شهدت السياسة الخارجية الامريكية مؤخرا انتكاسات متوالية في غير موقع وفي غير حدث. وهذه احدى حقائق وعناوين المشهد السياسي الدولي اليوم، اي ان دبلوماسية «العم سام» باتت مصابة بالتسمم. ولعل ذلك ما دعا عراب الدبلوماسية الامريكية العجوز هنري كيسنجر الى نصح مسئولي الادارة الامريكية باعتماد «الواقعية» في السياسة الخارجية لبلاده!.. خصوصا بعد ان رأى هذه السياسة تتخبط كثيرا ـ وتتعثر اكثر ـ في معظم تعاطيها مع الغير، وفي مجمل الاحداث والمستجدات الدولية المختلفة.. من روسيا الى الصين ومن يوغسلافيا وافغانستان، ومن العراق الى ايران وفلسطين واليمن.. ومن عرفات الى القذافي وصدام حسين وبن لادن! وهو المشهد الذي ينذر ـ بل يبشر ـ بأن الأسد الامريكي بدأ يفقد انيابه الفولاذية ومخالبه الحديدية، ما يهدد بعدم استطاعته الحفاظ على لقبه كملك للغابة الدولية.. حتى لو طوق هذه الغابة بدرعه الصاروخي.. وحتى لو بالغ في تضخيم مقدراته الدفاعية. فحين تهزل الدبلوماسية تسمن المدفعية!! ويذكر كيسنجر مسئولي بلاده بأن «عالم ما بعد الحرب الباردة اكثر تعقيدا مما كان متوقعا». داعيا اياهم الى «تعلم التمييز بين ما ينبغي فعله، وما يمكن فعله، وما هو فوق امكانياتها. والا فانها ـ اي الولايات المتحدة ـ ستلاقي المتاعب». وهذه نصيحة ذهبية مجانية من احد اعتى المجربين المخضرمين في ميدان الدبلوماسية الامريكية، ينبغي على الادارة الامريكية الجديدة الافادة من محتواها وابعادها قدر الامكان.. والا فان «المتاعب» ـ التي اشار اليها كيسنجر ـ ستكون اقرب الى بوش الابن من حبل الوريد ويبدو ان سياسة «الخطوة خطوة» التي سادت واشتهرت في عهد كيسنجر قد آلت الى سياسة «الكبوة كبوة» في العهد الحالي. ان الولايات المتحدة تفقد ـ يوما اثر اخر ـ صديقا وحليفا جديدا في الساحة الدولية، بل وموقعا جديدا ايضا.. أكان على الصعيد الاوروبي، او في المنطقة العربية والشرق أوسطية.. ناهيك عن الميدان الاسيوي، وفي روسيا ايضا التي قصمت قشة «الدرع الصاروخية» بعير العلاقات المتميزة بينها والولايات المتحدة مؤخرا. وقد اكد المحللون في الآونة الاخيرة على أن سياسة الادارة الامريكية ستواجه المزيد من الصعوبات والمشاكل في المدى المنظور، اذا استمرت في السياق الذي اتبعته منذ مجئ بوش الى الرئاسة.. وهو أمر سوف يؤثر على موقع الولايات المتحدة كدولة كبرى تتصدى للعب دور فعال ومؤثر في السياسة العالمية بمختلف جوانبها وميادينها.. بعد ان تجلى بوضوح ساطع ان السياسة الامريكية ـ على الصعيد الخارجي ـ اتسمت بالارتباك وعدم التوازن والخروج المتكرر عن الاستراتيجية الامريكية فالسياسة الخارجية الامريكية تقوم اليوم. على مبدأ «الافتتان بالقوة» وحده! حسن عبدالوارث