جاءت العملية الفدائية الأخيرة في القدس الغربية لتؤكد ـ ليس لإسرائيل فحسب، إنما للعالم كله ـ أن الشعب الفلسطيني حي بمعنى الكلمة، وان فصائله الوطنية والإسلامية قادرة على نقل المعركة إلى قلب الشارع الاسرائيلي، وعلى ضرب هذا الشارع في مقتل. وقد سقطت الدماء وراءها الدموع في الشارع الاسرائيلي، وعرف شارون وأركان حكومته الحربية ان الدماء والدموع غالية، بعد ان كانوا يرونها رخيصة جدا في الشارع الفلسطيني. والمؤسف ان البكاء الاسرائيلي وجد له صدى يتباكى معه في العالم الغربي كله.. فيما ظل الفلسطينيون يبكون لوحدهم، من دون أن تُذرف دمعة واحدة في العالمين العربي والإسلامي. ولم يكن احتلال «بيت الشرق» ومعه تسع مؤسسات فلسطينية في القدس سوى تعبير عن العجز الفاضح الذي بات يعاني منه شارون وتتصف به حكومته.. غير انه ما كان ليقدم على هذا التصرف الخطير لولا شعوره الطاغي بأن الولايات المتحدة تؤيده في ذلك.. وان باقي الدول الغربية الكبرى لن تحول دون إتمام فعله هذا، وان بدت مستاءة على صعيد الخطاب الاعلامي فقط. لقد أدى احتلال «بيت الشرق» إلى نسف كل الاتفاقيات المبرمة بين الطرفين ـ الفلسطيني والاسرائيلي ـ منذ العام 1993م.. بل انه ينتهك كذلك كل اتفاقيات السلام التي وقعتها الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة وبالتالي فإن التصرف الاسرائيلي الأخير يجدد صب النار على زيت الصراع على المدينة المقدسة.. ويدفع الشعب الفلسطيني إلى تصعيد المقاومة ـ بكل أشكالها ـ لتحرير القدس واستعادة «بيت الشرق» والمؤسسات الفلسطينية الأخرى التي احتلتها اسرائيل مؤخرا. غير ان ذلك لن ينجز نصرا من دون رفع وتيرة التضامن العربي والإسلامي لدعم الانتفاضة الفلسطينية، فقد ظل هذا التضامن ـ في الآونة الأخيرة ـ أقل كثيرا من المستوى المطلوب.. فالحكومات العربية مازالت على مواقفها.. والشارع العربي الذي بدأ ساخنا اصابته حمى الحكومات فعاد يعاني من البرودة الشديدة. إن كل الوقائع التي شهدتها الأيام الأخيرة تشير بوضوح ساطع إلى الافلاس السياسي المدقع الذي أصاب السلطات الاسرائيلية.. وهو ما ينذر بأن يضطر شارون إلى أن يدفع المنطقة كلها إلى الانفجار، غير عابئ بالثمن الباهظ الذي سيدفعه الجميع جراء ذلك، وان الشعب الاسرائيلي سيكون دافع القسط الأكبر فيه بلا شك. وقد كان لافتا للاهتمام ان عددا من اليهود الاسرائيليين والامريكان وغيرهم كانوا في مقدمة الحشود التي اكتظت بها ساحة «بيت الشرق» للتنديد باحتلاله، والمطالبة باخلائه من القوات الاسرائيلية واعادته إلى السلطة الفلسطينية. لكن شارون لم يعترف يوما بأي معنى للسلام بين شعبه والفلسطينيين.. بل انه كان على الدوام رمزا للعنجهية الصهيونية والغطرسة الاسرائيلية، ولم يوفر يوما دليلا جديدا على ذلك، وهي كلها أدلة تنضح دما وبارودا.. استحق بها أن يصبح جزار القرن على الاطلاق. حسن عبدالوارث