بغض النظر عن حساب الخسائر والارباح التي تجنيها الانتفاضة ، فان المتغير الاساسي الذي أحدثته العمليات الاستشهادية الأخيرة هو تكريس الانهيار التدريجي الامني والسياسي للاحتلال الاسرائيلي، الذي ازداد بعد اجتياح بيت الشرق وحظر نشاطات السلطة الوطنية الفلسطينية في مختلف انحاء ومحيط المدينة المقدسة. وقد جاءت الادانات الدولية، بما فيها الأمريكية، لهذه الخطوة لتتوج هذا الانهيار المتنامي منذ ان تعاقبت الحكومتان الاسرائيليتان ،السابقة والحالية، على الفشل في التعاطي مع الانتفاضة المدنية، ثم مع المقاومة المسلحة، فلا سياسة الضغوط على السلطة أدت الى استيعابها ولا القمع والاغتيالات كسرت شوكتها. واذ فتحت اسرائيل ساحة جديدة للانتفاضة حول بيت المقدس، في الوقت الذي قطّعت فيه الاوصال بين القرى الفلسطينية، فانها لا شك وضعت الفلسطينيين امام تحديات جديدة من شأنها ان تُشكل مفصلا رئيسياً في مسار مقاومتهم في حال تأخرت المبادرات السياسية التي تلبي مطالبهم الوطنية بشكل عام. اما من حيث القدس ذاتها فانها مرشحة لأن تتحول الى قضية محورية في المسيرة اليومية للمقاومة وبشكل يدوم بدوام الصراع، ذلك انها بما تشكله من رمز يمكن ان تحشد حولها اهتمامات مضاعفة على المستويين الديني والدولي، وتفسح المجال واسعا امام تعبئة من كل نوع سواء شعبيا أو رسميا، ولعل من المفيد الإشارة هنا الى ان الهبة الشعبية العربية المتضامنة مع الانتفاضة شهدت ذروتها خلال الاسابيع الأولى وبعد انتهاك ارييل شارون للحرم القدسي حينها. وما لا يقل اهمية عن دلالة الرمز وتبعات النيل من كل ما يقع في اطاره هو ان اسرائيل خرقت تعهدات مكتوبة بعدم التعرض لبيت الشرق ـ وهو ملكية خاصة ـ كما لمؤسسات و مقرات السلطة الوطنية وفق الوثائق التي اظهرها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في اليوم التالي للاعتداء الاسرائيلي الجديد. مؤشرات نوعية لقد اختار ارييل شارون وحكومته الامنية «المصغرة» نوعا من ما يظنه الردع السياسي عبر وسائل عسكرية رداً على العملية الاستشهادية في مطعم «سبارو» في القدس «الغربية»، والعملية التي سبقتها بأربعة أيام امام مقر وزارة الدفاع. والسؤال الذي لا بد من طرحه ببرودة اعصاب: لماذا تجنب الرد الانتقامي الموازي لحجم العمليتين ولما ألحقتاه من خسائر بشرية ضخمة وثقيلة على معنويات الاسرائيليين وفضّل تدمير مراكز السلطة واحتلال بيت الشرق ومقر السلطة في أبو ديس؟ الاجابة الاكثر مقاربة لمسار التطورات ترتبط حتما بجملة الاحداث التي سادت قبل المستجدات الاخيرة. لقد استطاعت اجهزة أمن الاحتلال احباط ست محاولات لعمليات استشهادية أو تفجيرات خلال شهري يونيو ويوليو الماضيين من بينها واحدة لامرأة فلسطينية، وجاء ذلك تزامناً مع تنفيذ ما أسماه شارون «خطة جهنم» لاغتيال القياديين والكوادر في حركة حماس وتنظيم فتح و«الجهاد الاسلامي» باستخدام المروحيات وتكنولوجيا التفجير عن بعد بأجهزة الهاتف الخليوي دون ان يقيم أي اعتبار للضحايا المدنيين والاطفال لتحقيق غايته تلك، صحيح انه اغتال حتى تاريخه حوالي 60 ناشطاً وجعل بعض مسئولي منظمة التحرير يتحدثون عن العودة الى العمل السري تحت الأرض وما رافق ذلك من أنباء عن البحث عن عاصمة عربية «تقبل» باستضافة القيادة الفلسطينية، لكن واقع المواجهة كان يسير عكس ما اشتهته تل ابيب اذ تمخضت لتبشر بجملة مؤشرات نوعية بالغة الدلالة: أولا: قفزة في التمسك بالوحدة الوطنية وبدء خطوات لترجمتها فعلياً مثل «الاجماع» على تشكيل حكومة وحدة وطنية. ثانيا: على الرغم من العجز العربي في نصرة الفلسطينيين حصل تصعيد لافت في بعض المواقف السياسية العربية ولا سيما اعلان الرئيس المصري وتشبيهه شارون برأس عصابة ونعيه عملية السلام بوجود الأخير، الأمر الذي يضاعف من أزمة اسرائيل و«مصداقيتها» الدولية خاصة وأن الإعلان جاء على لسان زعيم أول وأقوى دولة عربية تقيم سلاما معها وباتت معروفة بتوجهها المشجع للمفاوضات. ثالثا: اشارات متعددة على انخراط العنصر النسائي الفلسطيني في العمليات العسكرية بشكل منظم (مثل التقارير التي تحدثت عن استعداد عشرات النساء للاستشهاد). رابعا: موجة الموفدين والمبعوثين الاوروبيين والاسيويين الى الاراضي المحتلة. خامسا: عودة تظاهرات حركات «السلام الآن» بعد غياب طويل ضد «نهج» الاحتلال. وربما لم تكن صدفة ان تسبق العملية الاستشهادية في القدس الغربية بساعات تصريحات وزيري الخارجية والدفاع شيمون بيريز وبنيامين بن اليعازر 9 غسطس التي تتحدث عن عبث «العنف وتدعو الى وقفه لإستئناف المفاوضات. والأصح أن مجمل هذه المؤشرات دلت على عبث النتائج السياسية لإجراءات الأمن الاسرائيلية كما دلت على استحالة توفير الأمن مهما بلغت المناورات السياسية من دهاء يميني أو عمالي، وأياً كان التغاضي الأمريكي عن القمع الذي بلغ ذروته. خيارات عقيمة وبعد الحصار المحكم على الأراضي الفلسطينية المحتلة من الناحيتين الإقتصادية والمعيشية والأمنية وبعد الإستخدام المجنون لسلاح الطيران والصواريخ وغيرها ضد الأطفال والمدنيين، لم يعد أمام الحكومة الاسرائيلية سوى خيارات معدودة: إما التراجع عن جبروتها العسكري والإعتراف بالفشل الأمني مما يعني الإطاحة سياسيا بشارون، أو قرار الحرب المفتوحة مع دول عربية تبدو ممنوعة حسب معظم المعنيين، أو توجيه ضربات نوعية لبعض هذه الدول بما يحقق تأكيد تفوق اسرائيل التكنولوجي، لكن أحدا لن يضمن لشارون عدم الرد أو تطور الأمور دراماتيكيا كما أن من غير المؤكد إلغاء الإنتفاضة عندها. وفيما عدا الخيار الذي لجأ إليه موفقا بين عدم التفجير الشامل وبين التصعيد السياسي لم يكن أمام شارون سوى خيار تصعيدي آخر: شن حرب إبادة على الفلسطينيين أو ترحيلهم بشكل يؤدي حكما، في حال نجاحه في ذلك، الى نسف الإستقرار في عدد من الدول العربية لا سيما الأردن وبالتالي خلط العديد من الأوراق في المنطقة بما سيصيب جميع الأطراف المعنية بالشرق الأوسط بأضرار يستحيل التنبؤ بها. أما الإبادة، فإن كانت ممكنة عسكريا إلا أنها ستكون بمثابة الضربة المميتة للصهيونية وكل متفرعات الفكر اليهودي ليس على الصعيد العربي والإسلامي الذي سيخضع الى الأبد لعقدة ذنب تقصيره وإنما على المستوى البشري العام الذي سيحرر أوروبا خاصة والفكر الغربي عامة من عذاب الضمير الذي درّ ذهبا على اسرائيل لعقود مستمرة. وليس صعبا إستقراء ما سيهدد هذا الكيان عندها من عداء بشري جامح يخلف التأييد والمساعدة اللذين نالهما بعد تسويقه لضحايا «الجينوسيد» على يد النازية. والواقع أن القمع الإسرائيلي الذي بدأ يلامس هذا النوع من الجرائم هو ذاته الذي يفسر التعاطف الأوروبي خاصة والغربي عامة والذي آخذ شيئا فشيئا بتفهم خلفيات العمليات الإستشهادية وإلقاء المسئولية على شارون مجلة «ذي إيكونمست». إن إستمرار صلف شارون وإستقواءه على شعب شبه أعزل من السلاح وينشد العدل و«بعضا» من حقوقه وأرضه يساهم في تحرير الضمير الأوروبي من الشعور بالذنب تجاه اليهود وفي إستفزازه تدريجيا كما يحصل الآن تماما. ومن هنا الإهتمام الأوروبي ـ ومنه الروسي ـ المتزايد والمنتظر أن يأخذ أبعادا جديدة في ظل الإنكفاء الأمريكي خاصة إذا طالت قضية بيت المقدس. الواقع أيضا أن هذا الإهتمام يفرز منذ بعض الوقت تحركا دؤوبا يكاد يطغى على الإهتمام العربي. ومن الملفت حقا ان البيانات العربية تطالب الحكومات العربية بعمل مؤثر في مجرى الأحداث ثم تأتي البيانات الرسمية الحكومية ـ باتت ظاهرة لا تفاجيء أحدا ـ لتناشد بدورها المجتمع الدولي والولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي للتدخل وإتخاذ ما يلزم لردع إسرائيل. ومن الجدير أن نسجل في هذا السياق أن العمليات الإستشهادية إكتسبت في الآونة الأخيرة شرعية شعبية عربية قل مثيلها، إضافة الى تهرب عدد من الدول من إدانته خلافا للعادة. وهنا أيضا من العبث الفصل بين الشارع العربي والدائرة الرسمية، فالذي كان نفّس إحتقان الغضب العربي هو إنسداد الأفق أمامه، ليس فقط بسبب الحواجز الرسمية المادية والمعنوية وإنما أيضا نتيجة ضياع الرؤية العربية المشتركة من جهة والقيود المتعددة التي تحول دون تنفيذ رؤية كهذه إن وجدت. المتفرجون اليائسون إن إتفاقيات السلام تلقي على البعض أعباء والعلاقات مع الراعي الرسمي لأمن اسرائيل تحول دون تحرك البعض الآخر. ووسط هذا وذاك تتفرج النخب المثقفة بعد ان طال غياب إتصالها عن الشارع إثر الإحباطات المتتالية وإنتكاسات المشاريع القومية والإيديولوجية على أنواعها لتحل مكانها إما ثقافات السلطة أو الهامشية واللامبالاة خاصة في ظل الغياب الكلي للمنابر الحرة ـ الفاعلة في آن بعدما سيطرت المؤسسات الصحفية الكبرى والشبكات التكنولوجية الإعلامية الباهظة الكلفة على أغلب سوق المعلومات والرأي والتوجيه. وبالتالي فإن ما تبقى من نخب ملتزمة يشعر بالضعف الذي ينتظر عوامل عامة تبدل الأوضاع. وخلاصة القول ان العرب لن يتحركوا بفعالية إلا في حالة إستفزازهم المباشر من إسرائيل. وليس خافيا أن الحالة هذه هي أحد العوامل الدافعة لليأس الفلسطيني التي ساهمت في المقابل بدفعهم الى الإعتماد أكثر على أنفسهم والإلتفاف حول وحدتهم الوطنية ولجوئهم الى وسائل نضالية تحمل أسمى معاني التضحية وهي ما وجدوا فيها ضالتهم التي تردع أعتى قوة في العصر الراهن وتحافظ على نوع من توازن الرعب الذي يخيف الأقوى أكثر من الضعيف، لأن الأول لديه الكثير ليخسره خلافا للآخر الذي يسعى لإسترداد ما أغتصب منه ويبحث عن مستقبل لم يعد يملك منه إلا الأمل والإيمان. وبهذه المعادلة تستمر الإنتفاضة وأمامها العديد من الرهانات القابلة للتحقيق وأولها إسقاط ارييل شارون بعد أن أسقطت خياراته الأمنية وهي قادرة الآن على تأليب عرب الخط الأخضر وبعض الأحزاب الاسرائيلية والعالم عليه اذا نجحت في إدارة معركة بيت الشرق والقدس عامة وحافظت على الوحدة الوطنية وخاصة على الصعيد الشعبي مهما كانت المناورات الإسرائيلية والتصريحات المطمئنة لمؤسسات القدس أو غيرها علما أن إسرائيل ستحاول أن تبقي بيت الشرق وباقي المؤسسات الفلسطينية كرهينة للضغط على الإنتفاضة. بقلم د. الياس البراج ـ كاتب لبناني