السلاح والأمن القومي قضية خطيرة، فبمقدار ما تملك يمكنك أن تزداد أمنا. هكذا كانت القاعدة التي وضعها خبراء الإستراتيجية وإن كانت السياسة غير بعيدة فقد ظلت تجارة السلاح في العالم مقيدة بعدد محدود من الدول، ومحكومة بخطوط حمراء تحدد الهدف السياسي لإمتلاك السلاح أو ذاك. من هنا، كان لجوء كثير من الدول العربية خلال الستينيات والسبعينيات إلى الإتحاد السوفييتي، كنقيض للولايات المتحدة التي تساند العدو التاريخي إسرائيل. ومن هنا أيضا كان دخول واشنطن إلى سوق السلاح في الدول العربية بديلا عن موسكو إنقلابا في نظريات الأمن القومي. كانت الحجة، كما رفعها السادات في يوم ما : (أهمية تنويع مصادر السلاح).. وإن كان ذلك قد تحول بعد ذلك إلى تغيير شامل لمصادر السلاح، لتكون واشنطن هي المصدر الأول إلى جوار دول غربية أخرى مثل بريطانيا وفرنسا. ثم جاءت القفزة الثانية في علاقات التسليح حين بدأت حرب الخليج الثانية، وأصبحت الولايات المتحدة - متضامنة مع بريطانيا وفرنسا بدرجة أقل من ضامنة لأمن الخليج.. وحينذاك بات منطقيا أن تكون هي المصدر الرئيسي للتسليح.. ليس للخليج وحده، وإنما لدول رئيسية خارج الخليج مثل مصر التي تطورت معها العلاقة من شراء سلاح أمريكي مقابل قروض.. إلى شراء سلاح مقابل معونات لا ترد وتصل إلى 1.3 مليار دولار سنويا، وهو أكبر عون عسكري تدفعه واشنطن لدولة أجنبية عدا إسرائيل. وفي كل هذه التطورات كان السؤال الحائر: (كيف تتحول دولة حليفة لإسرائيل إلى دولة صديقة للعرب وتقوم بتسليحهم الذي قد يلعب دورا ضد إسرائيل؟ وربما كانت الإجابة في الخليج هو أن السلاح تجارة رائجه وأن من يضمن الأمن ـ وفق معاهدات مكتوبة ـ يتقاضى الثمن في أشكال مختلفة بينها: توريد السلاح. في حالة مصر فإن الأمر يختلف فواشنطن هي التي تدفع، وواشنطن هي التي تقول إن لمصر دورا في المنطقة ينبغي تشجيعها عليه.. وجزء من الثمن : عون عسكري في شكل أسلحة ومعدات وتدريب وأنظمة وبالحسابات الأمريكية فإن الولايات المتحدة وفي مقابل 1.3 مليار دولار كل عام تكسب مرتين.. مرة بطرد موسكو من علاقة التسليح رغم أن جزءاً كبيراً مازال تابعا لها بالضرورة ولأغراض الصيانة لصفقات سابقة.. ومرة بحفظ التوازن بين مصر وإسرائيل.. بل وبين العرب وإسرائيل، ولصالح تل أبيب. العلاقة إذن، ومن وجهة النظر الأمريكية، مكاسب خالصة والثمن زهيد. ولكن، ومن وجهة النظر المصرية فإن الأمر لابد أن يختلف، فمازال العدو الاساسي وكما يقول الإستراتيجيون هو العدو الإسرائيلي.. وأي جولات قادمة ـ ورغم معاهدة السلام ـ سوف تكون مع تل أبيب. ورغم أن القاهرة لا تتحدث كثيرا عن شئون التسليح والدفاع، إلا أنها في مناسبات محددة تذيع شيئا عن تطور الأسلحة ونظم التسليح والعلاقة مع عواصم مختلفة. ومن جهة أخرى تأتي الإتهامات للقاهرة بأنها مخترقة جدار العلاقة الأمريكية العسكرية بعلاقات سرية مع بعض الدول مثل كوريا الشمالية.. والإتهام تحديدا: صواريخ بعيدة المدى، أي أنها صواريخ تطال إسرائيل. هكذا ترددت أنباء في الاعوام الأخيرة، ثم جاءت قصة (جيروزالم بوست) أخيرا لتقول أن مصر قد تجاوزت الحدود، وأن واشنطن تعتزم إنشاء آلية جديدة للمبيعات العسكرية مع مصر، ومراقبة مصر التي تسعى لاكتساب تكنولوجيا الأسلحة المتطورة. أحدثت القصة الخبرية ردود فعل واسعة وعلق مسئول في وزارة الخارجية الأمريكية بأن (واشنطن قد أجرت بعض المناقشات مع المصريين بشأن برنامجهم الصاروخي حتى تقتنع بأنهم لن يدخلوا مجالات نشعر بأنها غير مناسبة وأردف قائلا : (إننا مقتنعون بما أخبرونا لكن هذا الأمر سنبقيه قيد المراقبة الدقيقة والتشاور). بعدها، تقررت زيارة وفد عسكري أمريكي برئاسة قائد القيادة المركزية الأمريكية، والأكيد أن المحادثات قد تطرقت ضمن ماتطرقت له لمستوى التسليح، خاصة في بند الصواريخ. السؤال : هل من علاقة مزدوجة تقوم بها مصر في شئون التسليح؟.. وهل من أهمية خاصة لقضية الصواريخ؟ والإجابة المنطقية أن بلدا مثل مصر لابد أن تملك استراتيجيتها الخاصة وألا تضع البيض كله في سلة واحدة هي السلة الأمريكية. ورغم خطورة العلاقة والتي تتمثل في أحد جوانبها في مساعدات تمثل جزءاً رئيسيا من ميزانية القوات المسلحة.. رغم ذلك فإن تأمين الحدود الشرقية لمصر، بل تأمين السد العالي الذي يهدده الإسرائيليون في تصريحاتهم، هذا التأمين لا يأتي إلا بمستوى للتسليح لا تسيطر عليه واشنطن. من هنا يصبح منطقيا أن تضيف مصر بإمكاناتها الذاتية، أو بعلاقاتها الدولية الأخرى ما يجعل الميزان العسكري لصالحها، وألا يكون خاضعا لواشنطن. ومن هنا أيضا يصبح للصواريخ موقعها الخاص فهي السلاح الذي يصل إسرائيل بلا قوات برية أو جوية.. هو الذي استخدمه حزب الله في حرب محدودة ومسافات قصيرة، وهو الذي يمكن أن تعتمد عليه مصر في ظل أوضاع سيناء المنزوعة السلاح في معظمها. والصواريخ المصرية يمكن إطلاقها من غرب قناة السويس لتصل إلى قلب إسرائيل،أو هكذا تردد الصحف الأجنبية. من هنا كان القلق.. ومن هنا الحذر، ومن هنا كان ذلك التصريح الأمريكي الشاذ : (سنبقى الوضع تحت المراقبة). إنها حماية جديدة لإسرائيل، والباب: مستوى التسليح، وربما يكون ذلك مجال صراع مكتوم بين القاهرة وواشنطن.