فرضت المعركة البطولية التي خاضها الفلسطينيون دفاعاً عن جنين، وافشالهم بسلاح الارادة آلة الحرب الاسرائيلية على المراقبين استدعاء معارك مماثلة في حقبة الستينيات أيام تأجيج النضال المسلح الفلسطيني والعصر الذهبي للمقاومة. فمن جانبه رأى أحد كبار المحللين العسكريين الاسرائيليين زئيف شيف في مقاله بصحيفة «هآرتس» أمس ان معظم جنرالات الجيش الاسرائيلي لم يتعلموا شيئاً من التاريخ، واستذكر معركة بين «فتح» وجيش الاحتلال في جنين عام 1965. ويقول شيف في مقاله في العام 1965، في الليلة بين 27 و28 مايو، بعث بالجيش الاسرائيلي لتفجير اهداف في جنين ردا على عملية قامت بها فتح، الليلة السابقة، في منطقة العفولة. والجنرالات في الجيش الاسرائيلي الذي كان رئيس اركانه اسحق رابين، أقنعوا الحكومة بشن عملية رد فورية، وحينذاك ايضا قرروا عمل كل شيء كي لا يلحقوا الأذى بالمدنيين وكان الاردنيون في حينه يسيطرون على الضفة الغربية، واتهمتهم اسرائيل بأنهم لا يكبحون عمليات فتح. وقد جند للقيام بالعملية المظليون بقيادة رفائيل ايتان، وفي جنين فجرت القوة الاسرائيلية مطحنة قمح ومصنع ثلج. وبالمقابل جرت عمليتان مشابهتان في قلقيلية فجرت قوة اسرائيلية محطة وقود، وفي الشونة شرقي نهر الاردن فجر منزل ضابط استخبارات اردني. وكانت تلك هي المرة الاولى التي تنطلق فيها اسرائيل في عمليات رد منذ العملية الكبرى وكثيرة الخسائر التي قام بها الجيش الاسرائيلي في قلقيلية، في اكتوبر 1956، والتي قادها ارييل شارون. وكانت الحماسة ضد الاردن وضد الملك حسين، والذي غدا مع السنين صديقا حقيقيا لرئيس الوزراء اسحق رابين، قد بلغت في حينه الذروة. ومع ان التاريخ يكرر نفسه ويثبت بالمناسبة ان معظم الزعماء والجنرالات لم يتعلموا منه شيئا، حتى عندما يكون الحديث يدور عن تاريخ شعبهم، فقد أكملت عملية هذا الاسبوع جولة بدأت في جنين قبل نحو 36 سنة. المدينة لم نحتلها، دخلنا وخرجنا فورا بعد عملية رمزية. ومثلما في العام 1965، هذه المرة ايضا شرح الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي انه تم اختيار الاهداف بشكل لا يؤدي الى خسائر في أرواح المدنيين، وأشار الى سلسلة عمليات ضد اسرائيل مصدرها في منطقة جنين وقلقيلية. وقد كان يمكن اعفاء الذات من العمل ونشر البيان من العام 1965. يمكن لنا ان نتعلم من العملية في جنين بأن «بنك الاهداف» في السلطة الفلسطينية والمنظمات الموصوفة عندنا كمنظمات ارهاب لهو أغلب الظن شحيح جدا. فالحقيقة هي ان قائمة الاهداف التي تظهر في كراس خاص بهذا الشأن، والذي أعده الجيش الاسرائيلي، طويلة على نحو خاص بالذات. ولكن الشح ينبع من انعدام الابداع وغياب الملاءمة الكافية مع التغييرات الاستراتيجية. ويستخلص زيف شيف ان مسار شارون هو التدهور ونهايته حرب شاملة. هكذا كان في حرب العام 1956، وبعد ذلك في العام 1967. والانطباع هذه المرة ايضا هو ان الحكومة تسير على رسلها نحو مسار العمليات العسكرية الواسعة. صحيح انها لا تريد الحرب الشاملة وغير معنية بانزلاق النزاع الى حدود اخرى، ولكن النهج الراهن سيؤدي بالضرورة الى المزيد فالمزيد من الاجتياحات لمناطق «أ» قد تنشأ بالتأكيد اوضاع اللامفر ـ عندما يعرض الفلسطينيون من منطقة مجاورة المراكز السكانية الاسرائيلية للخطر، في جيلو او الخليل مثلا، ولكن من الزائد العودة الى عمليات الرد اياها، لا من حيث النهج ولا من حيث المبدأ، وجعلها موضوعا ممجوجاً ـ النصر هذه المرة لن نجده في انتصارات الماضي. القدس المحتلة ـ «البيان»: