عندما اتذكر القدس عام 1964 في تلك الرحلة مع مجموعة من الزملاء الاساتذة، يعود للذكرى المفهوم المبسط لتركيب أحيائها القائم على تنظيم العلاقة بين أهلها ضمن منظور بيئي ديني اثني، ضَعُف فيه التطابق بين الأحياء والديانة. كان منزل المسيحي الى جواره منزل المسلم. في كل حي تتكوم معالم الوحدة الانتمائية الأساسية في البلدة القديمة حيث شكلت شبكة الأحياء بتخومها الاجتماعية كما افهمونا درجة عالية من التضامن فيما بينهم. سألنا فقالوا: تضامن اجتماعي عالي المستوى يعبر عن الشكل والمضمون تبادل الزيارات والمشاركة في الأفراح والأتراح، وفي الأعياد الدينية الاحترام المتبادل، أو الأعراس والجنائز. حتى يخال إلينا عدمية النظام الطائفي الموروث منذ مجيء الرسل والانبياء. وليس هناك مجال للشك في صحة عروبة القدس، وأصلها اليبوسي الكنعاني العربي منذ اكثر من خمسة آلاف عام. عُرفت باسم اوري شالم، أو روشاليوم، أو يبوس، ثم القدس في العهد العباسي نسبة الى بيت المقدس، قال ياقوت الحموي: إن الله خصها بالعديد من الأنبياء حتى قيل أن بناءها تم على يدهم وأنهم سكنوها، حتى أنه لم يبق فيها شبر إلا وقد صلى فيه نبي، أو ملك. وفي القرآن الكريم: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير». عروبة بيت الشرق والقدس منذ الفتح الاسلامي حتى تاريخ اغتصابها على يد الصهاينة مدينة مفتوحة لجميع الديانات السماوية. وقد كان للاتراك قوانين تمنع بيع الاراضي والعقارات في القدس وضواحيها. وللحق والتاريخ نثبت هنا رد السلطان عبد الحميد على طلب هرتزل بالقول: قد يحصل اليهود على فلسطين دون مقابل، ولكنها لن تقسم إلا على جثثنا. ان معظم الباحثين يرون الصراع العربي الصهيوني صراعاً سياسياً استخدم فيه الترميز الديني، ونحن نرى أن الصراع المديد هو بين الإسلام والغرب، هذه مسألة تاريخية، تعود إلى زمن ظهور الإسلام واقتحام اوروبا وخشية هذه ان تستولي الجيوش الاسلامية عام 1529 على مدنها وبالتالي تتقهقر المسيحية وقد تسقط إلى الأبد. ومدينة القدس هي رمز وعنوان هذا الصراع والغزو الصليبي استهدفها أولاً. وعندما حاصرها المسلمون، ونجحوا في تحريرها، تحقق نهاية هذا الغزو، وفي التاريخ المعاصر استمر التوتر بفعل الاستعمار البريطاني الذي سلم المدينة إلى الصهاينة وزودهم بالسلاح الحديث في زمن خرج العرب منهكين من الحكم التركي العثماني. تعمل الصهيونية الآن ممثلة بدولة الكيان الاسرائيلي على طمس المعالم الحضارية العربية، ويمثل بيت الشرق أحد ابرز المعالم الحضارية وفيه قبر الشهيد عبد القادر الحسيني وابنه المناضل فيصل. فاحتلاله ونزع الهوية العربية وتحويل المدينة إلى مدينة يهودية هو تحقيق مزاعم توراتية خرافية كتبها حاقدون زمن السبي البابلي. والاستيلاء على بيت الشرق يأتي من منظور تهويد المدينة المقدسة وازالة المعالم العربية الاسلامية والمسيحية. وهي الخطة الصهيونية التي يتبناها المتوحش ارييل شارون. كان «نتانياهو» قد أمر باغلاقه عام 1999 ثم تراجع بفعل الضغوط العالمية، فوجود هذا المقر الرمز السيادي غير مرتبط بقرار محكمة اسرائيلية أو قانون اسرائيلي فهو يعود إلى جذوره التاريخية لآل الحسيني الفلسطينيين المقدسيين العرب. إنما يعني هذا الاقتحام بداية حرب من نوع آخر مثلما كان بداية للسلام عندما تجددت المفاوضات في ارجائه. والآن يُجهز شارون على ما تبقى من مفاوضات مع الفلسطينيين. ردود الفعل اهتز العالم على أثر احتلال القوات الصهيونية لبيت الشرق. فعلى صعيد دول العالم: قامت نقابات العمال البريطانية بالاعتصام أمام السفارة الإسرائيلية وقد طالبوا بالضغط على حكومة المتوحش شارون للخروج من بيت الشرق، كما رفع المعتصمون شعارات: النصر للانتفاضة والموت لشارون. وفي الولايات المتحدة: أعلنت وزارة الخارجية أن هذا الاحتلال تصعيد خطير. كما أعلن من دمشق مساعد وزير الخارجية لشئون الشرق أن ذلك تصعيد خطير وعلى الطرفين ضبط النفس. واعتبرت فرنسا أن هذا الاحتلال انتهاك لاتفاقات أوسلو. كما أعلنت روسيا عن شجبها واستنكارها ورفضها لهذا العمل الخطير. وعلى الصعيد الداخلي الفلسطيني والعربي: بعثت السلطة الفلسطينية وعلى الفور رسائل احتجاج إلى رؤساء دول أوروبا وإلى الراعي الأمريكي المتحيز، كما صرحت حنان عشراوي في أن التصعيد الإسرائيلي الذي تتبناه سياسة ارييل شارون هو تقويض عملية السلام، ودعا مروان البرغوثي إلى الإضراب العام، إذ لم يعد أمام الفلسطينيين من خيار آخر غير الاستمرار في الانتفاضة والمقاومة، فاحتلال بيت الشرق يعبر عن رسالة صهيونية واضحة معنونة تهدف الاجهاز على ما تبقى من معالم أثرية في المدينة المقدسة نحو هدفها تهويدها وتحويلها بالتالي إلى مدينة يهودية يزوّرون كل شيء في داخلها. وبالتالي تظهر من جديد سياسة الأمر الواقع وعلى العرب والفلسطينيين والمسلمين في جميع أنحاء العالم القبول والتعامل مع ما يمكن أن يسمونه أمراً واقعياً والعالم يقف إلى جانب القوة، لأن الحق لا تدركه إلا القوة. والصلاة والسلام على سيدنا محمد: «الحق في السيف والسيوف مقاليد الجنة». فهل أعد العرب والمسلمون ما استطاعوا من قوة يرهبون بها عدو الله وعدوهم؟. إن احتلال بيت الشرق لا يعني فقط تهويد المدينة المقدسة فهو يهدف طمس حقوق العرب الفلسطينيين، ففيه وثائق ممتلكاتهم، وسجلات شهدائهم والمصابين والمعوقين والمعطوبين بفعل هذه الحرب الوحشية. وفي بيت الشرق كل ما للفلسطينيين من صلات مع العرب والعالم الخارجي. أعود لأذكر أن دولة الكيان الصهيوني تقوم بعمليات استفزاز تجريبية مع العرب والمسلمين وذلك منذ أن أصبحت مفاعيل ديمونة جاهزة أو شبه جاهزة بعد حرب 1967 هنا بعيد هذه الحرب التي انهزم فيها العرب بتاريخ 12/11/1967 وفي مؤتمر ديني يهودي علمي عُقد في القدس صرح وزير الأديان «زيرح فرهنيتيخ» قائلاً: أن تحرير القدس قد وضع جميع المقدسات المسيحية وقسماً من المقدسات الإسلامية تحت سلطة اسرائيل، وأعاد إلى اليهود جميع كنسهم فيها لكن لاسرائيل مقدسات أخرى في شرق الأردن وفي الحرم القدسي وهذا الأخير هو قدس الأقداس بالنسبة لليهود. وباختصار شديد: لا تتورع دولة الكيان الصهيوني عن السماح للاشرار من اليهود باقتحام الحرم القدسي الشريف. هدد موشيه دايان الهيئة الإسلامية في القدس بضرورة فتح جميع أبواب الحرم القدسي أمام اليهود كما هو للمسلمين. دخول ايغال الون يوم 12/11/1969 إلى الحرم القدسي الشريف. دخول جماعة من حركة «بيتار» يوم 11/7/1971 إلى المسجد الأقصى ومن نفس هذه الجماعة حصل دخول آخر يوم 22 من الشهر نفسه لاقامة الصلاة. تقوم جماعات يهودية بشكل دائم بنبش قبور المسلمين وإزالة المقابر المسيحية والإسلامية. ناهيك عن عمليات حفر الانفاق المستمرة وتغيير أسماء قرى ومدن ومواقع عربية في القدس وفلسطين بشكل عام. كما تعرضت المقدسات الإسلامية والمسيحية للحرق والسطو ومحاولات التفجير بالقنابل ومنها حريق المسجد الأقصى عام 1969 ولم يتورع المتوحشون الصهاينة عن الهزء والسخرية من المصلين أثناء اداء فريضة الصلاة في المسجد المبارك. كما ارتكبت الدولة الصهيونية العنصرية أبشع المذابح بحق المصلين المسلمين والاعتداء على حياة رجال الدين المسلمين والمسيحيين فارتكبت مذبحة الأقصى عام 1990فاستشهد أكثر من عشرين عربياً وجرح المئات، كما حصلت مذبحة أخرى عام 1992في ساحة المسجد الأقصى راح ضحيتها 122عربياً بين قتيل وجريح. فإذا كانت دولة الكيان الصهيوني لا تعبأ بالادانات الدولية ولا تصغي للضمير الإنساني العالمي، فهل يبقى العرب والمسلمون عند الاستنكارات والاحتجاجات؟ أما آن للعرب والمسلمين أن يدركوا أن الحرب إذا لم تكن في حالة من التوازي بين الأطراف المتحاربة فسوف تكون الخسائر فادحة؟ في الوقت نفسه على العرب أولاً وقبل غيرهم أن يلجوا طريق النصر وهو معروف خارج الشعارات والهتافات والتصفيق، وإلا سوف تسقط القدس نهائياً ويتم هدم المسجد على مرأى من عيوننا نحن العرب. بقلم: عبدالغفار نصر ـ عضو اتحاد الكتاب العرب