بإعطائه الأوامر لقوات الاحتلال بالاستيلاء على بيت الشرق في القدس المحتلة، يكون الارهابي الصهيوني الموغل في عنصريته ارييل شارون قد وسع معركة القدس التي اشعل فتيلها بنفسه عندما دنس الحرم القدسي الشريف من خلال زيارته الاستفزازية التي قام بها في الثامن والعشرين من سبتمبر العام الماضي، والتي كانت السبب المباشر في اندلاع انتفاضة الاقصى. والحقيقة ان احتلال بيت الشرق يحمل في طياته اكثر من مغزى، اذ ان بيت الشرق هذا لا يمثل في نظر الفلسطينيين معلما من معالم القدس العربية فحسب وانما يمثل بالنسبة لهم رمزا وطنيا يرتبط ارتباطا وثيقا بنضالهم الدامي من اجل الحرية والاستقلال واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف. ولانه يعد المقر شبه الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية في المدينة المقدسة، وهي المنظمة التي تمثل بدورها رمز نضال الفلسطينيين وهويتهم الوطنية بالاضافة الى كونها ممثلهم الشرعي والوحيد لذلك فإن احتلال بيت الشرق يشكل في الحسابات السياسية والوطنية الفلسطينية خسارة كبيرة يصعب عليهم القبول بها وعلى الرغم من ان بيت الشرق، الذي يرتبط تاريخيا بأحد رموز النضال الفلسطيني الشهيد عبدالقادر الحسيني الذي دفع حياته ثمنا للدفاع عن فلسطين، وكذلك بالشهيد فيصل الحسيني الذي اتخذ من بيت الشرق موقعا ومنبرا يدافع فيه عن قضيته ويشرحها للعالم، على الرغم من ان بيت الشرق هذا موجود داخل مدينة القدس المحتلة اصلا، الا ان رفع العلم الاسرائيلي عليه بعد انزال العلم الفلسطيني يعد احتلالا جديدا يوازي في خطورته احتلال المدينة المقدسة بعد عدوان الخامس من يونيو عام 1967. أهداف العدوان ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذه المرحلة هو: لماذا اختار العدو الصهيوني بيت الشرق تحديدا في رده على عملية القدس الاستشهادية الاخيرة ولم يقم برد عسكري قوي كما كان متوقعا؟ وما هي الرسائل التي يريد ان يوجهها العدو، سواء للفلسطينيين او الى العالم؟ قبل الاجابة على مثل هذه التساؤلات وغيرها لابد لنا اولا من التذكير ببعض المراحل التاريخية لهذا المعلم الفلسطيني النضالي. فعدا كونه يعود الى عائلة مقدسية عريقة وقديمة عاصرت مراحل النضال الفلسطيني من بداياته واسهم ابناؤها كغيرهم من ابناء الشعب الفلسطيني في هذا النضال، الا ان ما يميز بيت الشرق هو انه مثل معلما فلسطينيا بارزا منذ عشرات السنين وليس في السنوات القليلة الماضية كما يعتقد البعض. اذ ان افتتاح بيت الشرق كمقر للضيافة جرى في عام 1897 اي منذ اكثر من قرن من الزمان، كما انه استضاف في عام 1900 امبراطور المانيا فيلهيلم. وعلى الرغم من انه ظل يلعب دورا بارزا في الشارع الفلسطيني من خلال النشاطات التي كان يقوم بها الا ان هذا الدور تزايد بعد توقيع اتفاقيات اوسلو ليتحول كما هو معروف الى مقر شبه رسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفي داخله اجرى الشهيد فيصل الحسيني الذي شغل منصب مسئول ملف القدس في السلطة، الكثير من المشاورات واجرى العديد من اللقاءات مع الكثير من الدبلوماسيين ووزراء خارجية الدول الاوروبية وغيرهم ممن كان يساهم في عملية التسوية في المنطقة، اي انه كان المكان الانشط للمحادثات والمشاورات الهادفة الى تحقيق السلام في المنطقة. ومن هنا اكتسب بيت الشرق مكانة عالمية تضاف الى مكانته الوطنية، باعتباره احد رموز منظمة التحرير الفلسطينية التي تعد حاضنة النضال الوطني الفلسطيني في المدينة المقدسة. وهكذا نرى ان العدو الصهيوني باستهدافه بيت الشرق يكون قد استهدف عمليا رغبة الشعب الفلسطيني في الاستقلال، او على اقل تقدير اشعار الفلسطينيين بأن مدينة القدس خارج حسابات التسوية بالنسبة لاسرائيل، وانها حسب المزاعم الصهيونية ستبقى العاصمة الموحدة والابدية للكيان الصهيوني، كما ان هذا الاستهداف الصهيوني للمؤسسات الفلسطينية في القدس المحتلة يعد احدى الخطوات التمهيدية لتهويد المدينة المقدسة استنادا الى مخططات اسرائيلية قديمة، بدأت عمليا بعد عدوان الخامس من يونيو عام 1967 مباشرة وتوالت فصولها عبر جرائم متعمدة طالت الاماكن الاسلامية والمسيحية المقدسة وفي مقدمتها الحرم القدسي الشريف الذي يزعم الصهاينة انه مقام فوق هيكلهم المزعوم ايضا. وهكذا نرى ان العدو استغل عملية القدس الاستشهادية لتمرير خطوات كان قد خطط لها مسبقا بانتظار الذريعة التي تتيح له تنفيذها. الفشل العسكري ولو بحثنا عن الرسائل التي اراد العدو ارسالها من خلال جريمته الجديدة هذه، لوجدنا ان اولى هذه الرسائل موجهة الى السلطة الفلسطينية والى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات شخصيا، حيث يريد العدو ان يوهم عرفات بأنه سيخسر الكثير من المكاسب التي جناها من خلال عملية التسوية اذا لم يرض بالشروط والاملاءات الاسرائيلية، ناهيك عن التلويح بأن اسرائيل ستتراجع عن الالتزامات التي وقعت عليها بالكامل اذا لم يرضخ الطرف الفلسطيني لشروطها، خاصة اذا ما اخذنا بعين الاعتبار ان احتلال بيت الشرق والمؤسسات الفلسطينية الاخرى في القدس المحتلة جاء في وقت تتزايد فيه الاصوات الاسرائيلية الداعية الى القضاء على السلطة الوطنية الفلسطينية، بل والتعرض شخصيا لحياة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بعد التحلل من كافة الالتزامات التي تفرضها اتفاقيات اوسلو الموقعة بين «اسرائيل» وم.ت.ف عام 1993. ولهذا يمكننا ان نقول ان العدو الصهيوني باحتلاله لبيت الشرق والمؤسسات الفلسطينية في القدس انما يتنصل احاديا من عملية التسوية ككل، وهو هدف وشعار طرحه رئيس وزراء الكيان الصهيوني عندما كان في صفوف المعارضة حيث ابدى اكثر من مرة معارضته الشديدة لاتفاقيات اوسلو، زد على ذلك ان حكومة الارهابي ارييل شارون ومنذ وصولها الى السلطة في الكيان الصهيوني لم تقدم او لا تمتلك في الاساس مشروعا سياسيا، وانما تحمل حلولا امنية للكيان الصهيوني كما تزعم، ومن هنا نرى ان كل الخطوات التي اقدمت عليها هذه الحكومة انما تنسجم تماما وبرنامجها الذي قدمته للصهاينة كما تنسجم وحملة شارون الانتخابية قبل وصوله الى السلطة. واذا رغبنا ان نستوضح الخطوة الاسرائيلية باحتلال بيت الشرق والمؤسسات الفلسطينية الاخرى في القدس بشكل اكثر، نستطيع ان نقول ايضا بأن هذه الخطوة تقدم دليلا صارخا على الفشل العسكري الاسرائيلي وعجز العدو عن كسر مقاومة الشعب الفلسطيني واجهاض انتفاضته، الامر الذي دفعه الى توجيه ضربة سياسية للفلسطينيين يعتقد بأنها قد تسهم في تليين ارادة هذا الشعب، وهو ما يفسر في الواقع تصريحات وزير الحرب الصهيوني بنيامين بن اليعازر التي اعترف من خلالها بعجز آلة الحرب والعدوان الاسرائيلية عندما اعلن انه لا يوجد اي حل عسكري للصراع الفلسطيني الاسرائيلي، علما بأن اليعازر هذا هو نفسه الذي توعد بكسر مقاومة الشعب الفلسطيني عندما تسلم مهام منصبه قبل عدة شهور، تماما كما توعد سيده الارهابي ارييل شارون بإنهاء الانتفاضة خلال مئة يوم. واذا كان هذا هو حال الصهاينة بعد مرور نحو احد عشر شهرا على اندلاع انتفاضة الاقصى، فإن الرد الفلسطيني كان هو الآخر واضحا ولا يقبل التأويل، حيث اكد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وجميع القيادات الميدانية للانتفاضة ان العدوان الاسرائيلي بشقيه العسكري والسياسي على الشعب الفلسطيني لن يزيد هذا الشعب الا قوة وصلابة ووحدة. واكبر دليل على ذلك هو تلاشي الخلافات بين الفصائل الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية، بل ودعوة هذه السلطة الفصائل الفلسطينية الوطنية والاسلامية الى فتح حوار وطني، بعدما ايقنت ان العدو الصهيوني غير معني بعملية السلام وان يد الفلسطينيين التي امتدت الى السلام قوبلت بيد اسرائيلية تريد القتل والتدمير. لعبة جديدة ولعل ما يجب الانتباه اليه هنا وعندما نتحدث عن احتلال الصهاينة لبيت الشرق والمؤسسات الفلسطينية في المدينة المقدسة، هو ان خطوة العدو هذه ربما تكون محاولة منه لتشتيت الانتباه الفلسطيني. ذلك ان بيت الشرق على اهميته ومكانته وما يرمز اليه بالنسبة للفلسطينيين، يجب الا ينسينا الهدف الذي حددته انتفاضة الاقصى لنفسها، وهو دحر الاحتلال الاسرائيلي وطرد المستوطنين الصهاينة من الاراضي الفلسطينية المحتلة واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، والا فإننا نكون عندئذ قد وقعنا في فخ سياسي نصبه العدو بدقة، وهو شغل الفلسطينيين بقضايا فرعية متفرعة عن الصراع العربي الصهيوني وناتجة عن العدوان الاسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني. وهو امر يبدو ان القيادة الفلسطينية تنبهت له مع كافة الفصائل الفدائية الفلسطينية، حيث اكد وزير الاعلام الفلسطيني ياسر عبدربه ان تراجع العدو عن احتلال بيت الشرق والمؤسسات الفلسطينية الاخرى في القدس يعد شرطا اساسيا قبل الحديث عن اي خطوات اخرى كوقف اطلاق او تنفيذ قرارات لجنة ميتشل، وان انسحاب جنود العدو من الاماكن التي احتلوها في القدس ليس هدفا بحد ذاته بمقدار ما هو شرط لاستئناف اي عملية تفاوضية. اخيرا يجب التذكير بأن معركة القدس الشريف بكافة جوانبها وتعقيداتها، ليست ويجب الا تكون معركة الفلسطينيين وحدهم وإنما معركة العرب كافة، وان لغة الشجب والادانة التي أدمن عليها الرسميون العرب اثبتت مع الايام عقمها وفشلها، وان على العرب ان ارادوا ان يخدموا قضية القدس بشكل خاص والقضية الفلسطينية عامة ان يقدموا الدعم الفعلي وليس اللفظي للشعب الفلسطيني المقاوم، وان يمارسوا دورا فاعلا على الساحة الدولية من اجل الضغط على العدو الصهيوني. وإلا فإن رفع العلم الاسرائيلي فوق بيت الشرق في القدس لن يكون الا خطوة اولى قبل رفعه فوق الحرم القدسي الشريف، في قدس الاقداس. بقلم: نبيل سالم ـ كاتب واعلامي فلسطيني