يعتبر اقتحام «بيت الشرق» واحتلاله خطوة اسرائيلية غير مسبوقة، ولكنها حلم تحقق على ايدي اعضاء حكومة ارييل شارون خصوصا وزير الامن الداخلي اليميني المتطرف عوزي لاندو الذي طالما وقف خارج ابواب بيت الشرق مطالبا باغلاقه خلال وجوده في معسكر المعارضة الاسرائيلية، وهو الذي وقع على قرار اغلاقه وباقي المؤسسات المقدسية الاجتماعية. وشكل بيت الشرق منذ اواخر الثمانينيات عنوانا سياسيا للمقدسيين ورمزا حيا لوجودهم الذي ترى فيه اسرائيل تهديدا لحلمها بعاصمة موحدة وأبدية، والذي فرضته عبر قوانين سنها الكنيست غداة استكمال احتلال المدينة المقدسة عام 1967. الانتقام السياسي لقد فاجأ شارون الفلسطينيين في رده على الهجوم الاستشهادي الفلسطيني البطولي والجريء في القدس الغربية باحتلال بيت الشرق المقر شبه الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية وللسلطة الفلسطينية في القدس الشرقية. وبهذا الرد الانتقامي السياسي الذي كان في خطط شارون هدفا في ذاته تضع اسرائيل رمزيا الحجر الاساس السياسي لتهويد القدس الشرقية، بعدما وضعت رمزيا ايضا الحجر الاساس التلمودي للهيكل المزعوم والذي تعتزم اقامته مستقبلا على انقاض المسجد الاقصى. اما عسكريا فجاء الرد الاسرائيلي في رسائله منطويا على رمزية مهمة، فمقر قيادة الشرطة الفلسطينية في رام الله قصف بصواريخ اطلقتها طائرة (أف ـ 16) الامريكية الصنع. ويكفي ان تمتلك اسرائيل هذا النوع من الطائرات الحربية وان تستخدمه في حرية من القيود الامريكية، حتى يتضح للعالم بعض الاسباب التي تجعل الفلسطينيين في حاجة متزايدة للدفاع عن وجودهم وحقوقهم القومية والانسانية ومقدساتهم بسلاح القنابل البشرية. ان شارون يخوض الآن في شراسة معركة تهويد القدس الشرقية دينيا وسياسيا وديمغرافيا، فالاقصى يجب ان يهدم والهيكل الثالث يجب ان يبنى وبيت الشرق يجب ان يتحول الى مكتب اسرائيلي للضمان الاجتماعي. ان الرد العسكري الاسرائيلي اقل خطرا بكثير من خطوة الاستيلاء، على بيت الشرق وتدمير مواقع السلطة في ابو ديس، فالرد العسكري المحدود في رام الله يستغله شارون من اجل الظهور بمظهر الرجل المتعقل الذي يضبط نفسه امام «ارهاب الفلسطينيين» وذلك من اجل تحقيق مكاسب سياسية خاصة على الساحتين الامريكية والاوروبية، هذا في الوقت الذي يوجه فيه ضربة قاصمة لعملية السلام مع الفلسطينيين من خلال اعادة احتلال بيت الشرق ، كما ان هذه الضربة تساعده على صعيد ارضاء «ائتلاف التطرف» داخل حكومته واشباع رغبات التيارات المعادية للسلام المتحالفة معها بانتظار معركة التنافس بينه وبين نتانياهو على رئاسة الليكود في اكتوبر المقبل. اختبار الشرعية وفي هذه الاثناء يتوجب علينا التنبيه الى معنيين بارزين من معان كثيرة ينطوي عليها اغتصاب «بيت الشرق». اما المعنى الاول فيتلخص في ان بيت الشرق بات الرمز السياسي الاظهر للسيادة العربية الفلسطينية على القدس، تماما مثلما المجسد الاقصى وقبة الصخرة من جهة وكنيسة القيامة من جهة ثانية هما الرمزان الدينيان الاظهر على «العهدة العمرية» التي كرست القدس العربية لمسلميها ولمسيحييها فحسب. وفي هذا السياق فإن اقدام اطراف حكومة شارون «الائتلافية» على اعادة احتلال بيت الشرق انما قصدوا منه سلب ذلك المقر الرمزي السيادي وما يمثله لجهة القدس الشرقية من مجموع اي كيان سيادي فلسطيني قائم او قادم، هذا اولا. اما ثانيا فإن اعادة الاحتلال تلك هي نوع من الاختبار لرد الفعل الاقليمي والعربي والاسلامي الاوسع بل والدولي الاكثر اتساعا خاصة وان بيت الشرق حتى قبل اتفاق اوسلو بات بفضل فيصل الحسيني وصحبه ورفاقه بيتا للعروبة والاسلام ومجمل الشرق، مثلما اصبح ايضا عنوانا لمنظمة التحرير لدولة فلسطين، ويؤمه القناصل الاجانب في القدس الشرقية وغيرهم من رؤساء وقادة ووزراء وسفراء من ممثلي الاسرة الدولية الذين طالما توافدوا الى المنطقة ومن ضمنها فلسطين التاريخية بشقيها الفلسطيني المستمر والاسرائيلي المستجد! وفي نطاق عملية الاختبار هذه فإن السكوت او التخاذل العربي او الاسلامي او الدولي سيؤدي الى اعادة احتلال المسجد الاقصى وكنيسة القيامة، بل وكل مساجد وكنائس وحارات وأحياء القدس العربية، سواء داخل السوق القديم ام خارجه! فهل هذا ما يريده العرب والمسلمون والاسرة الدولية؟ ان كان الحال كذلك فاقرأ ايضا على مجمل العملية السلمية التسووية الفاتحة وكل صلوات الميت، ذلك انه بات ثابتا بعد قمة كامب ديفيد الثانية ان لا سلام ولا استقرار، بل لا دولة فلسطينية بدون القدس الشريف. عند هذه النقطة يتناغم المعنى الابرز الاول هذا (محاولة سلب القدس العربية رمزها السياسي السيادي الاظهر)، مع المعنى الابرز الثاني الذي يتمحور ويتلخص في حقيقة ان بيت الشرق هو اصلا واساسا بيت منظمة التحرير الفلسطينية، وبالتالي فإن التعرض له انما هو تعرض للشريك الفلسطيني في اي تسوية سياسية مع الدولة الصهيونية! بل ان الاعتداء على بيت الشرق انما هو تجسيد للاعتداء على بيت الوفد الفلسطيني المفاوض نيابة عن منظمة التحرير ـ دولة فلسطين في المنفى! توزيع الصفعات واوضح لكل المراقبين ان تصريحات وتبجحات الصهيونية، سواء من داخل الحكومة الشارونية ام من خارجها تتجلى في الموقف الشاروني الرافض لاتفاق المباديء في اوسلو وما تلاه من بروتوكولات واتفاقات عامة او خاصة بالقدس تحديدا، بل والرافض لأي تسوية تقوم على مباديء مؤتمر مدريد والقرارين الدوليين (242) و(338) اللذين يمثلان ـ اصلا ـ ادنى السقوف للشرعية الدولية بين مختلف القرارات الصادرة عن هيئة الامم المتحدة! فهل يقبل العرب والمسلمون والاسرة الدولية بهذا الانتهاك الجديد وبهذه الصفعة الجديدة التي يسقطها شارون على وجه الشرعية الدولية؟ وقبل ذلك على وجه وحدة المصير العربي والاخوة العربية والتضامن العربي، ناهيك عن اسقاط الصفعة على وجه وحدة المصير الاسلامي والاخوة الاسلامية والتضامن الاسلامي؟! والى ان يتمكن الفلسطينيون من رفع الاحتلال عن بيت الشرق ينبغي عليهم ان يستمروا في مزاولة نشاطه وعمله ودوره في مكان بديل مؤقت يفضل ان يكون تأكيدا وتعزيزا لرمزيته السياسية الكبرى، خيمة تنصب في باحة الحرم القدسي الشريف بين الاقصى وقبة الصخرة، فمعركة القدس تستلزم الآن الدمج في مكان واحد بين الحق الديني والحق السياسي والحق السيادي، وينبغي لاعضاء السلك الدبلوماسي العربي المعتمدين لدى اسرائيل ان يكونوا دائما في طليعة الزوار، ما دام التمثيل الدبلوماسي العربي لدى الدولة العبرية عصيا على الالغاء، والشيء نفسه يمكن ويجب ان يفعله الممثلون الدبلوماسيون العرب لدى السلطة الفلسطينية. اما على المستوى القضائي والقانوني فيجب رفع قضية احتلال اسرائيل لبيت الشرق الى محكمة دولية وليس الى المحكمة العليا الاسرائيلية، فالاجراء الاسرائيلي يجب ان ينظر فيه باعتباره خرقا للقانون الدولي وللاتفاقيات الموقعة والحكم فيه يجب ان يكون دوليا. بقلم: ماهر عبدالله الشوابكة ـ كاتب صحفي من الاردن