أبرزت التوقيفات الأخيرة في صفوف حزب «القوات اللبنانية» والتيار العوني التي اقدمت عليها المخابرات العسكرية التابعة للجيش اللبناني وجود ثلاثة خطوط حمراء، وهي: رئاسة الجمهورية والجيش وسوريا. ويبدو بعد مرور اسبوعين على هذه التوقيفات ان رئيس الجمهورية اميل لحود حسم الأمور لصالحه على جبهات ثلاث: مجلس الوزراء ومجلس النواب والشارع. فعلى جبهة مجلس الوزراء استطاع رئيس الجمهورية ان يفرض رأيه في مواجهة معارضة عالية النبرة قادها الوزراء المنتمون إلى كتلة وليد جنبلاط ومعارضة هادئة عبر عنها رئيس الحكومة رفيق الحريري. وعلى الرغم من المعارضين اصدر مجلس الوزراء بياناً اشاد فيه «بالدور الذي قام ويقوم به الجيش اللبناني في ضمان السلم الاهلي والدفاع عن كرامة الوطن»، وكلف وزير الإعلام تطبيق قانون الإعلام «لوقف المخالفات»، وتشاء الصدف ان يكون وزير الاعلام في عداد حزب وليد جنبلاط! وعلى جبهة مجلس النواب ادخلت السلطة التشريعية على قانون اصول المحاكمات الجزائية كل التعديلات التي طالب بها رئيس الجمهورية، علماً بأن النواب كانوا قد اقروا منذ ايام قليلة هذا القانون على الرغم من تحفظات الرئاسة عليه. فقد بدلت الاحداث التوازنات النيابية لصالح رئيس الجمهورية في غضون ايام معدودة. أما في الشارع فإن حملة التوقيفات حققت أهدافها واستعاد رئيس الجمهورية هيبته ولم يعد مسموحاً لحزب «القوات اللبنانية» المحظور ولا للتيار العوني غير المرخص به القيام بأي نشاط سياسي تحت طائلة الملاحقة الامنية والقضائية الصارمة. وكان الحزب والتيار قد افادا من زيارة البطريرك الماروني إلى الجبل منذ اسبوعين لاطلاق الاهانات المباشرة لشخص رئيس الجمهورية ورفع الشعارات ضد الوجود العسكري السوري في لبنان. وإلى جانب رئيس الجمهورية يبدو ان الجيش اللبناني خرج بمعنويات عالية واثبت قدرته على ضبط الأمن من دون هوادة. فعلى الرغم من اعتراف وزير الداخلية الياس المر بأن المخابرات العسكرية ارتكبت تجاوزات غير مبررة تجاه المواطنين وفتح التحقيقات اللازمة فيها، فإن الجيش اللبناني نفذ المهمة الموكلة له في حفظ الامن، وسيطر سيطرة تامة على الشارع، واحال الموقوفين إلى القضاء، وهو يبدو في حالة قصوى من التماسك ويظهر استعداده على الامساك بالوضع الامني كلما دعت الحاجة. وفي اعتقادي ان «القواتيين» و«العونيين» باتوا في وضع صعب بعد تعرضهم للاعتقالات وبعد ظهور اعترافات المستشار السياسي لقائد القوات اللبنانية حول اتصالاته بإسرائيل. واني على يقين ان اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، وعوا خطورة الرهان على إسرائيل وضرورة الخيار السوري. كما فهم الجميع ان خيار رئيس الجمهورية هو الذي يحمي الرئاسة وليس شخصه، وان كل من يطالب بانهاء الوجود العسكري السوري في لبنان قبل اوانه يدفع الثمن غالياً. ان الوجود السوري في لبنان لا يرتبط بالوضع اللبناني فحسب، بل يتعداه إلى الاوضاع الاقليمية المفتوحة على شتى الاحتمالات نتيجة التهديدات الإسرائيلية ضد لبنان وسوريا. ومن الجلي ان التوقيت غير ملائم على الاطلاق لطرح موضوع هذا الوجود في ظل الاوضاع القائمة. ويظهر بوضوح ان كل من يطرح موضوع الوجود العسكري السوري في هذا الظرف يجهل قوانين اللعبة الاقليمية، وسوف يصطدم سعيه بالخط الأحمر الاقليمي والدولي الذي اقامته دمشق. على هذا يتحرك اميل لحود من موقعه بثبات، وقد باشر عملية استيعاب واسعة، فأمن التضامن داخل حكومته، ووسع اتصالاته لتشمل رمح المعارضة وليد جنبلاط والمرجعية المسيحية الابرز المتمثلة بالبطريرك الماروني. لقد بات اميل لحود خطاً احمر، وهو يتحرك من ضمن خطوط حمراء عرف ان يتعامل معها قبل غيره.