جاءت دعوة الفريق عمر حسن أحمد البشير رئيس الجمهورية لتعدد الزوجات أو تحفيز الرجال لممارسة حقهم الشرعي كمسلمين بالزواج من أربع نساء، مثيرة للاهتمام والدهشة والرضى أيضاً عند البعض. ووسط الحديث عن التعددية السياسية ظهرت تعددية اجتماعية طالت مؤسسة مهمة في تكوين المجتمع هي الاسرة. وهذا ومن الجدير بالذكر ان البلاد شهدت في نفس الوقت اجتماعات القطاع الاجتماعي في حزب المؤتمر الوطني. كل هذا يجعل قضية تعدد الزوجات تتحول إلى قضية سياسية. اذ قد يعتبرها البعض بديلا عن التعددية السياسية الذي يفترض ان تكون الشاغل الأهم في سياق احياء المبادرة المشتركة والبحث عن حل سلمي شامل. ولكن السياسة يمكن ان تلعب بأشكال كثيرة ومن أهم تكتيكات اللعبة السياسية تغيير الاولويات أي تقديم او تأخير قضايا في مركز الاهتمام كذلك جذب المواطنين إلى الانشغال بقضايا معينة لفترة تمكن من نسيان او تعطيل قضايا أخرى كانت لها الأولوية قبل ذلك. رغم أي خلفية قد تكون وراء الدعوة ولكن ما يستوجب التوقف والمناقشة هو أنها جاءت في تزامن مع اهتمام حزب المؤتمر الوطني بالقضايا الاجتماعية بعد اجتماعات القطاعين الاقتصادي والثقافي. وهذه مناسبة جيدة لكي نجعل المشكلات والقضايا الاجتماعية تحتل موقعاً متقدماً في أجندة الأزمة السودانية. ودعوة تعدد الزوجات هي ليست الاصل في خطاب البشير فقد اراد طرح حلول للمشكلة السكانية كما يراها. باعتبار ان السودان يشكو نقصاً في السكان أو فجوة سكانية. لذلك علينا ألا ننشغل بجدل فقهي حول رخصة التعدد أو حكمة مشروعية تعدد الزوجات أو امكانية العدل بين الزوجات. بل نبدأ بالسؤال عن حقيقة المشكلات الاجتماعية وكيفية مواجهتها. تقرر دعوة الرئيس لتعدد الزوجات ان السودان في حاجة إلى زيادة في عدد السكان لتحقيق التنمية وعمار البلاد ولكن في الحقيقة يشكو السودان من الخلل السكاني على مستوى التوزيع والتخصص والتأهيل. فالمشكلة ليست عددية أو كمية بل كيفية أو نوعية، وهنا ننطلق من تأصيل الآية الكريمة: «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة». كما ان الكيان الصهيوني يعطي باستمرار الدليل على ان العددية ليس هي العامل الحاسم في تحقيق النمو والتطور الاقتصادي والسياسي. لذلك نحن نريد إنساناً سودانياً قادراً على الانتاج والانجاز من خلال تعظيم تأهيله وتدريبه ووضعه في المكان المناسب حسب تخصصه وقدراته ورغبته، وليس حسب الولاء الحزبي أو علاقات القرابة والمحسوبية. وهذا يعني قيام جهاز خدمة مدنية كفء ومستقل بالاضافة لنظام تشغيل علمي يهدف لزيادة الانتاجية وتحقيق التنمية الشاملة والمستقلة والعادلة. تقود النقاط السابقة إلى التساؤل المهم: هل تنقصنا الكفاءات والكوادر المؤهلة؟ لا، فالسودان يزود كثيراً من البلدان العربية وغير العربية باحسن الاطباء والمهندسين والمخططين والمعلمين والاساتذة الجامعيين والعمال المهرة. وقبل مدة كتبت عن مدينة الخرطوم وتساءلت في داخلي عن غياب إداريين، ولكنني تذكرت بأن مديري جميع أو أغلب بلديات احدى الدول العربية الشقيقة هم سودانيون جعلوا منها اجمل وانظف وارقى المدن في العالم طراً. وليس السبب الامكانيات المادية ولكن العقلية والتأهيل. هذا مجرد مثال يمكن ان ينسحب على مستشفيات عربية وعالمية يشرف عليها سودانيون وتحسب ضمن الاحسن. وفي كثير من الجامعات نجد السودانيين هم الاكثر كفاءة وقدرة بل حتى في القوات النظامية في بعض البلدان العربية هم الاكثر خبرة وانضباطاً وبين العمال العاديين هم الاكثر أمانة واخلاقية. اليست هذه امكانات وقدرات مهدورة لا تعادلها اي تحويلات مالية للمغتربين. ولكن يتأكد لي كل يوم بأن السودان بلد «ممحوق» بمعنى الكلمة المعبرة. هل يمكن ان نطرح على انفسنا السؤال الصعب عن تدفق الهجرة خلال السنوات الأخيرة الماضية. وهو سؤال تخجل كل القوى السياسية من مواجهته لأن الهجرة دليل على عجز الجميع. فالحكومة لم تعد تضع أي عقبات في طريق الراغبين في الهجرة حتى ظن البعض أنها خطة مرسومة تسعى لتفريغ البلاد من عناصر شابة ونشطة قد تكون سبباً في صعوبات سياسية مستقبلاً. أما المعارضة في الخارج فقد جعلت من نفسها وكيل تسهيلات تدبج التوصيات وتختلق الحالات لاقناع مكاتب الأمم المتحدة. وأصبح التهجير عملها الأساسي والأول خاصة مع كساد وركود العمل السياسي الحقيقي. ويمكن القول بلا تردد ان تواطؤ الجميع... حكومة ومعارضة ـ قد خلق مشكلة اقتصادية وسكانية ذات آثار سوف تمتد إلى سنوات. فهناك نزيف للعقول ساعدت هذه القوى عليه. فالسودان الذي صرف ملايين الدولارات على تعليم وتدريب ابنائه يرسلهم من أجل حفنة دولارات ليعملوا في حراسة المباني وتوصيل البيتزا وقيادة سيارات الاجرة وفي نظافة شوارع وأسواق العالم الجديد. وللأسف لا يعلم الجميع عن تفاصيل هذا النزيف: ما هو عدد المهاجرين السودانيين؟ وأين يعملون؟ وماهي حقوقهم أو صلتهم بالوطن الأم؟ هل أصدرت الحكومة مجموعة جديدة من قوانين الهجرة تواكب هذه التطورات؟ هل هناك جمعيات وروابط ـ غير سياسية ـ تجمع هؤلاء المهاجرين؟. أما الهجرة الداخلية من الريف إلى المدينة فهي تعبير جلي عن الخلل السكاني وليس عن نقص السكان. فقد ترك الملايين قراهم بسبب غياب مشروعات تنموية في مناطقهم فانضموا إلى جيوش العطالة والهامشيين في العاصمة والمدن. هناك ملايين الايدي الشابة القوية القادرة تعمل في مهن ونشاطات طفيلية لا تحتاج لهذه الاعداد الهائلة ولا لهذه الطاقات. ولكن سوء التخطيط رمى بهم إلى الشوارع ويرشحهم للجريمة والانحراف حين تضيق بهم السبل. ومن يذهب إلى وسط الخرطوم ميدان أبي جنزير والسوق العربي يظن نفسه في طواف بين الصفا والمروة. اذ يجد الاعداد الهائلة التي تتحرك جيئة وذهاباً بلا هدف. كذلك تصطدم عيون الزائر بمجموعات من ماسحي الاحذية وبائعات الشاي وغيرهم يملأون السوق طوال اليوم. هؤلاء ريفيون هاجروا لان مناطقهم طاردة، فليس المطلوب زيادتهم بتناسل جديد مجهول المصير والمستقبل ولكن باستيعابهم وجعلهم منتجين. وهنا أيضاً نتوقف عند البطالة بين الخريجين، فالجامعات التي نفخر باعدادها لم تضع أي خطة لاستيعاب خريجيها. وهم أيضاً ـ في الغالب ـ ابناء الريف والاقاليم الذين لن يعودوا بسهولة إلى قراهم للقيام بمهن واعمال ابائهم واجدادهم بعد ان منحوا شهادات جامعية يفترض ان ترفع مكانتهم في السلم الاجتماعي. وتتهرب الدولة حتى من حصر اعداد العاطلين من الخريجين ناهيك عن وضع خطة متكاملة للتشغيل. ومن المحتمل ان ترى في هجرتهم إلى الخارج حلاً للمشكلة. اعتقد ان الحل في التعددية وليس في تعدد الزوجات واقصد التعددية السياسية والثقافية والاجتماعية. فهذه الأزمة السكانية المفتعلة هي مجرد سوء توزيع للطاقات والقدرات. وقد تسببت السياسة في خلق هذه المشكلة والآن تبحث عن حل لمشكلة خلقتها باصرار وعناد. فقد كانت من أهم سياسات الانقاذ بعد الانقلاب هي التمكين وضمان السلطة المطلقة. لذلك كان لابد من اقصاء وابعاد كل معارض أو حتى مخالف رغم ان حق العمل من الحقوق الاساسية لأي مواطن. لذلك العودة إلى التعددية تعني مشاركة الجميع وتأكيد حقهم في العمل وفق الكفاءة وليس الولاء. كما ان المشاركة تعني بالضرورة الشعور بالانتماء للوطن وهذا حافز قوي للانتاج والعمل للنهوض بالبلاد عكس شعور من يفصل «للصالح العام» وهو في قمة عطائه ويجبر على ترك وطنه أو يضطهد داخل وطنه ويشعر بالغربة الروحية والنفسية. فالمشاركة من خلال التعددية هي حل مشكلات الوطن بينما قد يكون تعدد الزوجات في بلد محاصر بالفقر والتخلف الاقتصادي سببا في مشكلات جديدة توقعها الدين: «فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة» ثم «ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصتم». فهذه مشكلات أسرية قوية الاحتمال يضاعفها الحرمان الاقتصادي. هناك تساؤل في الختام. هل تعتبر مثل هذه الدعوات سياسات دولة أم مجرد الهامات يلدها مقام الحديث وتنسى بعد ذلك؟ اخشى ان يكون غياب التعددية بمعناها الواسع أي التشاور والنقاش ثم اتخاذ القرار، وراء مثل هذه الدعوات والتي تقفز على الخطط والاستراتيجيات التي تتحدث عن سودان عام 2020. بالتأكيد لوجود الجماهير سحره، وللهتافات والاغاني وقعها على مزاج الإنسان السوداني عامة ولكن لمثل هذه الدعوات قدسيتها التي يجب ان تسمو على المكان والحماس لانها تؤثر على مصائر الجماهير والوطن ولا يمكن اطلاقها بهذه السهولة والبساطة.