لعل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها كانت أكبر الذين فوجئوا بالسرعة والسهولة التي تم بها انهيار الاتحاد السوفييتي، ولكنها ما أن استوعبت الموقف الجديد وأدركت أنها أصبحت سيدة العالم بلا منازع حتى أصبحت القضية التي تشغل نخبتها الحاكمة هي: إلى متى؟.. وكيف تستمر السيطرة الأمريكية على العالم؟ وكيف تتجنب مصير كل الامبراطوريات التي سبقتها.. من الرومان حتى البريطانيين والفرنسيين ثم أخيرا السوفييت؟ وهل تستطيع أن توقف التاريخ عند هذه اللحظة أم أن للتاريخ منطقه الذي لا يتبدل مع الامبراطوريات التي تمر بأطوار مختلفة من النشأة الى القوة والعظمة وبلوغ القمة ثم الانحدار والاضمحلال؟ هذا الهاجس هو الذي يسيطر على أمريكا الآن.. ومن هنا فإنها تعمل على محورين: تنمية قوتها الاقتصادية والعسكرية ثم السياسية لأقصى حد ممكن، ومنع منافسيها الحاليين أو المحتملين من امتلاك مثل هذه القوة. ومن أجل تحقيق ذلك فكل شئ مباح، ولا شئ يقيد تصرفات أمريكا إلا مصلحتها، ومصلحتها فقط. واذا كان امتلاك ترسانة الصواريخ المضادة للصواريخ سيجعلها سيدة العالم عسكريا لعشرات السنين، فستدفن الاتفاقيات السابقة للحد من التسلح في أبعد المحيطات، وعلى روسيا أن ترضخ أو تتعرض للبهدلة الاقتصادية، وعلى العالم أن يصمت وهو يرى مئات المليارات (800 مليار في بعض التقديرات) تنفق على هذا الهوس بالقوة بينما نصف البشر يعانون من الجوع! وإذا كانت المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط آمنة ومستقرة فلا بأس من أن يتعرض الفلسطينيون لحرب الإبادة، وأن تتحول اسرائيل الى قوة ارهاب نازية، وأن يتعرض شعب العراق لحصار الجوع وقنابل الطائرات الأمريكية والبريطانية.. ولتذهب كل الأحاديث عن حقوق الانسان التي صدعت بها أمريكا رؤوسنا سنوات طويلة الى حيث لا يراها أحد! إنه العصر الأمريكي الذي تحلم أمريكا بأن يمتد لمئات السنين، وتتصور أن التاريخ سيقف عنده ثم يطلب الإقامة الدائمة! أما كيف يمكن ذلك ونصف العالم يعاني البؤس، وأفريقيا لا تجد ثمن دواء الإيدز الذي تحتكره الشركات الأمريكية، ومنطق القوة هو الذي يسود، والنظام الاقتصادي الذي تنشره أمريكا تحت دعوى حرية السوق لا يأتي لمعظم البشر إلا بالفقر والديون والبطالة.. فهذه كلها أسئلة تختفي اجاباتها وراء غطرسة القوة التي تمارسها أمريكا والتي تجعلها تتحول من صوت يجسد أحلام الحرية والرخاء عند الشعوب المقهورة كما حاولت تسويق نفسها لسنوات طويلة.. الى قوة غاشمة غبية تستبيح كل المحرمات من أجل أن يتوقف التاريخ عند لحظة تفوقها، غير مدركة أن التاريخ لا يرحم.. ولا يتوقف! جلال عارف