في خطوة تدشن المرحلة الثالثة في تطور مسيرة الإعلام السعودي، وافق مجلس الوزراء السعودي مؤخراً على إقرار نظام جديد للمؤسسات الصحفية والذي جاء بناء على المشروع الذي تقدم به الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية ورئيس المجلس الأعلى للإعلام، ومما لا شك فيه أن هذه الخطوة تمثل تقدماً حقيقياً وملموساً على الساحة الإعلامية الخليجية بوجه عام والسعودية بوجه خاص. ولقد كان للتطور الذي شهدته المملكة العربية السعودية على كل المستويات السياسية والاجتماعية والسياسية تأثير مباشر على الإعلام إذ أوجد له أدواراً جديدة تتماشى مع هذا التطور، أدواراً من شأنها زيادة حركة هذا التطور وغرس مفاهيم جديدة لدى المجتمع تتماشى مع حركة الانفتاح، وبالفعل نجح الإعلام السعودي في ترجمة السياسات الواعية لحكومة المملكة، وأثبت أنه يستحق المزيد من الرعاية والعناية لا سيما مع نجاحه في التصدي للكثير من القضايا الشائكة سواء على المستوى المحلى أو الإقليمي أو الدولي. ولقد ساهم عدد من المؤسسات السعودية في خروج هذا المشروع إلى النور ومنها مجلس الشورى الذي خص النظام بعدة جلسات لتدقيق مضامينه واقتراح الإضافات والتعديل، وكذا اللجنة العامة لمجلس الوزراء واللجنة الفرعية للمجلس اللتان أسهمتا باستكمال الخطوات لجعل النظام في إطاره الذي اعتمده مجلس الوزراء. والجدير بالذكر أن مجلس الشورى كان قد أقر هذا النظام وأحاله إلى المجلس الأعلى للإعلام برئاسة الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية الذي قام بدوره بإحالة المشروع إلى مجلس الوزراء الذي قرر في جلسته المنعقدة بتاريخ 16 يوليو الموافقة عليه لتبدأ حقبة جديدة من عمر الصحافة السعودية. وقبل التطرق إلى التطورات الأخيرة ربما تجدر الإشارة بإيجاز إلى تاريخ الصحافة السعودية، فقد تأخر ظهور الصحافة نسبياً في المملكة العربية السعودية قبل توحيدها على يد مؤسسها الملك عبد العزيز آل سعود لعدة أسباب يأتي على رأسها: تأخر انتشار التعليم، وقصور التقنية التي تتيح ظهور صحف قوية، وقلة الوعي الكامل بأهمية الصحافة. إلا أنه ومع هذا التأخير، فإن ثمة مرحلتين أساسيتين مرت بهما الصحافة السعودية يمكن رصدهما على النحو التالي3: المرحلة الأولى: (1924 ـ 1964) واستغرقت أربعين عاماً وصدرت فيها الكثير من الصحف والمجلات ومنها: «أم القرى والمنهل وصوت الحجاز والمدينة المنورة والفجر الجديد» وغيرها من الإصدارات ما بين يومية وأسبوعية وشهرية. المرحلة الثانية (1964) إلى ما قبل إصدار النظام الجديد: وبدأت بصدور نظام المؤسسات الصحفية الذي صدر بالمرسوم الملكي رقم 62 للنهوض بمستوى الصحافة السعودية، وتحويلها إلى مؤسسات أهلية، وإلغاء الامتيازات الفردية لإصدار الصحف،وتمكينها من أداء دورها المثمر في توجيه الرأي العام. ونتيجة لهذه الرعاية من الدولة نمت الصحافة السعودية وتطورت حتى زاد عدد الصحف التي تصدر بالمملكة في السنوات العشر الأخيرة من أربع إلى تسع عشرة صحيفة ومجلة أسبوعية وشهرية وفصلية وبلغ عدد المؤسسات الصحفية بالمملكة العربية ثمان مؤسسات. والجدير بالذكر أن ثمة ظروفًا محلية وعربية في مطلع الستينيات دفعت وزارة الإعلام السعودية إلى التوجه نحو مراجعة وضع الصحافة السعودية المملوكة وقتئذ لمثقفين أفراد يجمعون بين حيازة الامتياز ورئاسة التحرير، وقد دفعت ملاحظتان أساسيتان وردتا على الصحافة السعودية في ذاك الوقت نحو هذا الأمر وهما: ضعف المادة التحريرية وضآلة الإمكانات وتواضعها. وتم تحويل امتياز الملكية الفردية لكل مؤسسة صحفية من شخص واحد إلى امتياز لمجموعات من الأفراد لا يقل عدد كل منها عن 15 عضواً في شكل شركات مساهمة محدودة، وتبلور التفكير آنذاك في تبني تنظيم للعمل الصحافي عام 1964 في 34 مادة يتركز جلها على أسلوب تشكيل المؤسسات الصحافية الأهلية الجماعية وإدارتها، من دون الدخول في قضايا التحرير وانبثق هذا التنظيم من نظام المطبوعات الذي استمر العمل به فيما يتعلق بقضايا النشر وغيرها من شئون المطابع والمطبوعات الداخلية والخارجية. وفي هذا الإطار يشير الباحثون في مجال الإعلام الخليجي بوجه عام والسعودي بوجه خاص إلى أن هذا النظام الصادر في الستينيات قد حقق للمؤسسات الصحفية الكثير من الامتيازات، هذا إضافة إلى الامتيازات الأخرى الكثيرة التي تقدمها المملكة للصحافة والتي من أهم أمثلتها منحها أرض فضاء للمؤسسات الصحفية لبناء مقار لها، وتقديم القروض المالية للمساعدة في تجهيز هذه المقار، وإعفاء مستلزمات الطباعة من ورق وأحبار وأجهزة ومعدات من الرسوم الجمركية، وتقديم معونة سنوية للصحف والمجلات كافة، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: وفيما يلي سوف نقدم قراءة في النظام الجديد من خلال عدة محاور هي: جوهر النظام الجديد وأهم ملامحه، ودلالات إصدار النظام في هذا التوقيت، وأخيراً رؤية تقييمية لهذا النظام. أهم الملامح يتكون النظام الجديد للمؤسسات الصحفية من ثلاثين مادة، موزعة على ستة أبواب رئيسة هي بالترتيب، تكوين المؤسسة، وأعضاء المؤسسة، والجمعية العمومية ومجلس الإدارة، والإدارة والتحرير، وحل المؤسسة وتصفيتها، وأخيراً أحكام عامة. ويركز النظام بالأساس على أهمية وضرورة تحقيق الصحافة للسياسة الإعلامية للمملكة العربية السعودية، مع الالتزام بخدمة المجتمع ونشر الثقافة والمعرفة، مع التزام الصدق والموضوعية في كل ما تصدره المؤسسات الصحفية من مطبوعات. وتطرق النظام من خلال مواده الثلاثين إلى عدد من الموضوعات المهمة التي تعالج القضايا المهمة والمحورية في العمل الصحفي السعودي تاركاً بعض التفاصيل الإجرائية والأمور القابلة للتغيير للائحة التنفيذية التي تصدرها وزارة الإعلام. وفيما يلي إشارات موجزة لأهم ملامح النظام: فيما يتعلق بتكوين المؤسسة، ينص النظام على أن لوزير الإعلام أن يوافق على الترخيص بإنشاء المؤسسة الصحفية، بعد موافقة رئيس مجلس الوزراء بناء على طلب يتقدم به عدد من السعوديين لا يقل عن 30 شخصًا، ويكون للمؤسسة شخصية معنوية وذمة مالية مستقلة، وتنحصر المسئولية المالية لأعضائها بمقدار حصة كل منهم في رأسمال المؤسسة، وعلى كل مؤسسة أن تصدر حساباتها الختامية وميزانيتها السنوية مصدقة من محاسب قانوني مرخص له. ونص النظام كذلك على أن تخصص نسبة كافية من الأرباح المتحققة سنوياً لأغراض التدريب وتوفير وسائل التقنية الحديثة اللازمة لتطوير العمل الصحفي، ويخصص احتياطي نظامي لا يقل عن 10% من الأرباح سنوياً، ويجوز أن تقرر الجمعية العمومية وقف هذا التخصيص متى بلغ الاحتياطي النظامي 50% من رأس المال. وفيما يتعلق بالجمعية العمومية ومجلس الإدارة، أشار النظام إلى أن هذه الجمعية تتكون من جميع أعضاء المؤسسة، وهي أعلى سلطة في المؤسسة، ولها اتخاذ القرارات اللازمة لتحقيق الأغراض التي أنشئت من أجلها المؤسسة، ومن سلطاتها تعيين المدير العام ورئيس التحرير وحتى اعفائهما والتصديق على ميزانية المؤسسة، وحسابها الختامي، وتعيين محاسب قانوني وإصدار اللائحة الداخلية للمؤسسة واللوائح الأخرى المنظمة لسير العمل فيها. وعلى صعيد الإدارة والتحرير، فقد منح النظام الجديد مزيداً من الحرية للمؤسسات الصحفية في اختيار رئيس التحرير والتي كانت تتم تعييناً من قبل الدولة، حيث كانت المؤسسات تفاجأ بتعيين رئيس التحرير من خارج المؤسسة، أما في ظل النظام الجديد فإنه يحق للمؤسسة اختيار من تراه مناسباً لخططها وأهدافها. وفي هذا الإطار يكون لكل صحيفة رئيس تحرير مسئول عما ينشر فيها وله من المهام والصلاحيات الإشراف المباشر على جميع شئون تحرير الصحيفة وإدارتها، وتوجيهها بما يحقق الأهداف والأغراض التي أنشئت المؤسسة من أجلها، إضافة إلى تمثيل الصحيفة في صلاتها مع الغير فيما يتعلق بالشئون الصحفية، ووضع الخطط والبرامج التي تهدف إلى تطوير الصحيفة، إضافة إلى ما تخوله اللائحة الداخلية من صلاحيات تكفل له أداء مهمته بالشكل المناسب والمنافس. أما المدير العام فيتولى تصريف شئون المؤسسة المالية والإدارية وفق السياسات والتعليمات المنظمة لذلك ويمثل المؤسسة في علاقاتها مع الجهات الأخرى في الأمور المالية والإدارية وتحدد اللوائح الداخلية للمؤسسة اختصاصاته وصلاحياته. وتنتهي خدمة المدير العام ورئيس التحرير في حالات قبول الاستقالة أو العجز الصحي، أو إذا صدرت توصية مسببة من مجلس الإدارة بثلثي الأعضاء بإعفاء أي منهما من منصبه، ووافقت الجمعية العمومية على ذلك. وفيما يتعلق بقرار حل المؤسسة الصحفية، يبين النظام الجديد أن المؤسسة تحل ويلغى الترخيص الصادر بإنشائها إذا بلغت خسائر المؤسسة 50% من رأس المال ما لم تقرر الجمعية العمومية استمرار المؤسسة وتوافق الوزارة على ذلك، وكذا إذا قررت الجمعية العمومية بأغلبية ثلثي الأعضاء حلها. بيد أن أهم ما جاء في النظام الجديد هو النص على إنشاء هيئة للصحفيين السعوديين ذات شخصية اعتبارية مستقلة ـ بمنزلة نقابة ـ تعني بشئون الصحفيين وتحدد اللائحة التنفيذية ـ التي سيتم وضعها فيما بعد ـ مهماتها واختصاصاتها. دلالات هذا النظام وقد جاء هذا النظام والذي أشرنا إلى أهم النقاط والمحاور التي تناولها في الجزء السابق، ليحمل جملة من الدلالات والمعاني، لعل من أهمها ما يلي: إن هذا التطور لا يمكن بأي حال عزله عن سياقه الطبيعي الذي جاء فيه، حيث يأتي في إطار التيار العام للتحديث والتطوير الذي تقوده حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز في جميع المجالات. فعلى الصعيد السياسي هناك تحديث سياسي شامل ومتكامل، ونظام للحكم ونظام للمناطق ونظام للشورى، وكلها أمور تلقى قبولاً من الشعب السعودي، وهو تطور سياسي ـ ـعلى حد تعبير الأمير نايف بن عبد العزيزـ ينبع من قناعة تمليها مصلحة البلاد. وعلى الصعيد الاقتصادي، ثمة انفتاح على الاستثمارات الأجنبية في جميع القطاعات الاقتصادية والتجارية والخدمية. إن النظام الجديد جاء استجابة لجملة من المستجدات الداخلية والخارجية التي استدعت إعادة النظر في المرتكزات الأساسية لنظام المؤسسات الصحافية السعودية، وهو الأمر الذي تطلب جرأة في تغيير منطلقات هذا النظام ومبدأ فكرته بعدما تبدلت الظروف التي أدت إلى وضعه أساساً. إن النظام الجديد للمؤسسات الصحفية جاء محققاً للأهداف والتطلعات الإعلامية، مما تضمنه من بنود ومواد متنوعة ستمكن الصحافة من ممارسة مختلف اوجه النشاط الصحافي على خير وجه. إن النظام الجديد من الممكن أن يكون حافزاً للمؤسسات الصحفية السعودية للمزيد من المنافسة مع ما يشهده العالم من تطور متسارع في الشكل والمضمون الإعلامي والصحفي بشكل خاص. إن من شأن هذا النظام الجديد للمؤسسات الصحفية بما اشتمل عليه من أمور درست بعناية، من بينها الأمور الإدارية والمالية ورئاسة التحرير ومسئولياتها والمحررون ومهامهم وإنشاء هيئة للصحافيين السعوديين ذات شخصية اعتبارية مستقلة ـ أن توجد مناخاً يعزز النجاحات المتحققة للصحافة السعودية. إن إصدار النظام الجديد جاء تلبية لاحتياجات وسائل الإعلام السعودية إلى آلية جديدة تتمشى مع متطلبات العصر، بعيداً عن النظام الصادر في 1964، الذي لا يضع هذه المتطلبات في الاعتبار. رؤية تقويمية ومن خلال قراءة مقارنة للنظامين الصادرين عامي 1964و2001 يتضح أن النظام الجديد لم يمس جوهر النظام القديم أو فكرته الأساسية، وإنما انحصر في الغالب في تحديثه وتثبيت التعديلات التي طرأت عليه خلال أربعة عقود، إلا أن أهم ما يمكن الإشارة إليه في هذا الصدد ما ورد فيه من أفكار جديدة لأول مرة، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر: منح وزير الإعلام الصلاحيات بالإذن للمؤسسات الصحفية بإصدار مطبوعات دورية إضافية غير ما ورد في الترخيص الأساسي. النص صراحة على تخصيص نسبة كافية من أرباح كل مؤسسة لأغراض التدريب وتوفير وسائل التقنية الحديثة. إعطاء المؤسسة الصحفية صلاحية تعيين مديرها العام بعدما كان النظام السابق يشترط موافقة وزارة الإعلام. إمكان إنشاء جمعية مهنية للصحافيين تأكيداً لما جاء في نظام المطبوعات والنشر. وقد اعتبر المراقبون أن الموافقة على إنشاء هيئة للصحفيين تمثل نقلة كبيرة ستعزز من فرص الإعلام السعودي المقروء على الساحتين العربية والدولية، خصوصاً أن اتحاد الصحافيين العرب كان قد دعا مراراً إلى إنشاء مثل هذه الهيئة على لسان أمينه العام الذي أكد أن الصحافة السعودية حققت في السابق إنجازات كبيرة، إلا أن عدم وجود هيئة تمثلها أضعف من مكانتها خارج حدودها. ضرورة إيجاد لوائح تنظيمية ومالية وإدارية ومهنية داخل كل مؤسسة والتأكد من وضعها وإقرارها. وعلى الرغم من أن النظام يتضمن الكثير من المسائل الإيجابية بيد أن الأمر لا يخلو من جوانب للقصور، وفي هذا الإطار يشير البعض إلى أن النظام تجاهل ـ أو بالأحرى أغفل ـ أمراً غاية في الأهمية ألا وهو النشر الإلكتروني، لا سيما وأنه بدأ يجذب تدريجياً جزءًا من السوق، الأمر الذي يعني أنه في غضون ثلاث أو خمس سنوات ستستولي صحف الإنترنت على نصف السوق الأمر الذي سيؤثر على أوضاع الصحف غير المتطورة إلكترونيا، وسيتحدى النظام الذي صدر مؤخراً، لاسيما إذا عرفنا أن عدد الصحف الإلكترونية السعودية اليوم على الإنترنت فعلياً أكثر من عدد الصحف الورقية، كل ما سبق سيجعل التمسك بمسألة الترخيص، ـ حيث إنه لا يحق لأحد إصدار صحيفة بدون ترخيص من وزارة الإعلام ـ مسألة محدودة الأهمية لأن الإنترنت لا يتطلب ترخيصاً. وبمعنى آخر، فإن النظام الجديد لم يلتفت إلى الوسائط الحديثة والتي تقع بطبيعتها خارج سيطرة وزارة الإعلام، والتي تعمل في نفس السوق إلا أنها تتعامل مع نفس القراء ونفس مصادر الإعلان. كذلك يأخذ الصحفيون على النظام الجديد عدم تضمينه ما يحفظ حقوقهم، الأمر الذي يضعف وضعهم الوظيفي ويشكل هاجساً دائماً لهم. وأخيراً يتطلع الصحفيون السعوديون إلى إنشاء الهيئة الخاصة بهم، والتي ينبغي أن يكون للائحة الداخلية الخاصة بها الآلية التي تحفظ معها حقوق الصحافيين وترعى شئونهم. فالهيئة ذات شخصية اعتبارية مستقلة،وبالتالي فإنه يفترض أن تحقق الأهداف التي دعا إليها نظام المؤسسات الصحفية الجديدة، وأن تحقق كذلك الآمال المنوطة بها من قبل الصحفيين السعوديين، وأن تكون الدرع الذي يقيهم المخاوف التي تحيط بهم. المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية بالكويت: