في مذكرات المرحوم الملك عبدالله بن الحسين، مؤسس المملكة الأردنية الهاشمية، اصطلاح ملفت للنظر وقد كان الرجل يرى نفسه «حكماً» وحاكماً. وعند الترجمة للمذكرات إلى اللغة الانجليزية استخدمت كلمة «ARBITES» لتعني الحكم. والحكم هنا ليس مثل حكم المباراة يراقب اللعب، ويصوب الخطأ، ويصدر القرارات بموجب قانون اللعبة فقط. بل هو أيضاً مشارك أساسي في وضع اصول اللعبة ولكن المعنى الأكثر اثارة في الامر كله هو انه كان «المرجع» الذي يعود اليه كل الناس في حالة اختلافهم؟؟؟ بينهم وهو الذي ينصف الضعيف على القوي، والمظلوم على الظالم، ويضمن عودة الحقوق إلى أصحابها. وقد كان الملك عبدالله يتمتع بدرجة عالية من الحلم وسعة الصبر والصدر، حكم من رجل تصدى له في المجالس، فسكت عليه، لاضعفاً، ولكن استيعاباً وكم من شخص تجاوز حدود اللياقة، فوجد عند الملك المؤسس حلماً اعاد الذي تجاوز إلى جادة الصواب، لقد ادرك الملك عبدالله انه كان يبني بلداً وسط ظروف صعبة. ووعى بحسه العميق ان مصالح الناس سوف تتضارب، وتتناقض في المرحلة الجديدة. دوعي كل الوعي ان خلق نظام جديد يحمل في طياته ظروفاً جديدة، تغير فيها خارطة السلطة، وتوزيع القوى، وفرص الثروة ونتيجة لذلك كله سيكون هنالك كاسبون وخاسرون، فرحون وترحون، سعيدون واشقياء. وهو بذلك ان لم يوسع صدره للاستماع والانصاف، فإن كثيراً من الناس سيرون في العهد الجديد ما لا يحبونه. وهكذا استطاع ان يقنع الجميع، ان من خسر اليوم قد يكسب غداص، وان من فاته القطار صباحاً يمكنه ان يركب قطار المساء. ،وجاء الملك الحسين بن طلال وكان التلميذ النجيب لجده المؤسس وأدرك الملك الحسين، على حداثة سنه آنذاك، وصعوبة التحديات، ان وظيفته الأساسية هي البناء، ومزج الناس من شتى الاصول في بوتقة انصهار واحدة، ليعيشوا جميعاً في ظل وطن واحد يحميهم، لأنهم كلهم فيه شركاء ووصل حد التسامح بالملك الحسين انه استعان بمن سعوا إلى الاطاحة بالنظام، أو التعرض له. ولما انتصر عليهم، دون ان يسفك دماء، وفر دماء الخارجين عن القانون، بل واعادة تدويرهم ضمن الحياة السياسية. ومرت بالأردن ظروف صعبة وعرة واحياناً تقترب من الكارثة. ولا حاجة للتذكير بأحداث 55 و 56 و57 و62 و67 و69 و70 و71 و73 و75 و79 و80 و88 و89 و90 وغيرها. وكلها كانت حتى دون فك طلاسم الأرقام، أحداثاً جسيمة، ولكن الملك الحسين قاد سفينته بنجاح وسط الدوامات والعواصف العاتية. واذكر ان النبك الدولي في تقرير له عام 1957، قرر ان الأردن غير قابل للحياة اقتصادياً. ونشط الملك الشاب ليثبت عكس ذلك، واستطاع ان يبني بالصبر وبالاناة وطناً يحق له ان يفخر به. ولم يكن بناء الأردن سهلاً بل صعباً ومعقداً، وهو ليس فريسة سهلة لأحد ولا ساحة مفتوحة لمن؟؟؟ به شراً. ولكن عناصر نجاح الأردن اعتمدت في الأساس على أربعة أسس. الأولى قيادة حكيمة اعتمدت دورها علي انها حكم عادل لكل الناس والمواطنين. والثانية هو شعور الناس ان الحظ ان فاتهم اليوم، فسوف يدركهم غداً مما يبقى جذوة الأمل والعمل. والثالثة عدالة اجتماعية أساسها المساواة والتعليم، وانعدام الجمود الطبقي في الأردن. وطريقها برمجة عقلانية وسياسة معتدلة وسطية، وللأمم مع الأمة والعالم بشكل متوازن. ان أي انتقاص في هذه الأمور، سوف يخل بالأمن الأساسي الشامل الذي استطاع الأردن ان يتجاوز به كل التحديات والصعاب... والظروف الذي يمر به الأردن حالياً ظرف صعب وينطوي على تحد كبير. وأنا واثق ان الملك عبدالله الثاني سيكون على قدر المسئولية، وانه سيراعي القواعد التي مكنت والده من البناء وجده عبدالله من التأسيس.