أظهرت الإدارة الأمريكية ـ كعادتها ـ نزوعا صهيونيا يفوق ما يظهره الصهاينة أنفسهم، عندما استماتت في رفض مجرد إدراج قضية المساواة بين الصهيونية والعنصرية على جدول أعمال المؤتمر الدولي لمناهضة العنصرية المزمع عقده آخر هذا الشهر في جنوب أفريقيا. ورغم أن إدراج القضية على جدول الأعمال يعني أن يتاح لكل من الجانبين المؤيد والمعارض لمساواة الصهيونية بالعنصرية عرض وجهة نظره وتفنيد رؤية الاخر ، إلا أن واشنطن ترفض حتى مجرد مناقشة الأمر دون أدنى مراعاة لاعتبارات الديمقراطية التي ما تنفك تتشدق بها ليل نهار. والمعروف أن الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت قد أصدرت في العاشر من نوفمبر 1975 قرارها رقم 3379 القاضي باعتبار الصهيونية شكلامن أشكال العنصرية، وصدر القرار بأغلبية 73 صوتا مقابل 35 صوتا وامتناع 32 صوتا. وكانت الجمعية العامة قد أقرت قبل ذلك بعام عضوية منظمة التحرير الفلسطينية في الجمعية بصفة مراقب دائم ولها الحق في الاشتراك في جميع المناقشات المتعلقة بقضية الشرق الأوسط. وتلا ذلك بالطبع شن حملة صهيونية ضد مصدري القرار تتهمهم بمعاداة السامية وهي التهمة المعتادة لإرهاب كل من يتجرأ على رفع إصبع للاعتراض على جرائم الصهاينة ، ونال رذاذ الحملة كورت فالدهايم الأمين العام للأمم المتحدة، وترددت اقاويل حول علاقته بالنازية في شبابه. غير أن مياها جديدة جرت في نهر الأحداث، بعد كامب ديفيد الأولى وظهور ما سمي بمسيرة السلام وتسوية الصراع في الشرق الأوسط، فوجدت إسرائيل وحلفائها أن من حقها أن تكافأ على مجرد تظاهرها بقبول تسوية ، وكان إلغاء قرار اعتبار الصهيونية فكرة عنصرية إحدى المكافآت التي نالها القرار الصهيوني، وشاركت للأسف بعض الدول العربية في التطوع بتقديم المكافأة قبل أن يطرح الكيان أي قرائن تدلل على قبوله بقرار سلام حقيقي. وتم بالفعل إلغاء القرار في 16 ديسمبر 1991 بموافقة 111 دولة منها بالطبع عدد لا يستهان به من الدول التي سبق لها التوقيع على قرار نوفمبر 1975. حقائق صارخة ورغم العنصرية الفاضحة التي تنطق بها الصهيونية من حيث كونها فكرة نظرية ومن حيث ما يجري على الأرض من تجسيد تطبيقي لها، إلا أن الولايات المتحدة وقوى الغرب عموما مازالت حريصة على أن تصم آذانها وتتعامى عن حقائق صارخة، لاتترك مجالا للتمسك بمواقف وسطية ناهيك عن التأييد. فطبقا لقرار الأمم المتحدة الصادر في 30 نوفمبر 1963 الداعي إلى تصفية العنصرية بكل أشكالها باعتبار أن «كل عقيدة تنادي بالتفرقة أو التفوق العرقي هي عقيدة كاذبة وخاطئة من الناحية العملية وتستحق الإدانة من الناحية الأخلاقية وخطرة من الناحية الاجتماعية»، يظهر التماثل بين الصهيونية والعنصرية جلي لكل ذي عينين لا يغطيهما الغرض. فمن الناحية الفكرية، نشأت الصهيونية في تربة الأفكار القومية الشوفينية والعرقية العنصرية التي تفشت في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وإذا كان الشعور بتفوق الرجل الأبيض الأوروبي هو الإطار الفكري الذي غلف الحركات الاستعمارية الأوروبية لمختلف دول العالم بدعوى نشر الحضارة والمدنية بين الشعوب الأخرى؛ فبالمثل لاتخلوكتابات آباء الصهيونية المؤسسين وزعمائها المعاصرين من إسباغ صفات التفوق العرقي والتمايز الذي يزعمون أنه سمة لصيقة بالشعب اليهودي، بداية من موسى هس المفكر اليهودي الألماني (1811ـ1875)الذي يعتبر من وجهة نظر العديد من المحللين أبو الدعوة الصهيونية الحديثة الذي كتب عن المقدرة والعبقرية الخلاقة لدى الأمة اليهودية وعن اليهود الذين هم المركز الروحي للشرق والغرب، وهرتزل الذي كان أول من وضع خطة محددة لحل مشكلة الشعب اليهودي على حساب شعب آخر من شعوب العالم وذلك من خلال المنظمة الصهيونية العالمية التي أسسها، وكما هو معروف فقد كانت خطته تشير في أول الأمر إلى توطين اليهود في الأرجنتين طمعا فيما تزخر به أرضها من ثروات طبيعية غنية، وذلك قبل أن يقتنع بفكرة استغلال الأساطير الدينية التحريفية لتكريس فكرة أن أرض فلسطين هي أرض المعاد التي وعد بها الله شعبه المختار. ورغم أن دعاة الصهيونية ومنظريها جميعهم تقريبا من الملحدين، إلا أنهم وجدوا في الأساطير المنسوبة إلى التوراة سندا فكريا يتيح لهم خداع جميع الشعوب الأوروبية المسيحية التي يعتقد الكثيرون منها بضرورة قيام دولة إسرائيل في فلسطين وإعادة بناء هيكل سليمان حتى يمهد الطريق لعودة المسيح إلى الأرض لتخليص العالم؛ والتي يدفعها هذا الاعتقاد إلى مساندة الدولة اليهودية ودعمها؛ والمتدينين اليهود في أنحاء العالم الذين تمثل لهم النصوص التوراتية والتلمودية العمود الفقري لكيانهم الروحي؛ الأمر الذي يدفعهم إلى الهجرة إلى أرض المعاد وترك مواطنهم الأصلية. ومثلما أوضحت التطورات التاريخية، نجحت بالفعل هذه الخطة الخبيثة في استغلال دعاة الصهيونية ـ وهي فكرة سياسية أساساـ المشاعر الدينية للترويج للدعوة التي تقبلتها عقول في الغرب كانت مهيأة لتقبلها لأغراض سياسية واستعمارية. فالمعروف أن اليهود كانوا يسببون الكثير من المشكلات في المجتمعات التي يقيمون بها انطلاقا من إحساسهم الذي تغذيه تنشئتهم الدينية والفكرية بالتميز، والاستعلاء على الآخرين واستحلال أموالهم ومواردهم؛ فأصبحت الفرصة مواتية للتخلص منهم. كما كانت فكرة زرع كيان عنصري موال للغرب في قلب الشرق الأوسط تمثل حماية للمصالح الغربية في المنطقة في مواجهة تصاعد المد الاشتراكي بعد قيام الثورة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي في اكتوبر 1917 وارتضى الغرب (لأغراض عدة في نفس يعقوب) أن يوطن نفسه على قبول تلك الأساطير العنصرية المؤسسة للدولة الصهيونية، بل وتعريض من يشكك فيها لسيف الإرهاب بدعوى معاداة السامية التي باتت على رأي الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي (رجاء جارودي بعد اعلانه اسلامه) أخطر من تهمة معاداة المسيح نفسه. رغم أن العديد من المفكرين والمؤرخين ومنهم يهود يشككون في حقيقة نسبة النصوص التوراتية الحالية إلى موسى عليه السلام، ومنهم على سبيل المثال الفيلسوف الهولندي المسيحي سبينوزا الذي كتب دراسة مستفيضة تفند القول بنسبة الأسفار الخمسة في العهد القديم إلى موسى مشيرا إلى أن هذه الأسفار كتبت بعد وفاة موسى بقرون وشاب صياغتها الكثير من الهوى السياسي والأيديولوجي، ومن أبرز ماقاله أن هذه الأسفار (ماعدا سفر التكوين) تتحدث عن موسى بضمير الغائب مما يعني أن المتحدث شخصا آخر غير موسى كما أن سفر الخروج يتحدث عن فترة تلت وفاة موسى ويصف سفر التثنية وفاة موسى ودفنه بما يمكن معه الجزم بأن موسى ليس هو كاتبها. كما يفند العديد من المؤرخين ومنهم يهود أيضا الادعاءات القائلة بقيام دولة «إسرائيل» التاريخية، ولعل أقربها ما نقلته الزميلة «الاتحاد» عن مقال نشره المؤرخ وعالم الآثار الإسرائيلي الشهير «زئيف هيرتسوغ» الذي أشار إلى أن «الغالبية العظمى من الباحثين العلميين في المسائل التوراتية وفي أركيولوجيا وتاريخ الشعب اليهودي، يعترفون الآن صراحة بأن الأحداث التاريخية المرتبطة بمسار اليهود مختلفة جذريا عن تلك الواردة في النصوص». فرية النقاء الجيني بل، وإمعانا في العنصرية ذهب بعض عتاة الصهاينة إلى محاولة تلفيق أدلة علمية مزعومة تنسب النقاء العرقي والجيني لما يسمى بالشعب اليهودي. ورغم أن الشواهد الظاهرة تبين بوضوح استحالة التماثل الجيني بين يهود أثيوبيا مثلا ويهود شمال أوروبا أو كندا الذين يختلفون بدورهم عن يهود العراق وفلسطين. ومع جميع الاراء الأقرب للمنطق التي تشير إلى أن اليهود الأوائل لوصحت قصة معيشتهم في فلسطين سيكون نسلهم ضمن أهل فلسطين الحاليين الذين اعتنقوا الاسلام أو المسيحية أو الذين بقي منهم من بقي على يهوديته. إلا أن الدعوة الصهيونية لاتستقيم إلا بادعاء نقاء عنصري وعرقي يميز يهود العالم من اقصاه إلى أقصاه ويدفعهم للهجرة والاستيطان في أرض يسكنها شعب آخر الأمر الذي يستلزم طرده أو اقتراف جرائم إبادة جماعية في حقه حتى تخلص الأرض لشعب الله المختار، الذي وعده الرب قائلا «لنسلك أعطي كل هذه الأرض من النيل إلى الفرات» وهو مايستلزم بدوره أن يكون علم هذه الدولة على هيئة خطين أزرقين يرمزان إلى النيل والفرات وتتمدد في المساحة بينهما نجمة داوود. وتكفي نظرة سريعة على أدبيات الفكر الصهيوني لإثبات مساواته المؤكدة بالعنصرية. وألا فماهو تعريف العنصرية إذا لم يكن ينطبق على ما يقوله التلمود، الكتاب الذي وضعه حاخاماتهم ويحظى بقداسة تقارب قدسية التوراة رغم ما يحويه من أفكار لا يقبلها منطق ولاعقل «تتميز أرواح اليهود عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله كما أن الابن جزء من أبيه وارواح اليهود عزيزة على الله بالمقارنة بباقي الأرواح غير اليهودية لأنها أرواح شيطانية تشبه ارواح الحيوانات». وأين هي العنصرية إذا لم تكن متجسدة في تصريح جولدا مائير رئيس وزراء إسرائيل قبل ثلاثة عقود «لقد وجد هذا البلد تنفيذا لوعد الرب ذاته، لذلك لايصح أن نسأل إيضاحا عن شرعية هذا الوجود» وغيرها من الكتابات والتصريحات الكثير والكثير، الذي لا يترك مجالا أمام أشد الناس سذاجة لتصور اختلاف ما بين الفكرة الصهيونية والنزعة العنصرية البغيضة. وعلى صعيد التطبيق العملي للفكر الصهيوني، لا يستحق الأمر بذل كثير من الجهد لادراك المساعي التي بذلتها الحركة الصهيونية لتكريس انتماء اليهود إلى الوكالة الصهيونية العالمية وإلى الدعوة الصهيونية التي صورت على أنها صنو للديانة اليهودية ذاتها. وفي سبيل إقامة الدولة اليهودية وتثبيت أركانها استخدم الصهاينة شتى الوسائل بما فيها تلك التي ربما أوقعت ضررا بالعديد من يهود العالم لدفعهم إلى الهجرة إلى إسرائيل والانخراط في صفوف مؤيديها. التعاون مع النازي فرغم الادعاءات الصهيونية بمعاداة النازية، قامت الوكالة الصهيونية العالمية بتوقيع اتفاقات مع حكومة المانيا النازية في عهد هتلر لدفع اليهود في أوروبا الغربية إلى ترك أوطانهم الذين نشأوا وعاشوا فيها هم وآباؤهم والذهاب إلى فلسطين. وتشير التقارير التاريخية إلى الاتفاق الموقع في عام 1933 بين الحكومة النازية والوكالة اليهودية والذي يقضي بحق اليهود الألمان في نقل أموالهم إلى فلسطين فيما عرف باسم اتفاق «العبارا» وغيره من الاتفاقات التي سرب أخبارها بعض النازيين من أمثال «بادولف ايخمان» الذي اختطفه عملاء إسرائيل وأعدم فيما يعزوه محللون إلى رغبة الكيان الصهيوني في التغطية على الاتفاقات السرية التي عقدتها الوكالة اليهودية مع زعماء النازية وكان بعضها على حساب مصالح يهود أوروبا. وتحفل سجلات التاريخ بالعديد من العمليات الإرهابية التي شنتها الوكالة لترويع اليهود ودفعهم إلى ترك أوطانهم والهجرة لإسرائيل ومن هذه العمليات عملية تدميرعصابة الهاجاناه التي تزعمها مناحم بيجين للسفينة باتريسا في ميناء حيفا في نوفمبر 1945 وأسفرت عن قتل مئات من اليهود الذين اختاروا الذهاب إلى موريشيوس وليس إسرائيل. وفي 1977 كشف مقال نشره صحفي ينتمي إلى اليهود الشرقيين عن أن الوكالة اليهودية وزعماء اسرائيل عقدوا اتفاقات مع حكام عرب منهم نوري السعيد في العراق والإمام يحيي في اليمن لممارسة الضغوط على يهود بلادهم لدفعهم إلى الفرار منها إلى إسرائيل. وأشار مقال باروخ نادل وهو عراقي الاصل إلى أن يهود العراق لم يكونوا راغبين في ترك بلادهم التي كانوا ينعمون فيها بحياة مستقرة ومنعمة، فلجأت الوكالة اليهودية إلى ممارسة أعمال ترويع استهدفت الأحياء اليهودية بزرع متفجرات مما أرغم اليهود العراقيين بعد تكرار هذه الحوادث إلى الفرار إلى فلسطين ويشير المقال المنشور في صحيفة الطائفة اليهودية بالقدس إلى أن عام 1951 وحده شهد هجرة 124 الف يهودي عراقي إلى فلسطين، وتعرض اليهود في مصر واليمن وسوريا إلى أعمال إرهابية مماثلة دفعت الكثيرين منهم إلى ترك مواطنهم الأصلية والنزوح إلى حيث اختار لهم زعماء الحركة الصهيونية. ومثلم يعلم الجميع، فقد شعر الكثيرون من اليهود الشرقيون بالندم بعد قليل من وصولهم على أرض المعاد المزعومة، عندما واجهوا اساليب التمييز العنصري التي تمارس ضدهم في مختلف نواحي الحياة من قبل اليهود الغربيين (الاشكيناز) الذين يسيطرون على السلطة في الدولة الصهيونية. وتنهار ادعاءات اليهود بالتفوق العرقي والنقاء العنصري عندما يتعلق الأمر بالمفاضلة بين اليهود ذوي الأصول الغربية الذين يتمتعون بأفضل فرص التوظيف أرقى فرص السكن والعلاج والتعليم بينما يأتي السفارديم او اليهود ذوي الأصول الشرقية في المرتبة الثانية؛ وذلك رغم أن العديد من الدراسات التاريخية تؤكد أن يهود الشرق هم أحفاد اليهود الأوائل بينما ينتمي يهود الغرب على قبائل الخرز التي كانت واقعة على الحافة الشرقية لما يعرف الآن بقارة أوروبا، وأن هذه القبائل دخلت اليهودية مؤخرا نسبيا إبان الامبراطورية البيزنطية لأسباب سياسية تتعلق برغبة حكامها تفادي اغضاب العرب المسلمين في حالة اعتناقهم المسيحية أو إغضاب الرومان المسيحيين في حالة اعتناقهم الاسلام ومن ثم اختاروا اعتناق اليهودية. تبخر الحلم ويحكي بعض المهاجرين الذين اختاروا العودة سريعا إلى بلادهم الأصلية بعد هجرتهم الخائبة إلى إسرائيل قصصا عن احباطاتهم إزاء مالمسوه من تبخر الحلم بالجنة الموعودة التي كانوا ينتظرونها في أرض المعاد، مع بشاعة الممارسات العنصرية التي تحفل بها الحياة اليومية داخل اسرائيل وبين يهود الغرب والشرق ، حتى أن القيود توضع في وجه التزاوج بين الاشكيناز والسفارديم. ويذكر يهودي أمريكي من الاشكيناز شاء حظه أن يرتبط بفتاة شرقية مما عرضه وإياها للعديد من مظاهر العنت في الحياة داخل إسرائيل الأمر الذي دفعه لاتخاذ قرار العودة إلى الولايات المتحدة غير نادم على تركه إسرائيل ومن ثم تتبدى الطبيعة العنصرية للفكرة الصهيونية التي تميز عنصريا حتى بين أتباعها. وإذا كان تجسيد الفكرة الصهيونية على أرض الواقع يحفل بالعديد من صور التمييز العنصري الحاد بين طوائف اليهود داخل المجتمع الإسرائيلي؛ فلا يستغرب إذن أن يمارس الصهاينة بمختلف طوائفهم أبشع صور التمييز العنصري ضد العرب المقيمين داخل الكيان الصهيوني ( في تقرير أصدره مركز «عدالة» التابع للجنة الأمم المتحدة لمتابعة المعاهدة الدولية لمحو التمييز العنصري ورد أن إسرائيل لديها 20 قانونا تمييزيا ضد المواطنين العرب منها 17 قانونا تمييزيا على نحو مباشر وصريح مثل قوانين أساس ومصادر القانون الإسرائيلي وحقوق المواطنة وحقوق المشاركة السياسية وحقوق الإسكان والأراضي والحقوق الثقافية وحقوق التعليم والحقوق الدينية. ولم تكن الممارسات العنصربة ضد العرب وليدة قيام الدولة الصهيونية وإنما سبقت ذلك بفترة طويلة، فأثناء الانتداب البريطاني عندما أقامت القيادات النقابية اليهودية منظمتها «الهستدروت» حرصت على استبعاد العمال العرب من المنظمة التي ظلت محتفظة باسمها اتحاد العمال «اليهود» حتى أواخر الستينيات، وذلك في إطار ما أسمته تلك القيادات بسياسة تحري الأرض والعمل العبري. وسعت هذه القيادات لدى سلطات الانتداب البريطاني لمنح أفضلية في فرص العمل والترقي والأجور للعمال اليهود على نظرائهم من العمال العرب الأمر الذي كانت تبرره بحجة موغلة في العنصرية فحواها «ان المتطلبات الثقافية للعمال اليهود تزيد عما يحتاجه العمال العرب». بل أن القيادات الصهيونية كانت تفرض حراسات على المصانع والمزارع التي يملكها يهود للحيلولة دون دخول العمال العرب إليها. كما كانت تلجأ إلى جميع السبل لحرمان العرب من القيام بأعمال إضافية يحصلون منها على زيادة في الأجر، حتى وإن اضطرت على منح طلاب المدارس الثانوية من اليهود عطلات للحلول محل العمال العرب. ويوم اثر يوم تطورت مسألة الفصل بين العمال اليهود والعمال العرب على الحد الذي بات معه لكل من الجانبين مناطقه السكنية الخاصة وتحول المجتمع الفلسطيني بالتدريج على مجتمعين منفصلين تمهيدا لقيام الدولة الصهيونية التي أرست قواعدها اساسا في مناطق الاستيطان اليهودي، الأمر الذي سهل على الامم المتحدة إصدار قرار التقسيم وفقا للحدود الفاصلة بين المجتمعين في 1947. وبمرور الزمن، ومع ترسيخ أركان دولة الكيان الصهيوني تمادى الصهاينة في ممارسة كافة أشكال التمييز العنصري ضد العرب الذين أصبحوا وفقا للقانون الإسرائيلي مواطنين يحملون الهوية الإسرائيلية، إلا أن هؤلاء المواطنين الذين يمثلون الأقلية العربية حاليا ضمن المجتمع الصهيوني يمثلون بالنسبة للصهاينة بقعة يتعين إزالتها في اقرب وقت للحفاظ على نقاء العنصر اليهودي. وتبدو مظاهر التمييز واضحة بين الأحياء التي يسكنها العرب وتلك التي يسكنها اليهود. من حيث ما يعانيه العرب من تدني الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية (على سبيل المثال قال أحد المزارعين العرب في برنامج تليفزيوني اذاعته مؤخرا قناة الجزيرة أنه يحصل على كمية من الماء لري أرضه ـ أو ما تبقى منها بعد استيلاء اليهود على معظمها ـ تقل ثمانية مرات عما يحصل عليه اليهودي المستوطن الذي مكنته السلطات الاسرائيلية من الاستيلاء على أراض كانت مملوكة قبلا لذلك العربي) فضلا عن الضغوط التي تمارس ضد الراغبين منهم في خوض الحياة السياسية. ورغم مايعانيه السفارديم من اضطهاد عنصري يمارسه الاشكيناز ضدهم، إلا أن هذا الاضطهاد بدلا من أن يدفعهم للتعاطف مع المضطهدين العرب ، اذا به يدفعهم إلى تفريغ ما يعانونه من اضطهاد في المزايدة على الغربيين من حيث اضطهاد العرب وليس أدل على ذلك من تصريحات الحاخام عوفاديا يوسف وهو من السفارديم التي تقطر كراهية وعنصرية ضد العرب فحينا يصفهم بالافاعي وحينا اخر يقول أنهم نمل ينبغي ابادته وفي مناسبة أخرى يقول عنهم «انهم عرب وليسوا بشرا» كما لو كان ذلك الحاخام يطمح بإهانته للعرب الذين تنتمي أصوله إليهم إلى الانتقام من اصوله العرقية الحقيقية التي وضعته في مكانة أدنى بين اليهود. العنصرية كما تفهمها أمريكا وإذا كانت الولايات المتحدة التي تناضل لدفع تهمة العنصرية عن إسرائيل غافلة عن سياسة التمييز العنصري التي تمارسها الدولة الصهيونية ضد الفلسطينيين في الأراضي التي أصبحت تابعة للسلطة الفلسطينية من عمليات إبادة جماعية وتجويع وتعذيب في السجون وتشريد لدفعهم إلى ترك أراضيهم والفرار إلى البلاد العربية المجاورة مثلما أعلن ذلك أكثر من مسئول صهيوني من قبل أوالقضاء عليهم وإخلاء الأراضي منهم، فالأمر المثير للدهشة أن تلك «الراعية للحريات» و«حامية حقوق الإنسان» تتعامى عما تمارسه «دولة إسرائيل» التي بات معترفا بها من قبل القانون الدولي والشرعية الدولية والنظام العالمي الجديد، فأصبح لزاما عليها أن تتصرف كدولة مسئولة عن «مواطنيها» الذين من بينهم أولئك العرب الذين شاء حظهم أن يصبحوا اقلية داخل الدولة اليهودية بعد أن كانوا أصحاب الأرض الأصليين. وإذا لم يكن قد تنامى إلى سمع الولايات المتحدة ما تمارسه ربيبتها المدللة من ممارسات عنصرية ضد فلسطينيي الارض المحتلة وفلسطينيي 48 كما يطلق على العرب داخل الكيان الصهيوني، ألم تسمع واشنطن السياسات التي تمارسها حكومات إسرائيل المتعاقبة في القدس التي احتلتها منذ 1967 بهدف تهويد القدس من مصادرة لأراضي الفلسطينيين بدعوى التخطيط والبناء على اسس منظمة، ودفع العرب إلى مغادرة المدينة بحثا عن مساكن خارج حدودها؛ بينما تنفق المبالغ الضخمة (التي يأتي معظمها من مساعدات امريكية) لإنشاء أحياء يهودية في القدس الشرقية؟ ألم تحط علما برفض السلطات الاسرائيلية تلبية طلبات لم شمل السر التي قدمتها نساء فلسطينيات يسكن القدس من أجل أزواجهن الذين اضطروا لترك المدينة لسبب أو لآخر من 1994؟ وماذا يرى ساكن البيت البيض في سلب حق المواطنة من سكان القدس الذين أقاموا سنوات داخل المدينة، وإلغاء حق المواطنة دون ضمان حق الفلسطيني المسلوب منه هذا الحق في الطعن في القرار؟ أوليست عنصرية أن يسمح لليهود المهاجرين بالاستقرار في المدينة معززين مكرمين بينما ترفض السلطات الاسرائيلية تسجيل الطفل الذي ولد لأبوين أحدهما من الفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية في سجل المواليد أو إعطائه رقما قوميا؟ إن لم تكن هذه الأمثلة ـ وهي غيض من فيض ـ دليلا على عنصرية الصهيونية فكرا وممارسة، فكيف اذن تكون العنصرية بالصورة التي تفهمها الولايات المتحدة. بقلم: إكرام يوسف