استأنف أحزاب المعارضة والحزب الحاكم الحوار حول حرية الانتخابات ونزاهتها وتكافئها والقانون المنظم لها. ورغم الاتفاق على ان الدستور هو المرجعية الأساسية للحوار الا ان الحزب الحاكم المؤتمر الشعبي العام حرص في ورقته على ان يقدم مرجعية ثانية هي تجارب الدول الاخرى، علما ان المجتمعات السياسية كبصمة الاصبع لا يمكن ان تتطابق خطوطها مع خطوط بصمات اخرى. فمصر التي يوجد بها قضاء قوي ومستقل الى حد ما ـ امكن له ان يصدر حكما بحل مجلس الشورى لا مرة واحدة وانما مرتين ـ لا يمكن ان تقارن ببلد ليس فيه قضاء مستقل وكفء ومحكوم بتقاليد راسخة. كما لا يمكن مقارنة بلد لديه الحد الادنى من احترام الدستور والقانون ببلد يذبح الدستور من الوريد إلى الوريد. وتعتبر فيه النخبة المتنفذة نفسها فوق الدستور وفوق القانون. كما لا يمكن مقارنة الولايات المتحدة الأمريكية التي امكن فيها لصحيفة ان تطيح بأقوى رئيس أمريكي «نيكسون» لأنه تجسس على الحزب المعارض بدول لا يتردد حكامها في ان يعتقلوا مرشحي المعارضة الذين يحتملون نجاحهم ولا يطلقونهم الا بعد ان تكون الانتخابات قد انتهت.. كما لا يمكن مقارنة امريكا التي هزت الكرسي من تحت الرئيس كلينتون لانه استخدم تليفون الدولة لمصلحة حزبه بدول تستخدم الجيش والامن والاعلام العام والمال العام وسلطات الدولة لصالح الحزب الحاكم. ولكل ما سبق فان قوانين الدول الاخرى لا يمكن ان تكون مرجعاً نحتج به. ولكنها مرجع يمكن الاستفادة منه فقد نأخذ من القانون المصري أو المغربي أو الاردني أو غيرها ما نراه مفيداً وقد نجتهد ما نعتقد انه مناسب لنا. اما الملفت للنظر فهو ان الحزب الحاكم هذه المرة يعترض على فكرة الخصوصية وهو الذي دائماً يتمسك بها وما يكاد يسمع طرحاً لنموذج أفضل حتى يقول نحن في اليمن ولسنا في سويسرا. حتى الجنود الذين كنا نجدهم سابقاً في المطارات لما نقول لهم هذا مخالف للدستور «يردوا» «دستور مه احنا يمنيين» اما هذه المرة فسبحان مغير الاحوال. لكن وللانصاف فان الاخ رئيس الوزراء وفي اخر تعليق له على مرجعية الحوار قد أكد ان الدستور هو المرجعية الاساسية ولم يشر إلى اي مرجعية أخرى. لقد ظهر بوضوح ـ من خلال اللقاءات التي تمت ـ ان الحوار الحقيقي يدور بين طرفين اساسيين هما: الحزب الحاكم واحزاب اللقاء المشترك. كما وضح ان الخلاف بينهما هو في تصور كل منهما لاطار الحوار فالاخ عبدالقادر باجمال كرئيس للحكومة يرى ان مرتكز الحوار الذي دعت اليه الحكومة هو قانون الانتخابات والتعديلات المقترحة من قبل حكومة المؤتمر الشعبي. وفي اطار الحوار حول القانون والتعديلات يمكن للمعارضة ان تطرح ما تريد تعديلاً أو الغاء او اضافة.. اما احزاب المعارضة فترى ان اطار الحوار ومرتكزه يجب الا ينحصر في القانون وتعديلاته فاذا كان الدستور سيد القوانين لا ينفذ فما بالك بقانون عادي.. وترى أحزاب المعارضة ان القضية الاساسية هي كيف نتفق على أسس سليمة لاقامة انتخابات حرة ونزيهة ومتكافئة.. ولتحقيق ذلك لابد من مناقشة المناخ العام الذي يهييء الاجواء الحقيقية لاقامة مثل هذه الانتخابات بما في ذلك حيادية مؤسسات الدولة، والمال العام وعدم استخدامها لصالح حزب من الأحزاب.. ومناقشة الضمانات لتحقيق ذلك، وترى المعارضة ـ أيضاً ـ ان معالجة المرض لا يمكن ان تتم الا بعد تشخيص العلة ولهذا لابد من التقييم المشترك للتجارب الانتخابية السابقة والتعرف على مكامن الخلل فيها حتى تتم المعالجة على أسس علمية ومن خلال التجارب العملية وليس التنظير القانوني الذي يحوله المناخ العام إلى لعبة في ايدي ذوي النفوذ. اتفق الطرفان في النهاية على تشكيل لجنتين: 1 ـ لجنة سياسية تتحاور فيها الأحزاب حول المناخ العام للانتخابات وضمانات قيام انتخابات حرة ونزيهة ومتكافئة بعد استعراض شامل للتجارب الانتخابية السابقة. 2 ـ لجنة قانونية فنية تتحاور حول قانون الانتخابات وتفصيلاته في اتجاه ترسيخ النهج الديمقراطي وتجسيد حيادية الجهة المشرفة على الانتخابات. واعادة تصحيح الاجراءات التي شكلت خللاً وثغرات في التجارب السابقة وبما يحقق في النهاية انتخابات حرة ونزيهة ومتكافئة. تشكيل اللجنتين كان حلاً منطقيا من الناحية العملية لتأطير الحوار وتنظيمه لكن الاهم من كل ذلك هو ما مدى قناعة النخبة الحاكمة في ان تترك للشعب الحرية في اختيار ممثليه سواء في البرلمان او المحليات على الأقل. ويمكن التوافق بالنسبة للانتخابات الرئاسية المقبلة. وما مدى قناعة النخبة الحاكمة في ان تتجه إلى بناء حزب قادر على التنافس الشريف والمتكافيء يمثلها في التنافس على مقاعد البرلمان والمحليات دون استخدام لامكانيات الدولة وسلطاتها سواء بهدف التأثير على الانتخابات أو بهدف اضعاف الأحزاب المنافسة ومصادرة مقراتها وودائعها والعمل على شق صفوفها، وتعطيل صحفها، وطرد الموظفين الذين ينتمون اليها من وظائفهم الحكومية دون مبرر سوى انتمائهم. بدون هذا التحول الثقافي والنفسي لدى النخبة الحاكمة فان كل حوار ليس الا حرثاً في البحر. أو على رأي المثل اليمني «خذ من المطال حجر» «والمطال» في المصطلح اليمني يعني الشخص الذي يسوف في ارجاع الحقوق إلى أهلها. ان التعديلات الدستورية التراجعية قد اوصلت المجتمع إلى قناعة ان النخبة الحاكمة تسير في الطريق الخاطيء ولا امل في ان تصحح وضعها فالحرام عندها هو الذي لا تستطيع الحصول عليه. عموماً لقد كانت جلستا الحوار ـ التي حضرتها ـ صريحة وتوحي بالنية الحسنة من قبل حكومة المؤتمر الشعبي مع العلم ان الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة. ولقد كان الاخ عبدالقادر باجمال الذي رأس جلستي الحوار لبقاً في حواره.. وكان مستمعاً جيداً لكل ما يقال، وكان ديمقراطياً في اعطاء الفرص للحديث.. كما كان ذكيا وموجزا ومقنعا في طرحه.. وقد يقدم العسل الدوعاني في رأس سكين حادة.. وليس أمام المعارضة من خيار سوى السير في طريق الحوار إلى جانب اعادة تنظيم نفسها، وتقوية تحالفها، وتعميق ارتباطها بالجماهير.. والعمل على تنمية الارادة الشعبية لتشكل ضغطا على الارادة السياسية.. ولا مكان للاحباط أو التراجع فالحياة صراع ارادات. والأرض يرثها عباد الله الصالحون.