يثير الجدل الداخلي الحاد في الحكومة السورية «التي تشكلت في مارس من العام الماضي برئاسة الدكتور محمد مصطفى ميرو ابان الشهور الأخيرة من حياة الرئيس الراحل حافظ الأسد» اسئلة عديدة عن مجرياته ومعانيه. لاسيما وان هذا الجدل يتم في اطر مغلقة بعيدة عن عيون ما يمكن تسميته جدلاً بـ «الرأي العام». الا انه في بلد يمتاز بأنه من الصعب الحفاظ فيه على سرية المداولات والجلسات، حتى لو كانت جلسات خاصة لقيادة قطرية او ما يضارعها وقد يفوقها احياناً في الأهمية، تتسرب عادة مجريات الخلاف، وان كان هذا التسرب دوماً مع مزيدات. فليس سراً ضيقاً مقصورة معرفته على الصفوة، ان حكومة الدكتور ميرو قد تشكلت فعلياً كحكومة انتقالية تحددت وظيفتها الاساسية بانجاز اصلاحات عاجلة في مجال تعديل قوانين الايجار والاستثمار ومزارع الدولة والقطاع المصرفي والجامعات وما شابه ذلك، لكن من دون الوصول إلى حد نعتها بحكومة اصلاحية. وأعطيت هذه الحكومة يومئذ مهلة عام لانجاز ذلك، وكانت التوجيهات صريحة بأنه سيتم اعفاء أي وزير من حقيبته اذا لم يثبت كفاءته في العمل أو «وجوده» حسب التعابير السورية، دون الحاجة إلى انتظار تغيير وزاري شامل، ولعل هذه المهلة التي يفترض بها انها قد انتهت في مارس الماضي هي مصدر «المعلومات» أو الاشاعات المتواترة التي تظهر وتختفي بين فينة واخرى حول تغيير حكومي كلي أو جزئي وشيك، وهو ما استفز الحكومة التي اعتبر بعض اعضائها ان هذه الاشاعات تربك عملهم. لقد اختير رئيس الحكومة يومئذ من خارج الطبقة البيروقراطية الحزبية العليا الممثلة بالقيادة القطرية، التي درج العرف السوري على ان يكون احد أعضائها رئيساً للحكومة. وتم تشكيلها فعلياً دون العودة إلى ما يمكن تسميته بمراكز السلطة الفعلية التي كانت لها حصص دائمة في تسمية الوزراء، بل ليس سراً ان القيادة القطرية يومئذ لم تلعب خلافاً للعادة دوراً في تشكيلها، باعتبار انها قد قيمت من قبل ما كان يسمى يومئذ بالفريق الاصلاحي على انها جزء من الأزمة، وكان الدكتور بشار الأسد ـ الذي كان يومئذ خارج السلطة ـ هو مهندسها الحقيقي بشكل مسبق كحكومة انتقالية توازن ما بين «جيل الخبرة» من الحرس القديم وبين الجيل الاصلاحي. وربما كانت احدى وظائف رئيس الحكومة تتمثل بتحقيق التوازن ما بين الفريقين، لبلورة المعالم الاساسية للاصلاح. ولم يكن امر تغيير الحكومة مسراً للحكومة المقالة او للقيادة التي كانت تعرف يومئذ ان نهاية معظمها قد باتت مسألة وقت ليس الا، وصحيح ان القيادة البيروقراطية الحزبية والحكومية العليا لم تتجرأ على تحدي مشروع الدكتور بشار، الا ان الاصح ان بعض شطارها قد ابدى ممانعة عملية لمشروع الدكتور، ولم يكن يجد حرجاً حالما تتاح له اية فرصة من التخلص من بعض الكوادر القريبة منه، وقد بدر عن بعض شطارها يومئذ أساليب تليق بـ «شبيحة» المافيات، من هنا ووجهت الحكومة الجديدة عشية الإعلان، عن اسم رئيسها ثم عشية تشكيلها، بحملة منهجية فاضحة ومركزة، وبغض النظر عن صحة الاتهامات التي قوبلت بها خصوصاً الاسماء الجديدة في الحكومة، ولاسيما رئيسها، او عدم صحتها أو المبالغة بها احياناً، فإن هذه الحملة كانت على مايبدو منهجية ومنظمة، وتستهدف ما يسمى سورياً حرقها منذ يومها الاول، بكلام علمي كانت هذه الحملة في بعض وجوهها تعبيراً عما نسميه بلغة علم الاجتماع السياسي بالصراع التقليدي حول السلطة، الا انها انطوت على ممانعة الاصلاح. فقد صدرت عن مصادر قيادية حكومية وحزبية وانضمت اليها مصادر امنية منظمة. من هنا عملت الحكومة منذ البداية بقوة مضاعفة، وانجزت عدداً كبيراً من القوانين الاصلاحية، غير ان معظم هذه القوانين مازال حبراً على ورق ويعود ذلك إلى شيخوخة الإدارة السورية، وعجزها عن تطوير ذاتها بذاتها، نتيجة هيمنة العقلية الاوامرية وتعدد الجهات الوصائية والتناقض السافر احياناً في استراتيجية الاصلاحات وسرعات التحرير الاقتصادي وضمناً السياسي. فكانت بعض القوانين توحي انها صادرة عن قلعة من قلاع منظمة التجارة العالمية فيما كان بعضها الآخر يوحي بأنه صادر عن قلاع مغلقة مثل بيونج يانج ويعكس ذلك تعقيدات المرحلة الانتقالية وتناقضاتها، الا انه يعبر عن احتدام الصراع ما بين التحريريين والتصحيحيين، والذي تجلى في صراع المشاريع الاصلاحية الاقتصادية، إلى درجة ظهرت فيها الحكومة وكأنها ضد الحكومة. وبات واضحاً أن التوازن ما بين وجهتي النظر التحريرية والتصحيحية في فريقي الحكومة قد شارف على الانهيار واخذ يتلون بحدة النزاعات الشخصية التي لم تعد سراً. لقد انكشف هذا الصراع حول مشروع اعادة هيكلة القطاع الصناعي العام على أساس اقتصاد السوق، وفصل الإدارة عن الملكية بما يسمح بخصخصة الإدارة لا الملكية العامة، وحين اطلعت على المشروع كان في صورة قانون لا ينقصه سوى توقيع الرئيس، الا ان القيادة القطرية ردت فعلياً المشروع وطلبت من الحكومة تشكيل لجنة جديدة لاعادة صياغته على أساس ملاحظات تخفف بوضوح من جرعته الليبرالية «الثقيلة»، وتخضعه إلى الآليات الرقابية العقيمة السائدة، وقانون التجارة المعيق، يعني ذلك ان الاصلاح لا يزال في طور الدراسة والتجريب وتقارير اللجان التي لا يعرف سوى الله متى ستنتهي من عملها، وأما على السوريين الذين لا يشركهم أحد بذلك كله ان يستمروا بانتظار الوعود، ولسان حال كثير منهم «عند الوعد ياكمون».