في الثوابت المستقرة للسياسة الخارجية الأمريكية أن استجابة الولايات المتحدة لأحداث المناطق الساخنة والمتفجرة في العالم ترتبط بمدى أهمية هذه المنطقة أو تلك بالنسبة لمصالحها، ولكن الباعث المصلحي اختلف خلال النصف الأخير من القرن الماضي نتيجة التوازنات في العلاقات الدولية التي استدعاها تقسيم مع معظم العالم إلى معسكرين كبيرين بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية وعلى مدار أربعين عاما خضعت السياسة الخارجية الأمريكية لاعتبارات الجوانب الصراعية في العلاقات مع الإتحاد السوفييتي،ولذلك عبرت المواقف الأمريكية من النزاعات الدولية والإقليمية عن حالة التنافس بين المعسكرين الشرقي الشيوعي أو الاشتراكي والغربي الليبرالي والرأسمالي والتي وصلت في بعض الأحيان إلى العداء. ولكن بعد إنفراط عقد المعسكر الشيوعي وإنهيار الاتحاد السوفييتي لم يعد المبرر الأيديولوجي محركا للسياسة الأمريكية، واقتصر التحرك على الدوافع المصلحية السياسية والاقتصادية والعسكرية. ترتيب الأولويات لم يكن النزاع في الشرق الأوسط أو ما يعرف بالصراع العربي الإسرائيلي.. بمعزل عن التطورات التي شهدتها العلاقات السياسية الدولية خلال الخمسين سنة الأخيرة، أو أنه لم يكن خارج المنهج الأمريكي في التعاطي مع النزاعات. إلا أن الوضع في منطقة الشرق الأوسط تميز بقدر كبير من الخصوصية في السياسة الأمريكية يمكن رصدها في أسباب أربعة تعرضها في عجالة سريعة على النحو التالي: تحتل منطقة الشرق الأوسط وضعا استراتيجيا مميزا جعلها إحدى مناطق المصالح المهمة سياسيا واقتصاديا وعسكريا بالنسبة للولايات المتحدة، ولاشك أن ذلك فرض اهتماما خاصا بقضايا المنطقة عند قيام صانع ومتخذ القرار بترتيب أولويات السياسة الخارجية الأمريكية. تحرض الإدارات الأمريكية المتعاقبة على إقامة علاقات - تحمي (مصالحها) ـ بالأطراف الإقليمية في الشرق الأوسط، ويمكن الحكم على درجة قوة هذه العلاقات من خلال معرفة ما تمثله من مصالح للطرف الأمريكي. وجود علاقة (خاصة) ذات طابع استراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة ولا يخفي على أحد أن (اللوبي) الصهيوني إستطاع أن يتغلغل في مراكز صنع القرار بدءا من البيت الأبيض مرورا بمجلسي الكونجرس ووزارتي الدفاع (البنتاجون) والخارجية والاستخبارات CIA ووسائل الدعاية والاعلام وصولا إلى معظم المؤسسات المالية والمصارف والكارتلات الاقتصادية العملاقة!! ومقابل ذلك لا يوجد لوبي عربي فاعل يمكن أن يؤدي دورا منافسا للوبي الصهيوني. وجود اقتناع لدى الدول العربية بما في ذلك السلطة الوطنية الفلسطينية أن أي حل أو تسوية للصراع في الشرق الأوسط لابد أن يمر عبر (واشنطن) لدرجة الاتفاق على إطلاق اسم (راعي السلام) على الولايات المتحدة بشكل فيه قد كبير من (الإتكالية حتى رسخ في الأذهان اعتقاد قائل أن (99%) من أوراق الحل في أيدي الراعي الأمريكي، وحسب هذا التصور الحسابي لا يبقى لأطراف النزاع سوى (1%) فقط من إمكانية الحل!! ويمكن القول ان إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون قد ساهمت على نحو كبير في تأكيد مقولة إن الحل لابد أن يكون أمريكيا، وساعد على هذا التوجه إنفراد الولايات المتحدة بالعالم كقطب فاعل في السياسة الدولية وبشكل خاص في الصراع العربي الإسرائيلي. ولكن بعد أن تولى الرئيس الحالي جورج دبليو بوش الحكم حدث ما يمكن تسميته بالتراجع الأمريكي عن الإلتزام بإنجاز التسوية السلميه في الشرق الأوسط، رغم عدم وجود تغيير جوهري في الأسباب الأربعة الموضحة سابقا والتي شكلت في مجملها المفاتيح لفهم السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. وتمثل هذا التراجع في إعلان إدارة بوش أن الحل لابد أن يأتي من طرفي النزاع وليس في مقدور واشنطون أن تفرض (حلا ما) على أي منهما!! ونشير إلى أن هذا التراجع الذي يعد فشلا أمريكيا يرجع إلى عاملين: العامل الأول: إنحياز الولايات المتحدة الكامل لإسرائيل رغم أن إحدى صفات الراعي الحياد بين رعيته. العامل الأخر: وجود حكومة متطرفة على رأس الحكم في إسرائيل جاء توليها متزامنا مع تولي إدارة بوش السلطة قبل سبعة أشهر. ومن هنا فشلت الولايات المتحدة في أن تضع المنطقة على طريق سلام حقيقي، إنما ما حدث منذ مدريد وأوسلو هو إتفاقات هشه بدليل إنهيار كامل لعملية السلام بمجرد سحب إسرائيل لتعهداتها والتزاماتها بمرجعيات السلام وبدئها ممارسة إرهاب الدولة ضد الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية! مأزق الفشل وأعتقد أن الرئيس بوش الابن قد تصور أنه يستطيع التخلص من حالة الفشل التي لحقت بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط برفع اليد عن سير عملية التسوية، ولكن هذا المنحى الخاطئ قاد الولايات المتحدة إلى سقوط جديد في مأزق تمثل في حقيقة ثلاثية الأبعاد نوضحها فيما يلي: ـ سوء تقدير الموقف في الشرق الأوسط والتداعيات المترتبة على تصعيد العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني أدى إلى إتخاذ الولايات المتحدة قرارات شابها التردد وعدم الحسم ولم ترتق إلى مستوى المسئولية المنوطه بها .. فقابلت جرائم شارون بالصمت وغض الطرف أحيانا وبالدعوة إلى ضبط النفس أحيانا أخرى. ـ حملت السلطة الوطنية الفلسطينية أكثر من طاقتها رغم أن الإنتفاضة وما يتبعها من عمليات المقاومة المشروعة بما فيها العمليات الاستشهادية، خارج نطاق سيطرة السلطة لأنها تتم داخل فلسطين المحتلة ، وفي تصوري أن هذا التوجه هو نتيجة تبني الولايات المتحدة لوجهات النظر الإسرائيلية ورفض تفهم وجهات النظر الفلسطينية، ومن ثم يصبح أي جهد مبذول في طريق وقف التصعيد نوعا من العبث وتضييع الوقت. ـ ولاشك أن الفشل الأمريكي في الشرق الأوسط قد خلق حالة من فقدان الثقة في مصداقية القرار الأمريكي، وجعل مقولة أن 99% من أوراق الحل بأيدي أمريكا غير حقيقية والسير وراء هذا الاعتقاد هو أيضا نوع من السراب الذي لا طائل منه. ـ وإذا القينا نظرة على الجهود الأمريكية المبذولة منذ تولي الرئيس بوش نجدها تنحصر في ثلاثة محاور: ـ جولات محدوده لكولن باول وزير الخارجية الأمريكية في المنطقة لم تسفر عن شيء يذكر، حيث أن باول عبر عن الموقف الإسرائيلي واعتبر العدوان على الشعب الفلسطيني نوعا من الدفاع عن النفس، وأنكر في الوقت ذاته حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال وأسمى هذا الحق تارة بالعنف وتارة أخرى بالإرهاب. ـ قيام جورج تينت مدير المخابرات المركزية الأمريكية بزيارة المنطقة ومحاولة خلق مساحة من الإلتقاء بين الفلسطينيين والإسرائيليين ولكنه بحكم وظيفته الأمنية رأي - فيما يبدو - أن العودة إلى مائدة التفاوض يجب أن تأتي من خلال التنسيق الأمني بين الجانبين وغض الطرف عن الأسباب الحقيقية لإنهيار الموقف وإستمرار المواجهات. ـ النقطة الإيجابية في التحرك الأمريكي كانت تقرير لجنة جورج ميتشيل الذي دعا صراحة إلى وقف العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين وتجميد سياسة الاستيطان اليهودي باعتبارها السبب الرئيسي في المشكلة. ولكن تقرير ميتشيل ظل (حبرا على ورق) لأنه اصطدم بالرفض الإسرائيلي ولم تتمكن واشنطن من تنفيذه رغم أنه أمريكي الجهد والصنع. مما تقدم يمكن القول إن السياسة الخارجية الأمريكية مكبلة ولا تستطيع أن تضيف شيئا لا تقبل به إسرائيل، وعليه يصبح أرييل شارون أحد الأسباب الرئيسية في فشل هذه السياسة في المنطقة لأنه يتبع منهجا منظما ومدروسا في الإبتعاد عن أي سلام أو تسوية حقيقية، الأمر الذي يخلق مأزقا دائما لصناع السياسة الأمريكية. ويصبح الموقف النهائي كالآتي: شارون لا يريد سلاما وواشنطن لا تريد أن تضغط على إسرائيل أو تفرض حلا أو تسوية يلتزم بها كل الأطراف. ومن ثم يتضح أن واشنطن وتل أبيب قد اتفقتا على تكريس العدوان على الشعب الفلسطيني واستمرار الإحتلال والعودة بالمنطقة إلى نقطة الصفر! وهكذا وفي ضوء التحليل الأخير يضحى الموقف في الشرق الأوسط مرشحا لمزيد من التصعيد وفي إتجاه سيناريوهات دامية تراوح بين استمرار المعاناة اليومية للشعب الفلسطيني الذي يتعرض للمذابح والاغتيالات وبين جر المنطقة بأسرها إلى حرب غير محددة ستكون بالطبع عواقبها خطيرة! ويبقى أمر مهم وهو أن الإنحياز الأمريكي لإسرائيل والذي خلق حالة الفشل الذريع التي أوضحناها، لابد أن يكون له ثمن كبير يتوقعه الأمريكيون قبل غيرهم ويتمثل في تعرض المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط للخطر. ولن يستطيع العدوان الإسرائيلي مهما كان شكله ومداه أن يكفل أي حماية!! فهل ستغير الولايات المتحدة من سياستها في المنطقة للخروج من مأزق الفشل، على الأقل لحماية مصالحها؟ بقلم: إبراهيم الصياد ـ كاتب وإعلامي مصري