يفاجأ المسافر في أجواء منطقة الشرق الأوسط بمشهد يختلف كثيرًا عما يراه حال وجوده على الأرض سواء في المدن أو المناطق الريفية .. حيث يلحظ أن الصحارى والأراضي القاحلة تغطي مساحات شاسعة من الأراضي العربية. وهذه الحقيقة التي قد تخفى على عين الشخص العادي، تشكل هاجسًا لا ينقطع، لدى خبراء المياه، والساسة من ورائهم، في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط بوجه عام. وواقع الأمر أن هذا القلق الذي لا يفارق الخبراء والساسة بشأن ظاهرة الصحراء والتصحر في الوطن العربي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بما يعرف بـ«مشكلة الفقر المائي» الذي تعاني منه المنطقة العربية. ويمكن بإيجاز الإشارة إلى المسببات الطبيعية لذلك «الفقر» من خلال العوامل التالية: الجزء الأكبر من مساحة الوطن العربي يقع في العروض المدارية الحارة مما يعرض الماء للتبخر والاضمحلال. قلة المخزون المائي ومحدوديته وعدم انتظام توزعه في المكان والزمان.أكثر من 16 قطرًا عربيًا يقع دون خط الفقر المائي. الوطن العربي يحصل على 67%من موارده المائية السطحية (الأنهار) من مناطق جرافية تقع خارج حدوده، فأنهار النيل والفرات والليطاني والأردن تنبع من أراض غير عربية. ولعل هذا العامل الأخير، إلى جانب حقيقة أخرى مهمة مفادها أن المشكلة المائية في كل الأقطار العربية-باستثناء لبنان-مرشحة للتفاقم بشدة في المدى القريب، وبشكل كارثي في المديين المتوسط والبعيد .. لعل هذا هو السبب الذي أقحم بالساسة في لب هذه القضية وجعلهم شركاء حقيقيين في الهواجس الخاصة بالمشكلة المائية. ويعتبر الخبراء أنه في الوقت الذي يرتبط فيه الجفاف بالفقر والحرب، فإن وفرة المياه ترتبط عادة بالنماء والتقدم والسلام، والدول التي تتمتع بمصادر مياه عذبة متجددة هي دول متقدمة اقتصاديًا مقارنة بالدول التي لا تتوفر لها هذه المياه بكميات مناسبة خاصة في إفريقيا. وفي مقابل حصة سنوية تقل عن 100 متر مكعب من المياه العذبة المتجددة للفرد في المتوسط في بلدان عربية خليجية ترتفع هذه الحصة قليلاً إلى 900 متر مكعب للفرد في مصر والسودان، فإن نفس الحصة لا تقل عن 12000 متر في المتوسط في الدول الأوروبية والبلدان الصناعية المتقدمة. ومع مرور الوقت يزداد النمو السكاني في المنطقة العربية بمعدلات تتراوح بين 2-3%سنويًا ويزداد استخدام المياه بمعدل يتراوح بين 2-5% سنويًا، إلى جانب اشتداد الصراع على تخزين المياه العذبة، وفي مقابل عرض شبه ثابت-إن لم يكن يتناقص جوفيًا- للمتاح من المياه سنويًا لاستهلاك شعوب المنطقة. ومعنى ذلك أن هناك تحديًا حقيقيًا أمام المخططين ورجال السياسة والعلماء في المنطقة العربية والشرق الأوسط يتمثل في مواجهة مشكلة ندرة المياه.. تحذير أمريكي وفي الشهر الماضي قام خبير أمريكي يدعى «بول سايمون» (سيناتور أمريكي سابق استقال من عضوية مجلس الشيوخ بعد عشرين عامًا من فوزه بها) بدق ناقوس الخطر لدول المنطقة مرة أخرى عندما كشف خلال محاضرة ألقاها في دمشق، عن تقرير لوكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي آيه) حددت فيه «عشرة أماكن في العالم ستكون مرشحة لنشوب حرب حول المياه من بينها الشرق الأوسط». وقال الخبير الأمريكي إن الحروب نشبت من أجل النفط، لكن هناك بديلاً للنفط على رغم أهميته. أما المياه فليس لها أي بديل، ولذلك فإن أي زعيم دولة لن يتردد في خوض حرب لأجل السيطرة على موارد المياه.. وهناك حقائق أساسية تخدم هذا التصور الخطير، كشفها بدوره تقرير للبنك الدولي عن الشرق الأوسط يشير إلى أنه بين عامي 1960 و2025 ستنخفض مخزونات المياه المتجددة للفرد الواحد سنويًا من 3430إلى 667 مترًا مكعبًا بسبب سوء الاستخدام وكبر مساحة الصحاري والزيادة السنوية للسكان، إذ سيتضاعف عدد السكان في العقدين المقبلين. كما حذر تقرير مشابه لمجلس الوحدة الاقتصادية العربي من ارتفاع العجز المائي العربي الذي من المتوقع أن يصل لنحو 3.3مليارات متر مكعب عام 2025 إذا استمرت الدول العربية في تنفيذ سياساتها المائية الحالية. ونبه التقرير إلى إمكانية نشوب حرب في المنطقة بسبب تناقص المياه بعد أن بلغ نصيب منطقة الشرق الأوسط من المياه العذبة المتجددة سنويًا أقل من 1% من إجمالي المياه المتجددة في العالم، وفي الوقت نفسه بسبب استنزاف الدول العربية لمصادر المياه المتجددة لديها. وعي قديم بالمشكلة والحقيقة أن هذه المشكلة بأبعادها الإنسانية والسياسية، وحتى العسكرية، لم تغب يومًا عن بال الساسة وصناع القرار في المنطقة الذين يدركون أنها سوف تظل عقبة كأداء أمام جهود إحلال السلم، وتحقيق المصالح الوطنية. فعلى سبيل المثال، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين يقول «لقد كنت أعمل مهندسًا للمياه قبل أن التحق بالعمل العسكري، ولو قمنا بحل كل المشكلات الأخرى في الشرق الأوسط من دون التوصل إلى حلٍ مرضٍ لمسألة المياه، فإن المنطقة ستنفجر، والسلام لن يكون ممكنًا». وكان الأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس غالي قد أشار في العام 1985 عندما كان وزيرًا للخارجية المصرية إلى أن «الحرب المقبلة في الشرق الأوسط ستندلع بسبب المياه لا السياسة .. إن واشنطن لا تأخذ هذا على محمل الجد، لأن كل شيء بالنسبة للولايات المتحدة يتم التعامل معه من منظور علاقته بالنفط». والرئيس المصري السابق الراحل أنور السادات قال قبل أيام من قيامه بتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل:«إن المسألة الوحيدة التي قد تزج بمصر إلى الحرب مرة أخرى هي المياه»، أما العاهل الأردني الراحل الملك حسين بن طلال فقال إن المياه هي القضية التي «قد تدفع بدول المنطقة إلى الحرب مرة أخرى»، في حين أكد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق وارين كريستوفر أن «في الوديان الجافة لمنطقة الشرق الأوسط يصبح للصراع على المياه أثر مباشر على الأمن والاستقرار». كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أكد في العام 1996 أن «إسرائيل مقبلة على ورطة فيما يتعلق بالمياه .. إن المشكلة التي كانت عويصة بالفعل لعدة عقود مضت ستصبح أشد حرجًا». وقد كرس شيمون بيريز وزير الخارجية الإسرائيلي جزءًا كبيرًا من كتابه «الشرق الأوسط الجديد» لموضوع المياه. ويؤكد فيه أن «المياه كانت ولا تزال تمثل عاملاً رئيسيًا في السياسة المعاصرة، كما أن العلاقات بين دول المنطقة كانت وستظل تتشكل عمومًا بفعل السياسات المائية .. إن الانتهاك الخطير للحقوق المائية ينظر إليه أحيانًا كمبرر لشن الحرب» الصراع على المياه ليس جديدا وبغض النظر عن مخاوف الساسة، فإن وجهة النظر التي تربط بين مشكلة المياه في الشرق الأوسط وبين نذر الحرب في المنطقة، لا تعوزها الأمثلة التاريخية الشاهدة على صدقها، بل إن بعض المحللين يذهب إلى أبعد من هذا، مؤكدًا أن تاريخ الصراع في منطقة الشرق الأوسط دائمًا ما كانت مصادر المياه هي التي تحدد معالمه وتطلق له إشارة البدء. وبالفعل، كان الكثير من المناوشات بين إسرائيل والدول العربية المجاورة منذ حرب 1948، إما صراعات حول المياه، أو معارك بدأت لأسباب تتعلق بالمياه. فعندما بدأت إسرائيل ضخ المياه من المستنقعات في مستهل الخمسينيات، اعتبرت سوريا ذلك انتهاكًا للمنطقة المنزوعة السلاح، مما أدى إلى أحداث عسكرية حول بحيرة طبرية آنذاك استمرت لعدة سنوات. وقد دفع ذلك الرئيس الأمريكي السابق دوايت آيزنهاور في عام 1953 إلى وضع خطة إقليمية للمياه سميت بـ«خطة جونسون» تهدف إلى تأمين إمدادات المياه إلى إسرائيل، بيد أن الدول العربية لم توافق عليها، مما دفع إسرائيل إلى تنفيذها بشكل منفرد لنقل المياه إلى صحراء النقب. أما الدول العربية المجاورة التي رأت في ذلك تجاوزًا من جانب إسرائيل فقد اتفقت فيما بينها على تحويل بعض مياه المجرى العلوي لنهر الأردن لقناعتها أن ذلك منسجم مع «حقوقها الدولية»، ولاسيما أنها لم توافق رسميًا على «خطة جونسون»، الأمر الذي اعتبرته إسرائيل تهديدًا لبقائها فبدأت بشن غارات جوية بدءًا من إبريل عام 1967 فكانت الشرارة الأولى التي أعقبها اندلاع حرب يونيو 1967، ويسجل التاريخ لرئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون مقولته الشهيرة» :إن الناس بشكل عام يعتبرون الخامس من يونيو 1967 هو اليوم الذي نشبت فيه حرب الأيام الستة. إن ذلك ناتج من الإعلام الرسمي، لكن الحقيقة أن تلك الحرب بدأت قبل ذلك بسنتين ونصف، وفي اليوم الذي قررت فيه إسرائيل العمل ضد تحويل مجرى نهر الأردن. وفي العام 1975 كادت سوريا والعراق أن تدخلا في مواجهة مسلحة بسبب المياه، لولا جهود الاحتواء العربية. وفي العام 1991 شكلت مرافق تزويد المياه في كل من العراق والكويت أهدافًا حربية في حرب الخليج 1991، حيث كان العراق يريد الجزر الشمالية للكويت «بوبيان ووربة» بسبب حاجته إلى موانئ عميقة. وتعهد العراق بتزويد الكويت بالمياه العذبة إذا ما تخلت عن هذه الجزر، بيد أن طلبه قوبل بالرفض لما كان قد صدر من بوادر سوء النية. وفي عام 1998 كادت سوريا وتركيا تتحاربان بسبب عدد من المشاكل، بينها الخلاف على تقاسم نهر الفرات، إذ تشعر سوريا بالقلق من إقامة تركيا 22 سدًا في إطار «مشروع تطوير جنوب الأناضول» (جاب) الذي يمكن أن يؤدي إلى خفض تدفق نهر الفرات إلى كل من سوريا والعراق بنسبة تصل إلى 60% . تحويل نهر الوزاني ولا يستطيع الباحث أن يغفل الأيدي الإسرائيلية من وراء حرب السويس في العام 1956 (العدوان الثلاثي على مصر) التي كانت في الأساس ردًا على قيام مصر بتأميم قناة السويس، كمحاولة لتأمين العملة الصعبة لبناء السد العالي بغرض تخزين المياه وتجنب فيضان النيل، والتحكم في منسوب المياه وتجنب هدر الثروة المائية وتأمين القوة الكهربائية. ـ وكذلك لا يمكن إغفال دور ورقة المياه في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، ككيان مستقل يمثل الفلسطينيين ردًا على محاولات إسرائيل في بداية الستينيات التلاعب في مجرى نهر الأردن. وفي شهر مارس من العام الجاري، فوجئت القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان، بالحكومة الإسرائيلية تتوعد لبنان بضربة عسكرية موجعة إذا استمر سكان القرى اللبنانية المحررة في محاولات «تحويل» مجرى نهر الوزاني الذي يجري في الجنوب اللبناني ويصب في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكان مبعث الغرابة والدهشة في هذا التهديد الإسرائيلي بشن الحرب، هو أن محاولات اللبنانيين لـ«تحويل» مجرى النهر لم تكن سوى أنبوب صغير قطره عشرة سنتيمترات قام السكان العائدون لإحدى القرى المحررة بتركيبه على النهر، وبإشراف من قوات الأمم المتحدة، لإرواء ظمئهم كما كان الأمر معمولاً به قبل 34عامًا وهي في آخر الأمر عملية نقل للمياه من داخل لبنان إلى داخل لبنان. ومما يذكر في هذا الصدد أن بديهيات السلوك العسكري الإسرائيلي التقليدي تشير إلى أن هناك مصلحة لإسرائيل في عودة أكبر عدد ممكن من المدنيين اللبنانيين إلى قراهم وبيوتهم في الجنوب اللبناني، باعتبار أنهم سيصبحون هدفًا سهلاً للانتقام الإسرائيلي كلما تطلب الأمر ذلك. أما في حالة قرية الوزاني الصغيرة فقد أصبحت لإسرائيل حسابات أخرى يمكن أن تصل إلى حد إعلان الحرب والاستيلاء مرة أخرى على أجزاء من الجنوب اللبناني، وهو الأمر الذي تنبئ به الحشود الإسرائيلية التي تزداد يومًا بعد يوم قبالة النهر في الجولان السوري المحتل، برغم استحقاقات الانتفاضة الفلسطينية التي أرهقت الجيش الإسرائيلي تمامًا. وفي هذا الصدد يشير المحللون إلى أن أزمة نهر الوزاني في مارس الماضي ثم إعادة إسرائيل افتعال هذه الأزمة مجددًا خلال شهر يوليو الماضي وفي الأيام التي انقضت من شهر أغسطس الجاري، بزعم أن مشروعات اللبنانيين على النهر سوف تؤدي إلى خفض منسوبه، ما هي إلا مناورة للتغطية على خطوة ضم مزارع شبعا اللبنانية المحتلة إلى إسرائيل. فالمزارع تبعد قانونًا عن الحدود الفلسطينية أقل من 3كلم، وتعلم إسرائيل أنه عند إعادة الجولان المحتل إلى سوريا ذات يوم، سوف يتعين عليها الاحتفاظ بمزارع شبعا لأنها مصدر المياه الحقيقي بالنسبة لفلسطين، كما ذكر الإسرائيليون في 13 فبراير 1919 في «مؤتمر الصلح» بباريس، لذلك فهي مضطرة إلى أن تعيد احتلال المناطق اللبنانية التي أخلتها في 24مايو 2000 مثل المجدية والوزاني ونهرها وصولاً إلى حدودها، لربط المزارع اللبنانية مع أقرب مستوطنة وتدعى «ميعان باروخ» بؤر التوتر والدور الإسرائيلي تكاد تجمع أغلب تحليلات الخبراء على وجود ثلاث بؤر للتوتر بسبب الصراع على المياه العذبة داخل حدود الوطن العربي وخارجها، مرشحة للتطور إلى حروب مسلحة في الآجال القريبة. هذه البؤر الثلاث هي حوض نهر الأردن، وقد عرضنا لجانب منها في السطور الماضية، ولدور إسرائيل المعلن فيها. إلى جانب مشكلة المياه في كل من حوض نهر النيل، وحوض نهري الفرات ودجلة. وهما البؤرتان اللتان يمكن للباحث أن يستشعر الأصابع الإسرائيلية فيهما دون أن يراها بوضوح .. ففي حوض النيل أشارت الكثير من التقارير، وآخرها تقرير منسوب إلى المخابرات الفرنسية، إلى أن إسرائيل قامت خلال الشهور الأخيرة بتزويد جيشي رواندا وبروندي بالأسلحة القديمة من دون مقابل لكسب ود السلطات الحاكمة في البلدين حتى تتمكن من التغلغل في منطقة البحيرات العظمى. وتقدر التحليلات أن عدد الخبراء الإسرائيليين الموجودين في منطقة القرن الإفريقي ودول حوض النيل، يقارب الثمانية آلاف خبير، من بينهم عدد من رجال المخابرات. وتقيم إسرائيل علاقات دبلوماسية وتجارية مع هذه الدول تقدر بحوالي ملياري دولار في مقابل تبادل بين العرب والأفارقة نسبته 5% من حجم التبادل التجاري لإفريقيا مع العالم الخارجي. وفي أوغندا يحتل القنصل الفخري الإسرائيلي مكانة رفيعة، وهو وكيل مبيعات الأسلحة الإسرائيلية الأكبر في القارة الإفريقية وتمتد أعماله من كمبالا لتصل إلى رواندا وبروندي وكينيا وأثيوبيا. وقد بلغ النفوذ الأمريكي في رواندا الحد الذي أصبح يطلق عليها الآن «إسرائيل منطقة البحيرات» بعد أن تكشفت الحقائق عن وجود خريطة لدولة رواندا تقف إسرائيل وراءها بقوة. أما في إثيوبيا فالمشكلة تبدو أكثر فداحة بالنسبة لكل من مصر والسودان نظرًا لأن البحيرات الموجودة على الأراضي الإثيوبية تعتبر المنبع الرئيسي لمياه النيل (حوالي 80% من مياه النيل تأتي من هضبة الحبشة) يعتقد الخبراء أن الحملات المتكررة ضد مصر التي تقودها إثيوبيا للتشكيك في حصتها من مياه النيل والتهديد ببناء سدود أثيوبية على النيل من شأنها التأثير على كمية المياه التي تصل إلى الأراضي المصرية، إنما تدار بأصابع إسرائيلية. ولقد لفت أحد الكتاب مؤخرًا الأنظار إلى أن إسرائيل أفلحت في زرع التوتر بين مصر وإثيوبيا رغم العلاقات التاريخية التي تربط بينهما، واستدل على ذلك بأحداث الشغب التي صاحبت مباراة إحدى الفرق الرياضية المصرية في إثيوبيا والتي عكست تدني شعبية مصر والسخط العام على ما يطلق عليه الأثيوبيون «الجشع المصري» تجاه مياه النيل.. أما الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة ـ لحساب إسرائيل بالطبع ـ في منطقة جنوب السودان، فهو يكاد يخرج إلى نطاق الممارسات العلنية. ومما يذكر في هذا الشأن، أن مشروع قناة جونجلي (مشروع مصري-سوداني لتوفير مياه النهر المهدرة في منطقة المستنقعات بوسط السودان والتي كانت تقدر بنحو 7.5 مليارات متر مكعب سنويًا) وبرغم الفوائد الجمة التي كانت ستعود على القاهرة والخرطوم من ورائه، كان هدفًا دائمًا للهجمات المتكررة التي تقوم بها قوات المتمردين منذ العمل في المشروع في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي. وهكذا نجحت إسرائيل في التغلغل داخل معظم القارة السمراء، وتمكنت من السيطرة على البحيرات العظمى ومعظم حوض النيل. وهي تعمل سرًا على وضع خطط لجر مياه النيل إلى أراضيها من أقرب نقطة في الدول الإفريقية والتحكم بمجرى مياه هذا النهر.. ومن نافلة القول، التأكيد على أهمية النيل بالنسبة لمصر، ومدى ارتباط مستقبل مصر بحصة المياه الواردة من النيل. ففي الوقت الذي يتزايد فيه سكان مصر بالملايين كل عام فإن كمية المياه العذبة المعروضة أمامهم تبدو ثابتة. والآن يناهز تعداد مصر السبعين مليون نسمة، في حين يبلغ إجمالي مواردها المائية 72 مليار متر مكعب تقريبًا، منها 55.5 ملياراً (حوالي 77%) تأتي عن طريق النيل والباقي المقدر بنحو 23% عن طريق المياه الجوفية والمياه الناتجة عن معالجة الصرف الصحي والزراعي. السياسة المصرية وهكذا، على الرغم من أن السياسة الخارجية المصرية تتميز بالاعتدال بوجه عام، فإن القيادات المصرية لم تتردد في التلويح بشن الحرب من أجل « الحفاظ على حقوقها المكتسبة والموثقة في مياه النيل»، كما أعلن الرئيس السادات من قبل. أما فيما يتعلق بمشكلة المياه في نهري دجلة والفرات، فلا اختلاف يذكر عن الأوضاع في حوض النيل بالنسبة للتغلغل الإسرائيلي سوى فيما يتعلق بتفاقم الأوضاع أكثر وأكثر فيما يخص دجلة والفرات. ولعل أهم ما يهدد كلا من سوريا والعراق فيما يتعلق بمياه دجلة والفرات فهو مشروع «الجاب» الذي يرمي إلى تطوير منطقة جنوب الأناضول من خلال إنشاء 17 سدًا على الفرات وأربعة سدود على دجلة مما سيقلص كمية المياه التي تعبر الحدود التركية، ويتسبب بالتالي في مشكلة بالنسبة لسوريا، وفي كارثة حقيقية بالنسبة للعراق، حيث من المنتظر أن يقل منسوب نهر الفرات بمقدار 14مليار متر مكعب بعد أن كان نحو 28 مليار متر مكعب من المياه العذبة تعبر الحدود التركية عبر هذا النهر، مما يؤدي على أرض الواقع إلى استبعاد 40% من أراضي حوض الفرات في العراق من الاستغلال الزراعي. والجدير بالذكر أن مشروع «الجاب» تم تصميمه بأيدي خبراء إسرائيليين نذكر منهم خبير الري«شارون لوزوروف» والمهندس «يوشع كالي». أما المشروع التركي الثاني، فهو مشروع سد «أورفة» الذي شرعت تركيا ـ بمساعدة مالية من إسرائيل ـ في بنائه.. ويستطيع سد «أورفة» بعد إتمامه أن يحبس مياه دجلة والفرات لمدة 600 يوم، مما يعني تجفيف مياه النهرين تمامًا، وهو الأمر الذي أثار مخاوف دمشق وبغداد اللتين تعتبران التعاون المائي التركي-الإسرائيلي بداية لحرب أقسى بكثير من الحروب العسكرية. القاهرة ـ مكتب «البيان»: