بعد انتفاضة الأقصى، واشتداد عودها، صارت تقترب أكثر فأكثر من الجوهر، وتبتعد عن كل ألاعيب السياسة، وتنميق المصطلحات، والتذاكي الدبلوماسي. فبينما نرى العمل السياسي يسير من اختناق الى آخر، ومن عنق زجاجة إلى نفق، يبرز الوجه الحضاري للصراع العربي الإسرائيلي أكثر فأكثر. ونرى مع الوقت كيف تتحول المبادرات حسنة النية من الجانب العربي، إلى خطة للوصول إلى سلام نسميها بخطة ميتشيل، ثم هذه تتحول إلى ترتيبات «تينيت» الأمنية، ثم إلى اختيار مراقبين بأعداد محدودة، وصلاحيات محصورة، لمراقبة ما يجري على الأرض من أمر واقع. من الواضح أن الإسرائيليين قد اتخذوا قرارهم أنهم لن يلجأوا الى أسلوب استرضاء السلطة الوطنية الفلسطينية، أو محاولة استدراجها إلى حلول مجتزأة وهمية، كما فعل الخائن باراك، إنهم ـ أي الإسرائيليون ـ يريدونها صريحة واضحة، إنهم مستعدون لتقاسم بعض الصلاحيات في بعض المناطق المكتظة بالسكان الفلسطينيين، ولكنهم ليسوا جاهزين للتنازل عن السيادة في القدس وما حولها. ولو تمعنت في أدبيات السياسة الإسرائيلية، وما نُشر عن القدس من الكتّاب والمسيّسين الإسرائيليين كلما لاحظت فرقاً ببين القدس وباقي الأرض الفلسطينية. ومن يريد التمسك بالقدس، بغض النظر عن التعريف، لابد له أن يتمسك بمعظم أرض فلسطين. وبالمقابل، فإن المدرسة الفكرية التي صارت تسيطر على عقل الشارع الفلسطيني، أو غالبيته، هو الحل الإسلامي. فقد أكد آخر استطلاع للشعب الفلسطيني أن 76% منهم يؤيدون العمليات الاستشهادية ضد الأهداف الإسرائيلية. ومقابل ذلك، فإن 70% من الإسرائيليين يؤيدون عمليات الاغتيال ضد قيادات الانتفاضة. ونرى كذلك، أن المستوطنين الإسرائيليين صاروا هدفاً مستساغاً ومقبولاً للمقاومة الفلسطينية. وبالمقابل، فإن العمل العسكري الإسرائيلي موجه ضد عنصر الشباب الفلسطيني، فالمعركة الدائرة إذن ليست مجرد عنف، وعنف مضاد، بل هي عملية انتقامية تهدف إلى إضعاف عناصر القوى لدى الطرف الآخر على المدى الأطول، على افتراض أن كلا الطرفين قد وطّن نفسه للدخول في معركة طويلة لا يعلم نهايتها أحد مخلوق. وأخيراً، فبعد الحادث الاستشهادي الذي وقع قبل أسبوع، كانت الاستجابة الإسرائيلية موجهة نحو القدس، وقامت قوات الاحتلال برفع العلم الإسرائيلي على بيت الشرق، ومكاتب ثماني مؤسسات فلسطينية أخرى، عدا عن مكتب السلطة في «أبوديس». والاشارة الواضحة من هذا الإجراء، هي أن الإسرائيليين قد نفذوا ما كانوا يريدونه دائماً، واعتقدوا أن الحادث الأخير الذي نجح بعد سبع محاولات فاشلة قد برر لهم الاستيلاء على هذه الأماكن داخل القدس الشريف، والبلدة القديمة. وهكذا صار من الواضح، أن أي مزيد من العمليات الإسرائيلية القادمة سيكون داخل القدس رداً منها ـ كما تزعم ـ على العمليات الاستشهادية هو الاقتراب أكثر وأكثر من الحرم الشريف. وماذا ستفعل الأمة العربية والإسلامية بعد ذلك؟ هل سيدعون إلى قمة عربية، أم سيكتفون بالشجب والصياح؟ من الواضح أن المعضلة الفلسطينية هي كُلفة عالية في حالة توقيف الانتفاضة، والكُلفة مرتفعة في حال استمرارها، وليس هناك أي بادرة تدل على أن إسرائيل أو حكومتها جادة في الوصول إلى اتفاق، لأنهم يريدون الوصول إلى الحرم الشريف أو «هار هوماه» كما يسمونه بالعبرية. إذا حصل ذلك لا سمح الله، فهل ستبقى المشكلة فلسطينية. إن كل المناورات لحصر القضية الإسرائيلية في الإطار الفلسطيني لن تفلح إن مسّت الأمور حُرمات المسلمين وأكثرها قدسية. أليس المطلوب من الآن الاستعداد لذلك اليوم الأسود؟ أرجو أن أكون مخطئاً.