العملية الى هوامشها، وهذا يفسر السقف المنخفض لاسهاماتها التي غلب عليها طابع ابداء النصح والتأييد لاسرائيل، والمطالبة والادانة للفلسطينيين، الا ان مجموع هذه التحركات لم يصل الى مرتبة الرعاية التي كانت تتولاها في عهد الادارة السابقة. واكد ان الولايات المتحدة بادارتها الجمهورية الحالية واداراتها السابقة ايا كان لون طيفها السياسي في اعتقادنا ليس لديها تصور استراتيجي لحل دائم للقضية الفلسطينية ومع ذلك فالولايات المتحدة تعلم يقينا ان هناك قضية فلسطينية الا انها حينما تضع في كفة ميزانها السياسي هذه القضية بكل ابعادها وتضع في الكفة الاخرى علاقاتها الاستراتيجية باسرائيل وضغوطات الاوساط المؤيدة والمساندة لها مضافا الى كل ذلك حالة انعدام الوزن السياسي والاستراتيجي للوطن العربي، فان هذه القضية بالنسبة لها لا تعني الا شيئا واحدا وهو الامن الاسرائيلي الاكثر الحاحا من منظورها طبعا. منظور احادي واوضح زغلول انه فيما يخص السلام العادل الذي ينشده الفلسطينيون والقائم على استرجاع الارض ومنظومة الحقوق الاخرى، فمن المؤكد ان صانعي قرارات السياسة الامريكية قد التزموا بالرؤيا الاسرائيلية وسعوا الى تسويقها عربيا وفلسطينيا بأساليب عديدة، متذرعين بالحساسية المفرطة التي تحيط بالعملية السلمية وضرورة الموازنة في التعامل، الا انها ظلت منحازة انحيازا استراتيجيا الى اسرائيل وهنا يتقاطع المنظوران الامريكي والاسرائيلي، فاسرائيل في ظل حكومتها المركبة من اطياف سياسية يمينية ودينية متعصبة مضافا اليها شريحة من اليسار الاسرائيلي ممثلة بما تبقى من فلول حزب العمل، لاتملك برنامجا سياسيا يمكن من خلاله ان تتفاوض مع الفلسطينيين. واشار الى ان حكومة اسرائيل الحالية قد اعلنت مرارا وتكرارا انها ليست معنية بالسلام وان كل ما تسعى اليه هو الامن والاستيطان وتحقيق حلم لم تستطع تحقيقه كل الأطياف السياسية التي حكمت اسرائيل منذ قيامها، ويتمثل هذا الحلم في القضاء على القضية الفلسطينية المستعصية ولتحقيق هذا الهدف فهي تشن حربا بلا هوادة على الشعب الفلسطيني بكل الوسائل والامكانيات التي تمتلكها بدعم امريكي وعتاد امريكي. واعتبر زغلول انه على الارجح في هذه المرحلة الراهنة فان الذي يبدو في الافق ان التحركات الامريكية لاتستهدف الا الامن الذي تفهمه اسرائيل، ولذلك فان التفكير الامريكي الاسرائيلي يتجه هذه المرة نحو التكنولوجيا المتطورة للاستعانة بها كحل دائم يحول دون الخروقات الامنية مستقبلا، واضاف ان هذا التفكير لايقف عند هذا الحد بل يتعداه الى (امن مؤسسي) دائم له مؤسساته واجهزته وكوادره وآلياته، وهذا بطبيعة الحال ومن هذا المنظور لايعفي الفلسطينيين من مسئولياتهم تجاه تثبيته. وقال زغلول ان الفلسطينيين في هذه المرحلة التي هزت فيها انتفاضتهم شباك العديد من الجهات الدولية واثبتت خرافة مفهوم الامن الاسرائيلي القائم على الاحتفاظ بالارض والسلام معا وتجاهل حقوقهم المشروعة، يعرفون دون ادنى شك كنه هذه التحركات الامريكية وانها غير متوازنة وتركز على اسرائيل دون الفلسطينيين، وهي مبتورة كونها تعالج جانبا من المشكلة يخص طرفا واحدا فقط ويتجاهل جوانب اخرى تشكل في مجموعها القضية الفلسطينية التي لايمكن ان يتنازلوا عنها، وهي ايضا تعني الالتفاف على السلام الحقيقي ولا تهدف الا الى اخماد جذوة الانتفاضة الفلسطينية واحداث صراع فلسطيني فلسطيني. وقال زغلول في نهاية حديثه: خلاصة القول لقد حاولت اسرائيل وبتأييد من الولايات المتحدة اكثر من مرة ان تفرض سلمها الاسرائيلي المفرغ من السلام الحقيقي على الفلسطينيين، الا انها فشلت مرارا وتكرارا ذلك ان السلام لايفرض بالقوة وانما يكون بالاتفاق والتعاقد القائمين على الموازنة في الحقوق، واما الامن فهو الثمرة الطيبة للسلام وشدد على ان التحرك الامريكي لاينبغي له ان يغفل هذه الحقائق او يلتف عليها. اجرى الحوار في غزة: ماهر ابراهيم