انتكاسات السياسة الخارجية الامريكية لم تعد محل النقد العالمي الواسع وحسب، وانما انبرى لنقدها رجال الكونجرس أخيرا، حيث أبدوا انزعاجا بالغا من تخبطات الفريق المكلف بمباشرة تلك السياسات وعلى رأسه الرئيس بوش. انطلقت اصوات عدد من نواب الكتلة الديمقراطية بالكونجرس، ابرزهم السناتور توم داشلي بذلك النقد الحاد، مستهدفين تجرؤ الرئيس بوش على تمزيق الاتفاقيات الدولية بلا مبالاة، قائلين ان ذلك الأمر سيجرّد الولايات المتحدة مستقبلا من قدراتها في المبادرة باقتراح وصياغة الاتفاقيات الدولية، ويحرمها بالتالي من جزء هام من الامتيازات التي ينبغي ان تتمتع بها دولة تتبوأ مقام القيادة العالمية. آذان لا تصغي لم تجد تلك الانتقادات الوجيهة اي اذن تصغى من آذان البيت الابيض او آذان وزارتي الخارجية والدفاع، وفي محاولة لتجاهل تلك الانتقادات وطمسها رد المتحدث الرسمي باسم البيت الابيض سكوت مكليلان قائلا ان على هؤلاء السناتورات ان يعملوا على تسهيل مهمة بوش في حسم اجراءات تعيين جون نيجروبونتي مندوبا للولايات المتحدة لدى الامم المتحدة، ودعم اتجاهات التعاون الاقتصادي الاقليمي ممثلا باتفاقية «نافتا» التجارية، التي يريد بوش ان يبحث فيها مزيدا من الصلاحيات في مواجهة التكتل النيابي الديمقراطي الذي يعمل على تقليصها بما يكفل منع الشاحنات المكسيكية من التمتع بالوضول الى الطرق البرية الامريكية. وهكذا بينما يحاول خبراء العلاقات الدولية من رجال الكونجرس، تنبيه بوش وفريقه الى مغبة تصرفاتهم، فان هؤلاء من جانبهم يعملون على جذب اولئك النواب للتركيز على قضايا اصغر، تعدّ في سياق المسائل الادارية والاجرائية لشئون العلاقات الدولية!! ان ذلك هو جوهر الاختلاف في الرؤية بين الطرفين. ان بوش يعمل على تعويض بؤس معرفته بالمشاكل العالمية، باختصار تلك المشاكل في الاطار الامني، ومعالجة ذلك الاطار عبر مشروع واحد، هو مشروع الدرع الصاروخية. وأما منتقدوه فانهم متمرسون ومتبصرون اكثر في الشئون الدولية، ومدركون لكثير من تعقيداتها، ولذا لا يعجبهم نمط المعالجة التبسيطية التي لا تعالج شيئا، بل تنشئ آفات جديدة تتطلب بدورها علاجا جديدا. ومهما حاول الرئيس بوش ان يبدي سعة افق في موضوع العلاقات الدولية، فانه لا يكاد يتعدى موضوع الصواريخ، فحتى عندما حرص على ان يعبر عن حسن نيته تجاه روسيا، فانه لم ينس موضوع الصواريخ، حيث ذكر ان ادارته ربما تقوم في المستقبل بالسماح بتصدير بعض انواع التقنية الصاروخية المتقدمة لروسيا، ولما لاحظت تلك المحدودية الفكرية كوندوليزا رايس، مستشارته لشئون الامن القومي، قالت: اتمنى ان يأتي اليوم الذي نستطيع ان نتحدث فيه مع روسيا عن شئون اكبر من شئون الصواريخ، وان نفتح ملفات جديدة، كملف دخول روسيا ضمن نطاق حلف ناتو، وغير ذلك من الملفات التي تضم مسائل أكثر ايجابية! هذا المنظور الأمني الضيق وهو منظور اسرائيلي في الاساس، لأن الذي يخشى الاطاحة الصاروخية هي اسرائيل لا امريكا ـ دفع روسيا للالتفات مجددا لتطوير تقنيتها الصاروخية منتهزة فرصة الغاء امريكا لاتفاقية الحد من الاسلحة الصاروخية، ففاجأت صناع القرار الامريكي بالكشف عن آخر تطورات تقنيتها الصاروخية هذا الاسبوع. حرام هنا.. حلال هناك! نفس الشأن ينطبق على الصين، التي ستندفع بوتيرة اسرع لتطوير قدراتها الصاروخية، خشية ان تفقد في المستقبل فعالية مصادرها فيفترض انها ستقوم ايضا بغية كسب مصادر مالية اكبر بتصدير جزء من تلك التقنية الى بعض الاقطار التي تعترض واشنطن على حصولها على اي قدر من تلك التقنية، بزعم انها تهدد الأمن الاسرائيلي. ولكن طالما مزقت واشنطن معاهداتها من طرف واحد مع الصين، فانها ستفقد اي قدرة على كبح مسار التطور الصاروخي الصيني، او منع الصين من بيع تلك التقنية لأي قطر تريده، طالما ان الولايات المتحدة لا تتردد في بيع احدث طائراتها العسكرية لتايوان، متجاهلة كل الاحتجاجات والاعتراضات الصينية. ولا تملك الولايات المتحدة الا أوهى الحجج في اعتراضها على تطوير الصين لقدراتها الصاروخية، وهي الحجة التي طار بها الى بكين الاسبوع الماضي جوزيف بودين، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، حيث خاطب الرئيس الصيني، جيانج زيمين، قائلا: «ان انغماس الصين في تطوير مشروعاتها الصاروخية، هو اكبر سبب يحفز الولايات المتحدة للمضي قدما في مشروع الدرع الصاروخية.. وفي مواجهة تلك المزاعم الامريكية، لم تجد الصين التي يتجنب زعماؤها استخدام الالفاظ الحادة، سوى اللجوء للجهة التقليدية الباردة التي تنفي اي تصدير من جانب الصين للتقنية الصاروخية. ومن سوء تدبير سياسات امريكا تجاه الصين، فان الحكومة الامريكية قامت في نفس الوقت الذي يزور فيه اعضاء الكونجرس الصين، بتخفيض المبلغ المستحق للصين عليها، لقاء استضافة وخدمة ملاحي الطائرة الاستطلاعية التي هبطت اضطراريا في الصين في ابريل الماضي الى 34.576 دولارا، وهو مبلغ هزيل رفضته الصين على لسان المتحدث باسم وزارة خارجيتها سانج كيو، على اعتباري الكم والمعنى، والاعتبار الاخير هو المقصود في رأي أكثر المراقبين لأنه قصد به استفزاز الصين وانكار جميلها! ومما سيدفع بالصين اكثر للتركيز على صناعتها الصاروخية، تجاه الادارة الامريكية للتسامح مع الهند في هذا الموضوع.. فقبل ان يكمل الفريق المكلف باعادة صياغة السياسة الجديدة تجاه كل من الهند وباكستان، نشرت «واشنطن بوست» ان الادارة الامريكية قد بدأت اتصالاتها بالكونجرس لاقناعه برفع العقوبات التي فرضت على الهند في 1998، عند قيامها بتفجيراتها النووية التي أدت بباكستان لسلوك نفس السبيل. ان رفع العقوبات الاقتصادية هو مطلب هندي ظل يثار منذ ذلك الحين، ولكن الادارة الامريكية تستجيب له الآن، كتمهيد لقبول الهند اجراء تنسيق عسكري معها، تستخدمه كابحا لتمدد النفوذ الصيني في الاقليم الباسفيكي. هذا هو السبب غير المذكور وراء التحرك الأمريكي الاخير باتجاه الهند، اما ما ينثر من تعللات مثل مكافحة القرصنة في المحيطة الهندي اعتمادا على الهند، او ان صناع القرار الامريكي قد اطمأنوا اخيرا الى استقرار العلاقات الهندية الباكستانية، وابتعاد الطرفين عن الاشتباك العسكري.. الخ، فما تلك سوى اسباب مصطنعة اختيرت بعناية لتتكفل باخفاء السبب الاساسي في الموضوع. ستكسب الولايات المتحدة بلا شك من تقريب الهند اليها، ولكنها ستخسر من ناحية اخرى. ستخسر باكستان غريمة الهند القديمة، كما ستزداد بعدا عن الصين، وستدفع بباكستان لمزيد من التخالف والتعاضد الاستراتيجي مع الصين، لتتكون منهما القوة العسكرية الضارية في ذلك الاقليم. وذلك هو ما سيكون عليه خط المستقبل فيما يبدو، وهو خط مهدد للمصالح الأمريكية في تلك المنطقة، وبدلا من ان تعمل امريكا على تعويقه، او احباط المساعي عليه، بنوع من التخطيط الدقيق، فانها ترتكب حماقة تاريخية ستؤدي الى تدعيمه وشد الخطى الصينية عليه. منطق القوة أم التاريخ هذا ما يقول به منطق البداهة، لكن أمريكا «القوية» لا تبالي بالمنطق العام، فللقوة منطقها الخاص، وهو وحده المنطق الذي يفسر تخبطات السياسة الخارجية الامريكية. ان القوة هي اداة التنفيذ، وليس اداة للرؤية، ولكن مستشاري السياسة الخارجية الامريكية ومخططيها اصبحوا ينظرون الى جميع عوامل ومتغيرات السياسة العالمية من خلال منظار (القوة)، وباستهداف غاية واحدة هي مضاعفة مقدرات القوة الأمريكية. ولأجل ذلك وضعوا مناهج مستغربة للتحليل الرقمي لشئون هي من التعقيد ومن الاشتباك بحيث لا يسمح باختزالها ضربة لازب في أرقام. قد تصبح القوة بهذا النهج حجابا للتعمية، بدلا من ان تكون منظاراً للرؤية والتحليل، ان قضايا كثيرة من قضايا السياسة الدولية يصلح لرؤيتها منطق البداهة، وتصلح لتقويمها دروس فلسفة التاريخ، عندما تؤخذ بنوع من التجرد والالتزام الاخلاقي، لا بالاسلوب الانتقائي الطامس الذي يمارسه كيسنجر، ويحاول ان ينافس به اساتذة مدرسة انتقال القوة، اصحاب التحليل الرقمي.. ومهما يكن ضلال كيسنجر وغيه، الا انه اسدى نظراً ومنهاجاً من عباد القوة آنفي الذكر. فلكيسنجر آراء موضوعية ومعتدلة الى حد كبير عندما يتعلق الامر بالتعامل الاستراتيجي الامريكي مع كل من روسيا والصين، حيث عمل على تقريبهما من امريكا واقنع كلا منهما يتوقع اتفاقيات الحد من التسلح، وهي الاتفاقيات التي استخرجت من حقبة الحرب الباردة عهد الوفاق. ان كيسنجر جمهوري، شأنه شأن الجمهوريين الحاكمين اليوم، ولكنه لم يكن أسيرا لمنطق القوة مثلهم، وقد استطاع بمنطق البداهة والحركة المتئدة ان يغير خط التاريخ. ترى ماذا سيفعل هؤلاء سوى ان يقودوا بغرورهم وتسرعهم وتشنجهم الى زج بلادهم في معارك خاسرة هي في كامل الغنى عن خوضها. د. محمد وقيع الله