حينما دنست أقدام أرييل شارون الحرم القدسي في سبتمبر الماضي تفجرت إنتفاضة الأقصى، واجتاح الغضب الشارع العربي من الخليج إلى المحيط، وخرجت المظاهرات الحاشدة تضامنا مع الشعب الفلسطيني وإنتفاضته الباسلة، ودفاعا عن الأقصى الشريف والمقدسات العربية والإسلامية في فلسطين، وتشكلت لجان لدعم الإنتفاضة بشتى الأشكال في مختلف أنحاء الوطن العربي. لكن المفارقة المثيرة للدهشة والداعية إلى التأمل حقا هي (قصر النفس) الذي إتسمت به الحركة الجماهيرية العربية الداعمة للإنتفاضة، والإنحسار السريع والمتزايد لتلك الحركة، رغم التصعيد المتواصل للعدوان الصهيوني الذي تحول إلى حرب وحشية شاملة ضد الشعب الفلسطيني تستخدم فيها الأسلحة الثقيلة والصواريخ والطائرات المقاتلة، في محاولة فاشلة لتحطيم صمود الشعب الفلسطيني وضرب انتفاضته. ويستمر هذا الفتور الجماهيري العربي رغم أن العدوان الصهيوني على المقدسات يتخذ منحنى متزايد الخطورة كل يوم. فقد تم منذ نحو أسبوعين وضع حجر الأساس لإعادة بناء ما يسمى بـ (الهيكل الثالث) على مسافة ثلاثين مترا من أسوار الحرم القدسي.. علما بأن المتطرفين اليهود يعتبرون هذه الخطوة رمزية، وتمهد لإعادة بناء هيكلهم المزعوم في (مكانه الأصل) الذي يدعون أنه يقع داخل أسوار الحرم القدسي! ثم جاءت موجة الاغتيالات الإسرائيلية لناشطي الإنتفاضة، ثم احتلال بيت الشرق - مقر السلطة الفلسطينية في القدس- ومراكز السلطة في قرية ابي ديس المجاورة، بمثابة ضربة قاصمة لعملية أوسلو، التي دفع الشعب الفلسطيني لها ثمنا فادحا.. ومر ذلك كله دون أن يفلح في تحريك الشارع العربي أو (النخب) السياسية والثقافية العربية غير الرسمية التي طالما تصدت للصهيونية والداعمة للشعب الفلسطيني، والتي طالما اصطدمت بالنظم السياسية في عديد من البلدان العربية بسبب ما كانت أغلب فصائل هذه (النخب) تعتبره تقصيرا من جانب تلك النظم في دعم الشعب الفلسطيني، وتخاذلا عن مقتضيات التصدي للعدوان الصهيوني. والواقع أن رد الفعل الشعبي (والنخبوي) العربي على المجزرة الجارية ضد الفلسطينيين يبدو أقرب إلى نوع من التعاطف أو التضامن السلبي، منه إلى التضامن الإيجابي والدعم النشيط الذي يحتاجه الشعب الفلسطيني الشقيق في مواجهة العدوان الصهيوني المتصاعد. وإذا كان لدى أغلب الأنظمة العربية حساباتها ومصالحها التي تضع قيودا ثقيلة على إمكانيات تحركها لدعم الشعب الفلسطيني في مواجهة العدوان الإسرائيلي الهمجي، فكيف يمكن تفسير هذا الفتور الجماهيري، والنخبوي؟! التخدير بالأوهام الواقع أنه لايمكن تفسير هذا الوضع بعيدا عن المناخ السياسي في المنطقة العربية عموما تجاه عملية التسوية وطرفها الصهيوني و(راعيها) الأمريكي من جهة، وأوضاع الحركة الجماهيرية والسياسية في البلدان العربية من جهة أخرى، ومدى تمتع هذه الحركة بالحريات الديمقراطية. لقد تفجرت إنتفاضة الأقصى في مناخ عربي مشبع بأوهام (السلام) وقرب التوصل إلى حل نهائي على المسار الفلسطيني، وإقامة دولة وطنية مستقلة على أساس إتفاقيات أوسلو وتوابعها!! وقد جرت عملية أوسلو بمجملها في أعقاب (كارثة قومية) عربية تمثلت في الغزو العراقي للكويت، والتي أدت بدورها إلى تفسخ النظام الإقليمي العربي وتعزيز الهيمنة الأمريكية على المنطقة في ظرف تاريخي شهد إنهيار النظام العالمي القديم (تنائي القطبية) وإنفراد الولايات المتحدة بوضع القوة الأعظم في مرحلة إنتقالية من تاريخ العالم. وفي ظل هذه الأجواء نجحت إسرائيل في تحقيق اختراقات بالغة الأهمية في المنطقة بإقامة علاقات رسمية مع عدد من الدول العربية. كما عقدت أربع دورات للقمة الاقتصادية الشرق - أوسطية بمشاركة إسرائيل، وتحت إشراف أمريكي، بزعم أن المنطقة تنتقل من أجواء المواجهة إلى أجواء التعاون!! وأنه ما دام أصحاب القضية قد دخلوا في عملية أوسلو، فلم يعد هناك مبرر لاستمرار العداء العربي للدولة الصهيونية! وأدى المناخ السائد منذ مؤتمر مدريد(أواخر عام 1991) وبصورة أخص منذ عملية أوسلو إلى خلق حالة من «التحذير» العربي العام بأوهام «السلام» جرى في ظلها الترويج لما يسمى (بثقافة السلام) و(تطبيع) العلاقات مع العدو الصهيوني من جانب فئات عالية الصوت من المثقفين والإعلاميين والسياسيين والإقتصاديين في عديد من البلدان العربية. ولابد من الاعتراف بأن حالة (التخدير) هذه كان لها تأثير سلبي على الرأي العام العربي جعله أقرب إلى (الإسترخاء) في تأييده التاريخي المعروف للشعب الفلسطيني، وفي عدائه التاريخي للصهيونية ودولتها (قارن مثلا زخم وإمتداد التأييد الجماهيري والنخبوي العربي للإنتفاضة الأولى 1986 - 1991 بالموقف من إنتفاضة الأقصى الجارية) ولاشك أن هذا التطور السلبي كان مواتيا من زوايا عديدة لأنظمة عربية مختلفة تواجه ضغوطا أمريكية عميقة (لتطبيع) علاقاتها مع إسرائيل. حدود الحرية الأمر المؤكد أن إنتفاضة الأقصى وما رافقها من قمع وحشي إسرائيلي للشعب الفلسطيني - مثلت (صدمة إيجابية) للشعوب العربية ومثقفيها وسياسييها غير الرسميين، أزالت عن أعين الكثيرين الغشاوة التي غطتها في سنوات ما بعد مدريد وأوسلو، كما مثلت الإنتفاضة إحراجا كبيرا للأنظمة العربية (المعتدلة) خصوصا سواء منها تلك المرتبطة بشكل أو بآخر بعملية التسوية أو الساعية للإرتباط بها، أو المضطرة لولوجها تحت الضغوط الأمريكية. ولم يكن الوضع يسمح بعد بإتخاذ موقف عربي جماعي. وهكذا إنعقدت قمة القاهرة بعد سنوات من غياب مؤسسة القمة العربية، وكان أهم قرارات القمة دعم الفلسطينيين بملياري دولار. وهو قرار عادت قمة عمان فأكدت عليه بعد ذلك بخمسة شهور!! ولم يكن قد تم جمع أكثر من نصفه حتى ذلك الوقت ولم يصل منه إلى الفلسطينيين إلا أقل القليل.. وإنتهى الأمر إلى الإتفاق على إرسال 45 مليون دولار إلى السلطة الفلسطينية كل شهر، تكفي بالكاد لدفع مرتبات العاملين بها.. بينما تبلغ خسائر الاقتصاد الفلسطيني نحو (خمسة عشر) مليون دولار يوميا نتيجة للحصار الفائق الذي تفرضه إسرائيل على الضفة والقطاع، فضلا عن التدمير المنظم للبنى التحتية والحقول والمنازل ... الخ.. وقد أريقت أنهار من المداد في الحديث عن (التقصير) الرسمي العربي تجاه الشعب الفلسطيني وإنتفاضته، فلا نرى ضرورة للدخول في التفاصيل. ما يعنينا أن نشير إليه هنا هو أن أغلب الأنظمة العربية قد سمح بقدر لا بأس به من الحرية للحركة الجماهيرية حينما أنفجرت الإنتفاضة. ولكن حينما بدأت تلك الحركة تهدد بالخروج عن نطاق السيطرة وبدأ الشارع يستعيد وعيه المفقود وبدأت المظاهرات توجه غضبها للمصالح الأمريكية وتتعالى الدعوات بمقاطعة البضائع الأمريكية.. فضاقت بها (الديمقراطيات) العربية فبدأ التضييق على المظاهرات والتعتيم الاعلامي على الفعاليات الجماهيرية وإنطلقت الأقلام والاصوات تتحدث عن ضرورة الإنضباط، وتحذر من تخويف الاستثمارات الأجنبية ودفعها للهروب وشهدت بعض البلدان العربية اعتقالات وملاحقات لناشطي حركة دعم الإنتفاضة، كما شهد بعضها تحرشات إعلامية بالفلسطينيين!! وكان طبيعيا أن يكون لهذا كله تأثيره السلبي على الحركة الجماهيرية الداعمة للإنتفاضة الباسلة، خاصة إذا وضعنا في اعتبارنا أن هذه الحركة ليس لديها أطرها التنظيمية المستقلة والراسخة، والأحزاب والتنظيمات السياسية والجماهيرية العربية ـ حيث تسمح النظم والقوانين بوجودها - تعاني من ضعف شديد بسبب القيود المتنوعة، وبسبب تاريخ طويل من مصادرة الحريات السياسية. أين النخبة؟! وإذا أضفنا إلى ذلك كله ما سبق لنا الحديث عنه من أوهام السلام وثقافته والاختراقات الإسرائيلية في مجال (التطبيع).. وما أصاب النظام العربي من تفسخ انعكس على الأفكار القومية والعروبية بالضعف.. يصبح مفهوما ذلك الإرتباك الذي أصاب أغلب تجمعات وفصائل النخبة السياسية والثقافية العربية، واثر كثيرا بالسلب على دورها المألوف في قيادة الحركة الجماهيرية دعما للشعب الفلسطيني في مواجهة العدوان الصهيوني. ولابد من الإشارة هنا إلى نقطة بالغة الأهمية في تأثيرها على المناخ الفكري والسياسي - الثقافي في صفوف النخبة العربية السياسية والثقافية خلال العقد المنصرم. تلك هي أن هزيمة كل من الإشتراكية العالمية والمشروع القومي العربي، وانتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة قد خلف شعورا واسع الإنتشار في صفوف المثقفين العرب (وخاصة التقدميين والقوميين منهم) بالإحباط والهزيمة وهم الذين ترعرعوا في مواجهة الاستعمار والصهيونية وفي إطار النضال القومي والتقدمي لشعوبهم. كما شهد العقد الأخير إنتقال كثير من المثقفين القوميين والتقدميين إلى مواقع اليمين و(النيوليبرالية) وتبني أفكار العولمة دون أي موقف نقدي، كما نجحت مؤسسات غربية كثيرة ليست فوق مستوى الشبهات في اختراق صفوف المثقفين والسياسيين العرب، واجتذابهم إلى مشروعات وتنظيمات تتمتع بتمويل سخي نجح في شراء ذمم الأكثر ضعفا واستعدادا للفساد من بينهم. ودون اتهام لأحد نقول إن ذلك كله قد أدى لارتباك شامل في صفوف النخب السياسية والثقافية العربية، وبروز (أجندات) غير مرتبطة بأهم قضايا الأمة في صراعها المحتدم ضد أعدائها، فرأينا قضايا الأقليات تحتدم بينما تواجه الأمة كلها خطر التهميش والاستبعاد ورأينا مثلا انشغال المجتمع الثقافي المصري والعربي بقضايا مثل (الوليمة) ـ أو وهو الأسوأ- الروايات الثلاث مع انفجار انتفاضة الأقصى.. أو قضية الراهب المخلوع وجريدة (النبأ) في ذروة تصاعد القمع الصهيوني للانتفاضة. وفي مناخ كهذا ليس غريبا أن تتوه (النخب) العربية وتفقد اتجاهها بينما يفترض فيها أن تكون المدعوة لقيادة جماهير أمتها في لحظة مصيرية كالتي تواجهها. ويصبح ممكنا أن يذهب (مثقفون) إلى السفارة الإسرائيلية للإحتفال بذكرى إقامة دولة العدو!! وأن يجرؤ (سياسيون) على إدانة العمليات الاستشهادية ووصفها بالإرهاب! وبالرغم من كل ذلك تستمر الانتفاضة.. وترسم - مع الانتصار اللبناني، ملامح الطريق الوحيد الممكن لكي تستعيد هذه الأمة - بنخبتها وجماهيرها - وعيها الضائع.. واتجاهها نحو المستقبل. بقلم: د. محمد فراج أبو النور ـ كاتب مصري