تمثل الجمعيات الأهلية الاسلامية في مصر ظاهرة غير عادية، حيث تمارس نشاطا يتزايد تأثيره باستمرار عبر تقديمها خدمات متنوعة لملايين المواطنين اضافة الى دورها التربوي في غرس قيم معينة نابعة من التوجهات الاسلامية لقيادات هذه الجمعيات مثل الدعوة الى شيوع الحجاب والفصل بين الجنسين، كما يتمثل تأثيرها كذلك في قدرتها على الانتشار وتنامي اعدادها بأرقام كبيرة حتى وصلت نسبتها بين الجمعيات الأهلية مايقرب من 34% تشكل كل محافظات ومدن بل وقرى مصر. ورغم الدراسات والبحوث العديدة التي أجريت حول الجمعيات الأهلية ونشأتها ودورها وتمويلها وعلاقاتها مع الدولة. الا أن هذه الظاهرة لم تأخذ حقها من البحث العلمي الجاد الا نادرا. وحول معايير تصنيف الجمعيات الأهلية الاسلامية في مصر يقول الباحث حسنين كشك بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن القليل من الباحثين المصريين اهتموا بقضية معايير التصنيف وذلك لأسباب عديدة منها عدم تمييز البيانات التي توفرها وزارة الشئون الاجتماعية عن الجمعيات الاسلامية عن غيرها من الجمعيات، فهي توضع من حيث النشاط ضمن الجمعيات الثقافية والعلمية. كما تعود هذه المشكلة أيضا الى اقتصار العديد من الدراسات على ذكر اسم الجمعية ونوع النشاط في تصنيف الجمعيات الدينية. ويضيف الباحث انه لهذه الاسباب تباينت معايير التصنيف ومن ثم تباينت اعداد الجمعيات الأهلية الاسلامية.. وأعتقد أنه لمواجهة أسباب القصور في رصد وتصنيف الجمعيات الأهلية الاسلامية فإن الأمر يتطلب اجراء مسح شامل يهدف الى استقصاء واقع هذه الجمعيات وفق عدد من المؤشرات أو المعايير المترابطة، وهي: اسم الجمعية، ونوع النشاط والفاعلية، وحدود العلاقة بكل من الحركات الاسلامية والدولة.. وكانت دراسة سابقة اعتمدت على تصنيف الاسم ونوع النشاط جاء فيها أن نسبة الجمعيات الاهلية الاسلامية تصل الى حوالي 34% من مجموع الجمعيات الأهلية في مصر وهو 12832 جمعية في عام 1991. النشأة ويطرح الباحث حسنين كشك نشأة الجمعيات الأهلية الاسلامية في مصر حيث يقول: انه من الثابت تاريخيا، اسبقية وجود الجمعيات الثقافية والعلمية بالنسبة لغيرها من الجمعيات وبصفة خاصة الجمعيات الدينية فقد تأسست أول جمعية أهلية في مصر عام 1821، وهي الجمعية اليونانية بالاسكندرية، ثم تأسست جمعية معهد مصر للبحث في تاريخ الحضارة المصرية في عام 1859، وجمعية المعارف في عام 1875، والجمعية الجغرافية في نفس العام، وفي عام 1878 تأسست أول جمعية أهلية اسلامية في مصر وهي الجمعية الخيرية الاسلامية، ثم توالى تأسيس الجمعيات الدينية، الاسلامية والقبطية، وانتشرت فروعها في جميع انحاء البلد، وقدر عدد الجمعيات الاسلامية بحوالي 20 جمعية، والقبطية بحوالي 11 جمعية، وذلك قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. ويمكن تفسير هذا التأخر النسبي في نشأة الجمعيات الدينية بعدة عوامل لعل من أهمها عدم الشعور بالاحتياج لمثل هذه التنظيمات الحديثة في ظل هيمنة نظم أو مؤسسات تقليدية نجحت الى حد كبير في تلبية الاحتياجات والمطالب المجتمعية.. فالجامع كان يلعب دورا أساسيا في حياة المسلمين ومن خلاله توزع الصدقات والزكاة على الفقراء، يضاف الى ذلك الدور الذي لعبه نظام الوقف الاسلامي، وقد يكون لانتشار الطرق الصوفية ـ كتنظيمات شعبية قاعدية ـ أثره على ذلك التأخر النسبي في نشأة الجمعيات الاهلية الاسلامية في مصر.. واذا كان الأمر كذلك فلماذا نشأت هذه الجمعيات؟! اسباب الانتشار يقول الباحث: هناك تفسيرات عديدة لذلك، ومنها نشاط البعثات التبشيرية الدينية الذي أدى الى معارضة المصريين جميعا، المسلمين والأقباط، لتأسيس الجمعيات الدينية التي استخدمت نفس «أسلحة» البعثات التبشيرية مثل تقديم الاعانات الى الفقراء وانشاء المدارس المجانية لتعليمهم.. أيضا نشأت الجمعيات لمواجهة الاحتلال البريطاني لمصر 1882، حيث سعت الى مقاومة الاحتلال واستبداد الحكم.. كما ذكر البعض أن الدافع الرئيسي لقيام الجمعيات الاسلامية كان مارآه منشئوها من خطر يتهدد «الاسلام» في مواجهة عوامل المدنية والحضارة الأوروبية الوافدة فضلا عن النمو المطرد للمدارس الحديثة ونظم التعليم على حساب نمط التعليم الديني التقليدي، والانتشار الهائل لوسائل الاعلام وأجهزة التثقيف الحديثة مما جعل الثقافة الدينية تتراجع عن مركز الصدارة في نظر منشئ هذه الجمعيات.. وقد شهد انتشار هذه الجمعيات فترات تزايدت فيها بأعداد كبيرة وأخرى خبت وهبط عددها وخاصة في الفترة من قيام ثورة يوليو 1952 وحتى مطلع التسعينيات وهي المرحلة التي يطلق عليها الباحثون «مرحلة الانكسار» وذلك للقواعد القانونية الحاكمة للجمعيات الأهلية التي وضعتها الدولة وجعلتها تحت قبضتها واشرافها وبرغم اتفاق عدد كبير من الدراسات حول طبيعة موقف الدولة من الجمعيات بصفة عامة فقد ارتفع عددها من 7593 جمعية في عام 1976 الى 11776 جمعية عام 1986 ثم الى 13239 جمعية في عام 1991. ويتطرق الباحث «حسنين كشك» الى العلاقة بين حركة الاسلام السياسي والجمعيات الأهلية الاسلامية قائلا: أن هذه العلاقة لا تقوم الا في عدد من الجمعيات الاسلامية، حتى انه يمكن القول أن معظم الجمعيات الأهلية الاسلامية بعيدة عن النفوذ السياسي أو حتى التأثير السياسي لحركة الاسلام السياسي، كما أن هذه العلاقة قد تنشأ بشكل تاريخي بسبب وجود واحد أو أكثر من القيادات التاريخية للاخوان المسلمين في قيادة الجمعية أو جود علاقة قوية بين الاخوان ومؤسس الجمعية، وقد تنشأ بسبب تغلغل نشطاء حركة الاسلام السياسي داخل الجمعية والسيطرة عليها، أو في حالة التقاء المصالح بين الدولة وجماعات الاسلام السياسي في فترة محددة ولأهداف محددة وتسمح لهم بالنفاذ الى جمعيات بعينها مثلما حدث في منتصف السبعينيات. ضد اليسار وتضيف الباحثة الدكتورة هويدا عدلي خبيرة العلوم السياسية وقياسات الرأي العام بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن أحد أهم الأسباب الرئيسية المؤدية الى ارتفاع عدد الجمعيات الاسلامية هو سياسة الرئيس المصري السابق أنور السادات الرامية لاستخدام الحركة الاسلامية في مواجهة اليسار والناصريين، أما في فترة الثمانينيات فقد كان السبب الأهم وراء الارتفاع بل وزيادة الفاعلية والنشاط لهذه الجمعيات هو تراجع دور الدولة الاجتماعي نتيجة التزامها بحزمة سياسات التكيف الهيكلي والاصلاح الاقتصادي والتي تفرض الحد من الانفاق الاجتماعي، ففي مقابل تراجع دور الدولة اتسع دور الجمعيات الاسلامية، فهي تقدم خدمات أفضل مماتقدمه الدولة وأقل تكلفة مما يقدمه القطاع الخاص. شبكة روابط وتقول الباحثة ان الجماعة الاسلامية نجحت في خلق شبكة من الروابط المصاحبة مع عديد من فئات المجتمع وخاصة سكان الاحياء الفقيرة والمتوسطة في المدن من خلال قيامها بإنشاء سلسلة من دور الحضانة والمدارس والمستشفيات التي تقدم خدماتها الاجتماعية والصحية مجانا أو بأجور رمزية. وقد اتسع مجال الجمعيات ليشمل مجالات شتى في التعليم والصحة وكافة الخدمات الصحية وليسد جزءاً كبيراً من الفراغ الذي تركته الدولة.. وتجدر الاشارة الى ان جماعة الاخوان المسلمين اتجهت الى دعم بعض الجمعيات الخيرية والدينية مثل الدعوة الاسلامية والجمعيات الشرعية والهداية الاسلامية وانصار السنة المحمدية وهي جمعيات لا تعمل في الحقل السياسي مباشرة ولكن بعضها يشكل قنوات التجنيد لعضوية الاخوان من ناحية وعنصرا مساندا لسياسات الجماعة ومرشحيها في الانتخابات في ناحية أخرى.. وفي البداية كان هذا الدور مقبولا، بل يكاد يكون مفيدا من وجهة نظر الدولة مادام يقلل من اعبائها ويخفف من حدة التوتر الاجتماعي، الا انه مع زلزال 1992 تغير الموقف تغيرا جذريا، فقد نجحت المنظمات الأهلية الاسلامية في مجالات الاغاثة وكانت أكثر فاعلية من الحكومة ففي غضون ساعتين من حدوث الزلزال كانت قوافل الأطباء والطعام والأغطية والأدوية منتشرة في المناطق المنكوبة خاصة الفقيرة، في الوقت الذي كانت الدولة مازالت عاجزة عن التصرف، وقد نقلت شبكة CNN المشهد ممادفع الدولة لاصدار أوامر عسكرية تحظر تقديم أي خدمات مباشرة لضحايا الزلزال الا من خلال وزارة الشئون الاجتماعية أو الهلال الأحمر. وتشير الباحثة د.هويدا عدلي الى أن أهم مايميز الجمعيات الاسلامية قدرتها ـ بالمقارنة بالجمعيات الأهلية الأخرى ـ على تحقيق قدر من الاستقلال عن الدولة ولا سيما فيما يتعلق بالدعم الحكومي. فهي تمتلك قدرات عالية على تعبئة المتطوعين والتمويل المطلوب اذ تعتمد اساسا على أموال الصدقات والزكاة والتبرعات، وتشير احدى الدراسات الى أن حصيلة أموال الزكاة والتي تشكل نصف موارد الجمعيات الاسلامية قد وصلت الى 5 ملايين دولار في عام 1998، وتجدر الاشارة الى أن هذا المبلغ موجه من خلال ثلاثة آلاف مسجد فقط. مجال واسع وفي هذا الاطار يشير الكاتب الصحفي عبدالغفار شكر الى أن كافة الدراسات التي تناولت العلاقة بين الجمعيات الاهلية الاسلامية والتيار الاسلامي تؤكد أن ظاهرة الجمعيات الاسلامية أوسع بكثير من حركة الاسلام السياسي، وانه اذا كانت بعض قوى الاسلام السياسي تسعى الى توظيف هذه الجمعيات لخدمة أهدافها السياسية فإن هذا السعي كان قاصرا على دائرة محدودة من الجمعيات ولبعض الوقت، وانه سرعان ماكانت أجهزة الدولة تتدخل لانهاء هذا التداخل بين هذه القوى وبعض جماعات الاسلام السياسي، أما الأغلبية العظمى من هذه الجمعيات الاسلامية فإنه لا يوجد مايشير الى صلة مباشرة لها بهذه الجماعات.. ولا تمنع هذه الحقيقة من أن النشاط الثقافي والديني للجمعيات الاهلية الاسلامية يساعد بشكل غير مباشر على توفير الأرضية الخصبة لنمو الاتجاهات الاسلامية السياسية بما تغرسه من قيم وسلوكيات لدى اعضائها والمستفيدين من خدماتها.. وهناك نسبة غير قليلة من الجمعيات الأهلية الاسلامية لا تملك من هذه الصفة سوى الاسم لأنها نشأت في الحقيقة بهدف تجاري اتخذ من الاسلام غطاء له مثل بعض جمعيات الحج وبعض الجمعيات التي انشأت مستوصفات طبية ومدارس اسلامية. أدلة على النجاح ويطرح الباحث الدكتور عماد صيام عددا من الدلائل على نجاح نشطاء الحركة الاسلامية في تسييد مناخ وثقافة التدين ومنها انتشار مايعرف بالزي الاسلامي خاصة الحجاب لدى الفتيات والنساء، ثم تطور للنقاب للدرجة التي دفعت وزير التعليم للتدخل للحد من انتشار الظاهرة في المؤسسات التعليمية، وارتفاع مبيعات شرائط الكاسيت والفيديو ذات الموضوعات الدينية أو التي تتناول خطب رموز التيار الاسلامي السياسي في المساجد التابعة لهم، نهاية بمحاكمات الجماعات الاسلامية والدفوع التي قدمت فيها. كما ارتفعت اعداد لجان الزكاة والتي أسس معظمها في المساجد لتحصيل أموال الزكاة، ايضا ارتفعت اعداد المساجد الأهلية غير الخاضعة لوزارة الأوقاف والتي تحولت في معظمها لبؤر لنشاطات التيار الاسلامي والمتعاطفين معه.. وكذلك تزايدت اعداد الجمعيات الأهلية ذات الطابع الديني والتي تنشط في اطار الفكرة أو الحالة الاسلامية بمعنى انها ليست مجرد جمعيات ذات طابع خيري أو انمائي بل توظف الدور الخيري أو الانمائي على أرضية الفكرة الدينية في دعم الجهود الرامية لتعظيم نفوذ تيار الاسلام السياسي، وهو ماتم من خلال الارتباط المباشر عبر سيطرة نشطاء الحركة الاسلامية على عدد من الجمعيات الاهلية، وايضا من خلال الارتباط المباشر وذلك عبر تمحور أنشطة عدد من الجمعيات الأهلية حول الفكرة الدينية والشعارات الاسلامية التي تتبناها حركة الاسلام السياسي. ويؤكد الدكتور عماد صيام ان الجمعيات الأهلية الاسلامية شكلت اطارا شرعيا ومأمونا لتوفير الموارد المالية لتمويل أنشطة الحركة الاسلامية على اختلافها والتي اسهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في دعم نفوذها السياسي وهو التمويل الذي أتى من عدة مصادر وهي كالآتي: أولا: مصادر خارجية وهنا يبرز بوضوح دور الجمعيات الأهلية الدينية التي تحولت الى قنوات لضخ الملايين من أموال المتعاطفين مع الحركة الاسلامية وأنشطتها بدول الخليج سواء كان هؤلاء المتعاطفون أفرادا أو هيئات حكومية أو غير حكومية، ويشير الدكتور عماد صيام الى نموذج واحد يوضح مدى حجم التمويل الذي يأتي من الخارج لهذه الجمعيات، وهو التبرعات التي قدمتها إحدى الجمعيات الخليجية لعدد من الجمعيات المرتبطة مباشرة بحركة الاسلام السياسي والتي ساعدتها في بناء 12 مركزا اسلاميا و3 وحدات صحية و42 مكتبة دينية وعدة مشروعات استثمارية بخلاف عدة مساجد وكان ذلك كله يقدر بـ 500 مليون جنيه مصري. ثانيا: مصادر محلية وشملت. 1ـ التبرعات من خلال الحملات المنظمة لدعم مجاهدي افغانستان أو ضحايا البوسنة والهرسك أو لمشروعات الجمعيات لكفالة اليتيم أو لبناء المساجد وصناديق تبرعات المساجد ولجان الزكاة ويقدر بعض الخبراء الاقتصاديين أن نشطاء الاسلام السياسي استطاعوا خلال عام واحد فقد 1992 جمع حوالي 15 مليون جنيه تحت شعار المعاونة في بناء المساجد والتي ذهب جزء كبير منها لتمويل أنشطتهم السياسية.. وايضا هناك عوائد الانشطة ذاتها التي يديرونها والتي توفر لهم موارد لا بأس بها مثل المستوصفات الطبية والمدارس ومشاغل الخياطة ودور الحضانة والأسواق الخيرية، ايضا الدعم الحكومي المحدود الذي تقدمه الدولة للعديد من أنشطة الجمعيات الأهلية الدينية. ثالثا: المنح الدولية: وقد استطاعت احدى الدراسات تقدير حجم تمويلات الجمعيات الدينية خلال عام واحد 1992 فأشارت الى توزيع 85.8% من اجمالي دخول الجمعيات الدينية الاسلامية والذي لا يتجاوز نصيب منظمات التمويل الدولية منه في اطار المشروعات والأنشطة التي تنفذها 5% ويعد هذا المورد من أقل الموارد مصادر التمويل للجمعيات في مصر وهو يقدر بـ 275ـ 350 مليون جنيه مصري، في الوقت الذي لا تتجاوز احتياجاتها 90 ـ 70 مليون جنيه، وتشير مصادر الدراسة الى أن توزيع مصادر الموارد كالتالي: 10% دعم حكومي، 5% مساعدات أجنبية، 38.6% عائدات أنشطة، 26.9% تبرعات. المرأة والجمعيات وفي دراسة لها حول النساء في العمل الأهلي الاسلامي، تقول الباحثة عزة خليل، أن عدد الجمعيات الأهلية النسائية في مصر قد يصل الى 200 جمعية تتضمن فيما بينها 119 جمعية يتضح من تسميتها صفاتها النسائية، هذا الى جانب 32 جمعية نسائية اسلامية و23 جمعية نسائية مسيحية و16 ناديا اجتماعيا نسائيا، وبهذا التقدير فإن نسبة الجمعيات النسائية هي 1.4% من اجمالي عدد الجمعيات الأهلية في مصر.. واذا كانت لا توجد بيانات توضح تطور عدد الجمعيات الأهلية الاسلامية النسائية الا انه من المرجح أن هذا الرقم قد تزايد في الفترة الاخيرة مع زيادة عدد الجمعيات الأهلية الاسلامية عموما، ومن المعروف أن ظاهرة الحجاب قد تصاعدت في مصر في العقود الاخيرة ويمكن ارجاع ذلك الى كثير من العوامل الثقافية والاعلامية والاجتماعية والاقتصادية، وعلى الرغم من تعدد أنماط الحجاب، من الحجاب الأنيق عند نساء الطبقات الميسورة والوسطى أو الحجاب المعتاد «غطاء الرأس الذي يخفي الشعر» عند الطبقات الشعبية أو على الصورة التي عرفت بالخمار أو بالأخرى التي عرفت بالنقاب الا أنه يشير الى تأثر نسبة كبيرة من نساء مصر بالمناخ الذي اصبح سائدا وهو ماأسماه البعض بحالة الاسلمة. وتضيف الباحثة عزة خليل انه بصرف النظر عن اسباب سيادة هذا المناخ سواء كانت في نفاذ دعاية التيار الاسلامي أو في مزايدة الدولة عليهم في سباق الهوية الاسلامية أو في الفراغ الناجم عن سقوط المشروع القومي بطموحاته العلمانية الكبرى، أو في اللجوء الى شكل من أشكال التحصن بالذات في مواجهة التغيرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي تدور حولهن بسرعة رهيبة، الا انه أصبح سائدا وفقا لاجماع كثير من المحللين وفي كل الأحوال يمكن ان نتوقع في هذا المناخ زيادة اتجاه من لديهن الاستعداد للانخراط في العمل الأهلي ـ وخاصة من الطبقات الميسورة ـ الى الجمعيات الاسلامية. وتشير الباحثة الى أن هذا المناخ كان مناسبا لانتشار ماسمى بتوبة الفنانات أو حجاب الفنانات، وتقول: ان نماذج كثيرة من هؤلاء الفنانات قد تفرغن بعد اعتزال العمل الفني الى انشاء جمعيات أهلية نسائية اسلامية أو التحقن بجمعيات موجودة فقدمن لها الدعم المالي والأدبي والاعلامي، ومن الأمثلة على ذلك مركز الحصري الاسلامي الذي تقوم على ادارته السيدة افراج الحصري، وقد اسست السيدة افراج هذا المركز من خلال الوقف الذي تركه والدها الشيخ محمود الحصري حيث أوصى بثلث تركته للأغراض الخيرية والمركز تابع لمسجد الشيخ الحصري الذي تجتمع فيه السيدات مرة كل أسبوع لتدارس شئون الدين، وتقول السيدة افراج الحصري ان ماتقدمه للمرأة من خلال المركز هو دور تثقيفي وتحفيظ القرآن ومحو الأمية والمساعدات الاجتماعية وحل المشاكل النفسية والحياتية بتقديم الرأي السليم لها هذا الى جانب توضيح الاسلام كدين وسط. لا تفريط أو أفراط، كما يمارس المركز الى جانب هذه الأنشطة دورا في العلاقات الاسلامية مع الخارج، ويتم ذلك من خلال الرحلات التي تنظمها الجمعية مثل الرحلة التي قامت بها السيدة افراج الحصري الى كوسوفو والبوسنة وأمريكا وكندا وغيرها. ومن الأمثلة الاخرى عن دور الفنانات المحجبات في العمل الاسلامي النسائي مديحة حمدي عضوة مجلس ادارة جمعية الخدمات الاجتماعية العامة وهي جمعية اسلامية نسائية تمارس نشاطا تثقيفيا من خلال ندوة ثقافية اسبوعية الى جانب النشاط الخدمي المتمثل في فصول محو الأمية ورعاية الأسر الفقيرة واقامة المعارض الخدمية. ومثل أخر على هذا النشاط وهو دار الرعاية للايتام في المعادي والذي تعمل فيه السيدة كاميليا العربي المذيعة السابقة بالتليفزيون المصري، وتعتبر كاميليا العربي من أوائل العاملين في حقل الاعلام اللاتي اعتنقن هذا الاتجاه وقد رفض المسئولون بالتيلفزيون ظهورها على المشاهدين في زي الحجاب الشئ الذي أدى بها الى تقديم استقالتها، وهي تقول انها بعد استقالتها كان لها نشاط كبير خارج المنزل في المساجد حتى هداها الله الى دار رعاية الايتام الاسلامية، وأصبحت لأيتام الدار بمثابة الأم. العلاقة مع الدولة وحول العلاقة بين الدولة والجمعيات الأهلية الاسلامية يستبعد الباحث الدكتور حسنين كشك بداية أي صدام بين الدولة ومعظم الجمعيات التي لا تؤدي أدوارا سياسية، أو تلك التي تدور في الفلك السياسي للنظام القائم، حيث يحكم الجميع من المنظمات الاهلية قوانين وأحكام عديدة على رأسها قانون 32 لسنة 1962.. ومن نافلة القول أن مواد هذا القانون لا تمارس في معظم الأحوال الا في مواجهة الجمعيات الأهلية المناوئة لسياسة الدولة سواء كانت هذه الجمعيات دينية أو غير ذلك. ويسجل تقرير الحالة الدينية في مصر أن ثلث الجمعيات الأهلية التي تم حلها في عام 1996 هي جمعيات اسلامية وعددها 42 جمعية اسلامية من مجموع 126 جمعية أهلية تم حلها.. وكان مبررات الحل قد استندت الى عدم انعقاد الجمعية العمومية، أو عدم تحقيق الأغراض، أو مخالفة مواد القانون 32 لسنة 1964، أو توقف النشاط. ويشمل القانون 32 لسنة 1964 حوالي 57 مادة تحدد النماذج واللوائح واعتماد الترشيح والانتخاب وادارة الجمعية وحل مجلس الادارة وحل الجمعية نفسها.. وفي ظل هذه السلطات صدرت مئات القرارات المفسرة والمعبرة عن سلطات كل هؤلاء فأصبحت الجمعيات بين أمرين، أما الالتزام برغبات جهة الادارة ـ الدولة ـ أو الالتفاف حولها وهو أمر لا يجيده الا القليل وكانت النتيجة شيوع البيروقراطية في ادارات الجمعيات وتسلط جهات الادارة في كل صغيرة وكبيرة. القاهرة ـ أحمد مراد: