حاورت «البيان» في الدار البيضاء الدكتور محمد الطوزي الباحث المغربي المعروف استاذ العلوم السياسية في جامعة الحسن الثاني والذي عرف بأبحاثه المميزة حول الحركات الاسلامية. وفند د. الطوزي خلال الحوار الكثير من الاطروحات الرائجة حول الحركة الاسلامية والتغييرات التي شهدتها هذه الحركات على صعيد النظرية والممارسة. وفيما يلي نص الحوار: ـ خلال السنوات الاخيرة تزايد الحديث عن تراجع الحركات الاسلامية إلى أي حد يمكن مجاراة هذا الطرح؟ ـ أرى ان طرح قضية التراجع للحركات الاسلامية ينبغي ان ينظر اليه من منظور واحد وهذا المنظور يطرح عدة تساؤلات: أولاً على المستوى العلمي لان معانيه ظاهرة بتشعبها كالظاهرة الاسلامية وتعدد مشاريعها وتعدد تصوراتها وتعدد تجلياتها وتعدد تأريخها رغم ان التأريخ الحديث بهذا الطرح النظري والمجرد والحكم بالجزم ان الحركات الاسلامية ستخسر وانها تعرف تحقيبا جديدا وانها تراجعت بشكل ملحوظ وان ليس لها مستقبل على المستوى الاجتماعي والسياسي كل هذا الطرح فيه شيء من المجازفة رغم انه ينبغي معاينته بشيء من التدقيق وتحديد المستويات التي يجب ان نتكلم عنها، فالطرح يمكن ان يكون صائبا اذا اخذنا بعين الاعتبار مستوى من مستويات الحركات الاسلامية، وعموماً هناك مستوى أول ومستوى ثان للتصنيف، المستوى الاول للتصنيف هو مستوى عام ووفقا لهذا المستوى يمكن ان نصنف الحركات الاسلامية على العموم بغض النظر عن مشاربها النظرية كحركات اسلامية تحاول ان تستولي على الحكم من رأسه وحركات اسلامية يمكن وصفها كحركات اسلامية اصلاحية وتحاول اصلاح المجتمع أولا والدخول في اللعبة السياسية بالتدريج، وهذا التصنيف يعكس تصنيفا قديما للحركات الصوفية والطرقية يطرحه الاسلام وتطرحه جميع الديانات تجاه الحركات التي لها مشروع سياسي واجتماعي وترتكز على مقولة اصلاح المجتمع باصلاح الفرد اولا أو اصلاح المجتمع باصلاح الدولة، وهذا التصنيف أفرز جماعات اسلامية كانت مشبعة بأدبيات النكبة، خصوصا ما يسمى «بالادبيات القطبية» نسبة للسيد قطب وافرزت جماعات على رأسها «التكفير والهجرة» في اواخر السبعينيات وافرزت بذلك تصورا اسلاميا يجعل من العنف السياسي استراتيجية جديدة ودائمة ابتداء من قتل السادات إلى جميع التجليات العنيفة حتى الآن، واظن ان هذه الحركات التي تنتمي لهذه الموجة التي تحاول ان تستولي على الدولة أولا وبالعنف تراجعت لعدة اسباب نختزلها في سببين رئيسيين: السبب الأول: هو القناعات الشخصية للحركيين انفسهم الذين بحكم تقدمهم في السن واندماجهم في المجتمعات، وهذا من السير الانسانية الواضحة، اضطروا إلى معاينة الواقع واقعهم الشخصي وواقعهم كجماعات بطريقة اخرى خاصة ان كثيرا منهم عاني شدة القمع، قمع الحكومات العربية، هذا من جانب، واظن ان كثيراً م الدول العربية لها تجربة فريدة وقوية في ميدان القمع الشخصي للحركات الاسلامية، ولكن استمرت هذه الحركات خصوصا في اواخر الثمانينيات والتسعينيات في التحرك بطريقة موفقة لاسيما بعد ان مرت من تجربة افغانستان التي كانت مدعومة من طرف امريكا ومن تجربة البوسنة وتكونت في التسعينيات توجهات جديدة واصبحت اوروبا وبالخصوص بريطانيا المركز الخلفي لتحركات الحركات الاسلامية بحكم نظام التحرك داخل اوروبا والحرية النسبية التي يتمتعون بها والدعم ايضا لان العديد من مصالح المخابرات الاوروبية وخاصة الانجليزية حاولت ان تستقطب رؤوس الحركات الاسلامية أولا لدراستها، وثانيا لاستعمالها لاغراض اخرى، واعطت هذه المرحلة نشاطا مكثفا للحركات الاسلامية العنيفة والذي تجلى على المستوى الاوروبي أو على مستوى الحرب المنظمة كحرب افغانستان والبوسنة وعلى مستوى حرب المتفجرات التي عرفتها باريس في 1986 وبعض التجليات التي عرفتها عدة دول وادت إلى الاستمرار في اماكن اخرى حتى الحرب الجزائرية الاهلية. في اواخر التسعينيات تغير التصور العالمي لموقع الحركات الاسلامية العنيفة داخل المنظومة، واصبح هناك تنسيق امني مكثف أولا بين الاوروبيين انفسهم، الاستقطاب أولا تم التكبيل أو كبح جماح هذه الحركات، ففي اواسط التسعينيات عرفت فرنسا وبريطانيا عدة مجابهات مع الاسلاميين ومحاكمة العنف، والمستوى الثاني هو التنسيق بين الاوروبيين انفسهم وبين الدول الإسلامية خصوصا بعد ان عوقبت بطريقة واضحة وعنيفة ليبيا ورغم ان ليبيا كانت من اشد الدول الاسلامية عنفا ضد اسلامييها لكنها كانت تنشط الحركات الاسلامية، وايضا معاقبة السودان. وفي هذا المناخ العالمي يمكن ان نقول ان هذا التعاون الامني بين المصالح الامنية الاوروبية والاسلامية وكذلك طرح قضية العنف بانه خارج القانون الدولي ومتابعة الدول التي تجعل من العنف سياسة وهناك مسألة اخرى ادت إلى تقليم اظافر هذه الحركات وهي ان الحرب الافغانية عرفت منحى اخر بأفول نجم الاسلاميين العصريين والظهور القوي لطالبان الذين يتمتعون بعلاقة قوية مع السلفيين اكثر من علاقتهم مع الاسلاميين الجدد، وكذلك انتهاء ازمة البوسنة وكوسوفو التي عرفت رجوع هؤلاء الاسلاميين الذين ساهموا في هذه التحركات على المستوى الاسلامي الدولي ثم رجوعهم إلى بلدانهم الذي قوبل من طرف الانظمة الداخلية بالعنف أو اندماجهم في الحركات الاسلامية، وكل هذا ادى إلى وجود تقاطب جديد بين الشرعيتين شرعية الناس المتواجدين في الداخل وشرعية الأمراء. وقضية الجزائر واضحة في تفسير هذا التحول حيث برز عدة امراء جدد لهم تجربة افغانية أو تجربة اوروبية ادى إلى تشتيت قوي جدا للحركات الاسلامية الجزائرية وبالتالي اضعافها خصوصا ان الجيش كان له دعم قوي على المستوى الدولي لمواجهة الاسلاميين، هذه المسألة يمكن ان تكون مؤشرا على القول بان هناك تراجعا للحركات الاسلامية. متغير مهم نأتي على التصنيف الثاني وعلى مستوى هذا التصنيف نؤكد ايضا ان هناك تعددا في المشارب وان هناك ما يعرف بالاسلاميين الاصلاحيين واظن ان المسألة المهمة والمتغير المهم في المنظومة الاسلامية ككل كتصور، كنظام حياة، كتصور سياسي رسمي وغير رسمي هو ان بين الثورة الايرانية والسيرورة التي اخذتها هذه الثورة الآن ودخولها في الطور العادي اي انها اصبحت حركة اجتماعية وسياسية يسري عليها ما يسري على الحركات الاجتماعية والسياسية، هذا المتغير الاساسي والذي يتجلى في ان الاسلام بتجلياته المتعددة ـ ما عدا السلفية ـ اصبح الان له حضور على المستوى المتخيل الاسلامي كتصور جاد يواكب العصرنة وعبر بطريقة اخرى عن هذه العصرنة لا على مستوى الممارسات اليومية ولا على مستوى التصور وهذه مسألة حاضرة بقوة على مستوى المتخيل لانه اصبح اليوم المسلم الملتزم ليس هو الجد، والاسلام ليس دين الاجداد وانما الاسلام الموروث طرح جانبا رغم انه حاضر وحاضر بقوة عند السلفيين، ولكن الاسلام كنمط عيش كتصور سياسي كقضية اجتماعية اصبح حاضرا في المنظومة العصرية وهذا هو التحول الجذري والذي جعل التصور الاصلاحي للاسلام والتصور السياسي والمرونة في التعامل والتعددية في الاسلام مسألة واردة ولا تعبر عن ازمة بل بالعكس انا اعتبرها تعبر عن طفرة كبيرة وعن نضوج وكذلك عن تفوق داخل المنظومات الاجتماعية، وفي حالة اليمن التي تعرفها اكثر مني اذا لاحظت الاسلام السياسي في مواجهة الاسلام الموروث والاسلام القبائلي فهو يعد طفرة سياسية وتحولا واضحا على مستوى الرغبات على المستوى التصور وعلى مستوى العلاقة مع الاخر وعلى العموم إلى حد الان، رغم تعدد الكتابات وتعدد التصورات داخل الحركة الاسلامية الاصلاحية اظن انها لم تتخلص بعد من عقدة التصادم بين تصورين داخل الذات نفسها وضرورة أسلمة الكل وعلى نمط واحد، والتصور الثاني الذي تحمله الذات السياسية نفسها وهو ضرورة التعامل مع الواقع ببرجماتية، وهذا التصادم بين هذين التوجيهين في اطار الحركة ذاتها، يضفي قدرا من الضبابية على الممارسات السياسية للحركات الاسلامية فتراها مشتتة في مسائل هامشية لا تفيدها في سيرورتها السياسية، فتترك المسائل الاساسية بحكم هذا التصادم بين الفريقين. واذا اخذنا في الاعتبار اندماج الاسلام السياسي داخل المنظومة العسكرية كوجه من وجوه العصرنة بموقفه الايجابي منها اظن ان الاسلام كمنظومة فكرية متجددة فيها عدة صراعات داخل المنظومة الاسلامية اصبحت لها مكانة واضحة وان تغير حجم هذه المكانة من بلد إلى بلد ومن نظام إلى نظام ومن تركيبة اجتماعية إلى أخرى الا ان هذه المكانة موجودة في كل البلدان الاسلامية وواضحة تبرز في مضمونها تصورات الاخر وتحركاته واستراتيجياته، وهذه المسألة كان لها انعكاسات، اولا على مستوى تواجد أو انتاج سياسات دينية داخل جميع الدول الاسلامية على مستوى بناء المساجد، التعليم، والتعامل مع الطرق الصوفية وكذلك انتجت على مستوى اخر ردود فعل قوية للاسلام الموروث، وارتدادا اليه، وهذا ادى إلى تضاد بين الاسلام الموروث التقليدي والاسلام الموروث الجديد السلفي، واصبح الان هناك يمين اسلامي يتجلى في الحركات السلفية والاسلام الرسمي، ويسار اسلامي يتجلى في تصورات جديدة تتجاوز منطق الشيعة والسنة مثل حسن الترابي والاستاذ الغنوشي...الخ، وهذا هو المستوى العام لسيرورة الحركة الاسلامية. العلاقة مع السلطة ـ اذا كنتم قد اعطيتم تفسيرا مختلفا لما يطرح عن تراجع الحركات الاسلامية فهناك من يرى ان ازدهار هذه الحركات ارتبط بتبني السلطات لهذه الحركات ورعايتها وتراجعها ناجم عن تخلي مثل هذه السلطات عن رعاية هذه التيارات الاسلامية والشواهد على ذلك كثيرة في العديد من البلدان؟ ـ مسألة العلاقة بين السلطات والاسلاميين طرحت في سياق مواجهة اليسار وهذه اطروحة سائدة لعدة تجارب سياسية في الدول العربية، وهذه القضية ليس فيها خلاف، لكن اظن انه مباشرة بعد السنوات الاولى للحركات الاسلامية اكتسبت استقلالية اجتماعية بما ان لها قواعد اجتماعية وتجذرت داخل المجتمع وحاربت الانظمة وكان التعامل معها هو محاولة تذليلها لمصالح الدولة وعندما تأخذ النموذج الجزائري منذ التسعينيات اصبح الطرح اخر، وكان هناك واقع اسلامي موجود والاطروحة القائلة بان الدولة لها قدرة استراتيجية على انتاج الحركات الاجتماعية والتحكم فيها وان هذه الحركات ستنحسر عندما ترفع الدولة يدها عن هذه الحركات، هذه اطروحة غير صحيحة لان هناك طلبا رمزيا وسياسيا موجودا داخل المجتمع لحل ازماته سواء كانت ازمات سياسية أو ازمات اقتصادية أو ازمات روحية ومطروحة داخل المجتمع والمشاريع السياسية للدول لم تعبر عنها خاصة تجاه الغرب والمثال الأوضح هو التجربة الايرانية فالمسألة مسألة هوية طرحت بعدة دول عربية إسلامية وصحيح ان هذه الدول رأت في القضية الاسلامية في بداية السبعينيات اطارا لمحاربة اليساريين والعلمانيين وصحيح انه كانت هناك علاقات مشبوهة بين هذه الدول وبين الحركات الاسلامية لكن هذه المرحلة كانت قصيرة جداً وبالتالي تحولت الحركات الاسلامية إلى حركات مستقلة وان بقيت بعض أوجه العلاقة الا انه من الواضح والجلي وجود استقلالية لهذه الحركات داخل المجتمعات وتجذرها فيها، والآن الدول تحارب هذه الحركات وبكل الوسائل منها حتى العنف والعنف في الجزائر هو أوضح دليل في هذه القضية، وكذلك هناك عنف حاضر في المغرب تجاه هذه الحركات ومحاكمة التسعينيات كانت محاكمة اسلاميين، وفي مصر أيضاً حاولت السلطات تطويق ومحاصرة هذه الحركات حتى أنها دخلت في مزايدات «إسلاموية» داخل المجتمع أدت إلى مشاكل كبيرة وكانت حرية الرأي هي ضحيتها وكذلك حرية الابداع كما بدا من خلال طرح مسألة الحسبة. وعموماً أظن ان هناك استقلالية لهذه الحركات داخل المجتمع وهناك تغير في سيرورتها يرتبط بالموقف العالمي الذي لا يسمح بثورة إسلامية على غرار ايران حتى تسعى الى تطويق هذه المسألة، هذا من جهة ومن جهة ثانية ان هناك تجارب سياسية اسلامية أدت إلى تغيير التصور الاسلامي للسياسة واندماج بعض الحركات الاسلامية في الحقل السياسي برز من خلال عدة تجارب في باكستان، الأردن، مصر، المغرب .. إلخ، وهذه أدت إلى تغير التصورات عن الاسلاميين أنفسهم وإلى تغير تصور الدولة لاستعمال الاسلاميين داخل الحقل السياسي وبالنظر الى هذا المعطى وقضية عدم ورود ثورة إسلامية في القاموس الدولي أوجبت امكانية التعامل مع الوضع وأيضاً برزت ظاهرة التقسيم وافراز عدة اتجاهات بين الاسلاميين وادخال التعددية داخل الحقل الاسلامي نفسه وتأجيج الصراعات داخل هذا الحقل، وهذه أضحت استراتيجية دولية. الانتاج النظري علاوة على ذلك إذا رجعنا للانتاج النظري للاسلاميين انفسهم وعلاقاته، بالديمقراطية والتعريفات الجديدة للديمقراطية وعلاقاتها بالمشاركة السياسية وعلاقاتها بالشرعية والتعددية وبالقانون الوضعي وبالشريعة، تبرز عدة استنباطات جديدة وطروحات جديدة أدت الى امكانية تأقلم الاسلاميين مع أوضاع متعددة التجليات. هذا الجانب الثالث في هذه المسألة، وهناك تحرك داخل الاسلاميين القطبيين في بداية السبعينيات والاسلاميين اليوم ليسوا اسلاميو السبعينيات وداخل هذه الحركة، هناك جيلان ان لم يكن ثلاثة أجيال تتعايش بتجارب متعددة وشرعيات متعددة وتصورات متعددة تؤدي الى صراعات داخل الاسلاميين الشيء الذي يضعفهم على مستوى المشروع السياسي، لكن الحضور المجتمعي، قوي وقوي جداً حتى أن ظواهر أسلمة المجتمع ان صح التعبير لم تكن أكثر حضوراً كما هي عليه اليوم لا على مستوى الزي ولا على مستوى الخطاب ولا على مستوى الممارسة الدينية كلها حاضرة بقوة وان كانت متعددة التجليات والممارسات. عصرنة الدين ـ إلى أي حد يمكن للانقسامات داخل الحركة الاسلامية أن تضعف هذه الحركة؟ ـ التعدد هو من الظواهر الملازمة لعصرنة الدين ولا يمكن القول انها تضعف بل ان حضور الدين في الوقت الحاضر باعتباره مؤشراً كبيراً على هوية متماسكة الأطراف لكنها متعددة المكونات وبالتالي الضعف يكون على المستوى السياسي والحضور الاسلامي في الحكم لن يكون الا تعاقديا إما بين أطراف اسلامية أو مع أطراف أخرى غير اسلامية وإذا أخذت مثال المغرب فأنا أستبعد حتى التعاقد بين أطراف اسلامية لأن الآن على مستوى الممارسة السياسية ما يوحد الاسلاميين هو مشروع الهوية لكن على المستوى الاسلامي هناك تفرق على مستوى الاستراتيجيات، وبالتالي على مستوى التعاقد السياسي لم يعد أتوماتيكيا انما تعاقداً برجماتيا وبدا ذلك من خلال التعاقد مع حزب العمل في مصر فهذا الحزب عندما كان مع الحكومة كان من الأحزاب السياسية التي قمعت الاسلاميين من الحركات المتطرفة، ويبرز التحول على مستوى آخر وهو الممارسة فعندما تسأل الاسلاميين عن ابن لادن يعتبرونه الأب الروحي لكن على مستوى الممارسة الأمر اختلف وتجاوز مثل هذه المسألة، وعليه فإن قضية التعاقد السياسي تستبعد البعد الأخلاقي للممارسة وتغلل من البعد الديني وتجعل البعد السياسي هو الحاضر وفي الجزائر يبدو الحال أكثر وضوحاً حيث ان الاسلاميين حاضرون داخل السلطة بالاسلام الاصلاحي الذي يواجه الاسلام المتطرف ونحتاج الاسلامي حاضراً الى جانب العلماني. وهذا التصور يؤكد تجاوز طرح الثورة الاسلامية، وفي المغرب نرى ان حركة التوحيد لا تتحالف مع جماعة العدل والاحسان ويمكن لها أن تتحالف مع حزب الاستقلال ومع اليسار وغير وارد في استراتيجيتها التحالف مع جماعة عبدالسلام ياسين، وبالتالي الاسلام أصبح يغذي جميع التيارات السياسية حتى التيارات اللااسلامية منها وهذا هو المعطى الآخر في سيرورة الحركة الاسلامية. تكتيك مرحلي ـ ما هو تعليقكم على القول بأن تحول الاسلاميين تجاه مفاهيم الديمقراطية والتعددية هو مجرد تكتيك مرحلي لهذه الحركات ولا يعبر عن توجهات وقناعات حقيقية؟ ـ بطبيعة الحال هناك تراتبية في السيرورة يمكن رصدها في عدة كتابات اسلامية والتي كانت كتابات البتسيمولوجية تبحث في تحديد المفاهيم خصوصاً علاقة الديمقراطية بالشورى والإمارة والخلافة، وهناك عدة حركات اسلامية بمختلف طيفها المتعدد ابتداء من محمود محمد طه السوداني الى حسن الهضيبي المصري وحتى المفتي السعودي عبدالعزيز بن باز، مروراً بالكثيرين منهم فإنه على مستوى السيرورات من السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، أظن ان الاقرارات المهمة التي نتجت عنها هو ان هناك تصوراً اسلاميا للديمقراطية ليست الديمقراطية الاسلامية وانما تصور اسلامي للديمقراطية ويتمثل في أن ما تربحه الحركات الاسلامية في النظام الديمقراطي أكثر مما نخسره سياسيا وهذه القناعة نجمت عن التجربة الذاتية المريرة لهذه الحركات وتصور جديد لحقوق الانسان فالعديد من قادة الحركات الاسلامية الذين عانوا من تجارب قاسية في السجون وعلاقاتهم بحركات حقوق الانسان وبـ«أمنستي». اللا دينية جعلتهم يفكرون ان من ثوابت حقوق الانسان خدمة الاسلاميين ومصالحهم رغم انها تظهر للعيان انها معاكسة للاسلام وبالتالي هذه التجارب أدت الى إدخال قدر من النسبية على بعض التصورات الاسلامية ومعاينة الواقع جعلت حقوق الانسان رغم انها غربية أحسن من غيابها وحضور الديمقراطية أجدى من غيابها رغم ان هذه ميكانزمات تؤدي الى فساد وإلى آخره من المشاكل، وبالتالي هذا التعامل البراجماتي قلص من التعامل المبدئي مع هذه المفاهيم وحتى انه خلال الخمس السنوات الأخيرة أضحى القول ان الشورى قريبة من الديمقراطية بدأت تتجاوز إلى حد ما ولم يعد يطرح «أنا شعب شوروي وليس ديمقراطي» لأن الإسلاميين أدخلوا تكيفات جديدة لا من قراءتهم للسوداني محمود طه ولا من قراءتهم لغيره وكلها جعلت من قضية التمثيل وكتابات البديل الحضاري في المغرب، جعلت من قضية الديمقراطية قضية محورية في سيرورة بعض النشطاء الاسلاميين كميكانزم أولاً وليس كميكانزم مرحلي، وقديماً في الثمانينيات كانت بعض الحركات الاسلامية ومنها جبهة الانقاذ في الجزائر كان فيها تجاذب بين مدني وبلحاج تجعل من قضية الديمقراطية استراتيجية مرحلية والمطالبة بها مرحلة انتظار لعودة الدولة الاسلامية، الآن القضية تغيرت بعض الشيء وأصبح ميكانزم الديمقراطية رغم انه غير مكتمل في نظر الاسلاميين وان لها بعض الخطورة على المستوى العقائدي الا انها جعلت من الديمقراطية هدفاً من ضمن أهدافها لأن حضور الديمقراطية أحسن من غيابها والتأقلم مع الديمقراطية أصبح من الملامح المهمة لدى بعض المثقفين الاسلاميين وليس عموم الحركات الاسلامية والمؤشر الأساسي هو تهميش نظرية الإمارة، وهذه النظرية أصبحت في أدبيات الحركات الاسلامية مهمشة كثيرا، وبالتالي فالقول بأن طرح الديمقراطية هو مجرد تكتيك هو قول مبني على قراءة سطحية شيئاً ما وأظن ان فيها شيئاً ما من الغباء، أولاً لأنها تتجاوز التجربة كمؤسس للتصور لأن التجربة دوماً مؤسسة للتصور، وثانياً ان جميع الدول غير الاسلامية عرفت حركات يسارية لا تؤمن بالديمقراطية وتعتبرها تنظيماً برجوازيا يجب محاربته بالعنف في السبعينيات، ولكن دخولهم في اللعبة السياسية غير قناعتهم، ومن هم الحاكمون اليوم في فرنسا التروتيسكيون من خلال الحزب الاشتراكي، فمن خلال الممارسات تتبدل القناعات التي تحددها المحاسبة بين ما أربحه وما أخسره، ومن الصعوبات التي تواجه الاسلاميين أسلمة الكل على نمط واحد وبالتالي فهناك خروج من منطق الجماعة الاسلامية الى الجماعات الاسلامية أو جماعة من الجماعات، والواضح ان كثيراً من هذه الحركات تقبل اليوم بهذا التصور العام على اعتبار الجماعة كجماعة ضمن الجماعات الأخرى، ولهذا هناك ضرورة لتنظيم التعايش بين الجماعات الاسلامية نفسها وبينها وبين الجماعات الأخرى. هناك أيضاً ملمح آخر وهو ان الاسلام آخذ في التزايد والانتشار في الغرب وهذا يغذي الشعور بالهوية وحقوق الهوية الاسلامية في هذه البلدان ما يعزز من طرح المطالب الديمقراطية. الدار البيضاء ـ حوار: عبدالكريم سلام