لماذا لم يتحرك الشارع العربي كما تحرك في بداية الانتفاضة؟ لماذا لم تشتد ضغوطاته لتتناسب تناسبا طرديا مع تصاعد الأحداث، وقد بات الموت مستباحا، والدم مشهدا يوميا في الصباح والمساء وعبر شاشات التلفزيون؟ السؤال مطروح بشدة وفي الخلفية ما نسمعه من استغاثات فلسطينية وما نعرفه عن اثر الرأي العام على صناعة القرار في الدول الديمقراطية، حتى باتت قياسات الرأي العام أهم عند صانع القرار الامريكي من تقارير المخابرات وضغوط الكونجرس وتفاعلاته. الشارع هناك جزء من العملية السياسية فهو يملك الأصوات، وهو الذي يعطي توكيلا لهذا الاتجاه أو ذاك لكي يحكم، وهو الذي يراقب ويحاسب الحكام ويقول لهم عند اللزوم: «قف». في بلادنا وكما يبدو يختلف الامر فالشارع يتم استدعاؤه للتصفيق وتأييد الحاكم، أو يتم السماح له بالتحرك استيفاء للشكل الديمقراطي.. أما علاقات القوى الحقيقية بين السلطة والشارع فهي ـ في معظم البلاد والاحيان ـ ثابتة كما هي.. السلطة ـ أيا كانت توجهاتها ـ هي كل شيء. والشارع، أو الرأي العام، «على سبيل التذكار». هل نستثني من ذلك بعض الممارسات؟ ربما. وهل يختلف الاداء من قطر عربي لاخر؟.. والجواب أيضاً «نعم» ومع ذلك فهناك النتيجة التي نقف امامها وهي ان الشارع العربي لم يتحرك بالقدر المطلوب.. ولنأخذ مثالا على ذلك ما يجرى في مصر والتي تقف على منتصف سلم الديمقراطية، فهي لا تملك نظام باطشا، ولا تملك نظاماً ليبرالياً حقيقياً. كيف كان الاداء في مصر؟ الغليان في كل مكان، لكن التعبير عن ذلك محدود.. مظاهرة في الأزهر، اعتصام في نقابة المحامين، وتحرك محسوب في الأحزاب.. أي ان كل ما جرى لا يصل لما كان عليه الاحتجاج في بداية الانتفاضة رغم اشتداد الضربات وزيادة الاستفزاز. والسؤال مثار وقد سجل الشارع المصري تحركات كثيرة سابقة.. اعقبها تراجعات من جانب الحكومة وتغيير لسياساتها. ثار الشارع من الاسكندرية إلى أسوان عام 1977 في مظاهرات أو انتفاضة «18، 19» يناير.. وحينذاك تراجعت الحكومة وألغت القرارات الاقتصادية التي كانت ترفع الأسعار. بعدها، وفي عام 1986 حدثت انتفاضة جنود الأمن المركزي، واستجابت الحكومة لاصلاحات عاجلة في أحوال الشرطة. وطوال التسعينيات كانت تحدث ـ وبسبب بيع القطاع العام ـ اضرابات واعتصامات عمالية في مواقع الخصخصة، وكان للحكومة استجاباتها. ثم.. وفي الآونة الأخيرة حدث تحركان جماهيريان تعاملت معهما الحكومة بسرعة واتخذت اجراءات التهدئة.. كانت المرة الأولى عندما تظاهر الاقباط احتجاجاً على قصة صحفية اساءت للكنيسة، وكانت المرة الثانية عندما اعلنت الحكومة عن وظائف جديدة للمتعطلين ووضعت حداً أقصى لسن المتقدم وهو «28» سنة. حينذاك انطلقت بعض التظاهرات وألغت الحكومة شرط السن. والقانون في كل ذلك واضح.. فالمحرك الأول ـ وفي معظم هذه الحركات الجماهيرية ـ محرك اقتصادي.. انها لقمة العيش، تضطر معها الدولة للتهدئة. ولم يكن هناك استثناء غير حالة الاقباط والتفسير أيضاً مفهوم فالدولة لا تريد مشكلة طائفية. هل يعني ذلك ان الشعب المصري قد اعتزل السياسة، وان موضوعاً أكثر عمومية مثل الانتفاضة الفلسطينية ومجازر شارون لم يعد يهم الشارع وهو الأكبر في الوطن العربي كله؟ الاجابة بطبيعة الحال، واذا قمنا بقياس للرأي العام المصري، ومثله الرأي العام العربي، فإننا سنصل لنتيجة تقول: «الغليان في الصدور.. والحركة دون مستوى التعبير». في حالة مصر، هناك اكثر من تفسير.. فحق التظاهر ممنوع وحق الاضراب عليه تحفظات والاجتماعات الجماهيرية والحزبية لابد ان تكون داخل أربعة جدران.. لا ينفتح احدها لكي تنزل الجماهير إلى الشارع. مسموح للحزب الناصري ـ مثلا ـ والذي يحتل موقعاً جغرافياً متميزاً في وسط القاهرة، مسموح له ان يجمع مائتين من أعضائه، وان يتبارى الخطباء في مكبرات صوت موجهة للشارع، ومسموح له ان يحرق الاعلام من الشرفات.. لكنه وبحكم آلاف الجنود الذين يحيطون بالمكان غير مسموح له بقيادة مظاهرة سلمية يقدم بها عريضة إلى رئاسة الجمهورية أو الجامعة العربية! الأحزاب ـ وهي قلب العمل السياسي ـ تحت الحصار.. والحرية المتاحة هي حرية الصحف التي تصدرها هذه الأحزاب والتي لاتتوانى عن نقد السلطة ومهاجمتها ووضع كل المطالب في كلمة مكتوبة. الغريب ان خبراء الرأي العام عند الحكومة لا يقولون لها ان الكتابة نوع من التحريض، فإذا لم يجد التحريض متنفسا له في حركة جماهيرية فإن نهايته: انفجار غير محسوب. عنصر آخر، يحكم حركة الشارع المصري وهو غياب الشباب وطلاب الجامعات، فالسنة الدراسية قد انتهت ولم يعد هناك من مكان تلقائي يجمع الطلاب. وضبط الشارع، وتدجينه له تاريخ طويل يبدأ بفصل السادات للصحفيين من أعمالهم، ويمتد لقانون العيب، ويستند لحالة الطوارئ المعلنة منذ مقتل السادات، وتجارب الانتخابات المزورة التي تصيب الجميع بالاحباط. والضبط سياسة معلنة، فالسلطة، وأي سلطة عربية، لا تريد ان تقع تحت ضغط الشارع وتوجهاته.. لا تريد مشاركة ديمقراطية حقيقية، ولا تريد ان تستبدل الوعي القطري لدى الجماهير بوعي قومي يجعل قضية فلسطين أو غيرها من قضايا عربية ذات أولوية.. واطلاق حرية الشارع والاستجابة له يعنيان تحولات في سياسات قائمة في الوطن العربي وهي سياسات قد تتصل بسلامة الحكم وعلاقاته الخارجية أكثر مما تتصل بسلامة الوطن.. الوطن العربي كله. بعض انظمتنا لا تريد الصدام مع أمريكا، ولا تريد ان تعترف انها تملك أوراق قوة غير مستخدمة في الصراع مع إسرائيل.. والنتيجة ان الشارع في واد، و بعض حكوماته العربية في واد آخر.. ولم يكن الشارع يوماً خائناً، لكنه الكمون الذي يعقبه الانفجار.