يمكن للمرء أن يكون انطباعه الأول عن تطور أي بلد ـ من خلال مطار وصحف هذا البلد. فالمطار يعطي فكرة عن شكل ومظهر القطر، والصحافة تقدم للشخص سريعاً كيف يفكر ويعبر هذا الشعب. وقد عايشت هذا الافتراض حقيقة قبل أيام حين اصطحبت احد الزائرين إلى السودان وهو من المفكرين العرب المرموقين. وقد كان تعليقه الأول حين تناولنا بعض الصحف: «ان الصحافة السودانية مازالت متخلفة وبدري عليها» وقد اثار هذا التعليق بعض المرارة والشجن في نفسي، لاننا سوف نحتفل العام المقبل بمرور قرن كامل على انطلاقة الصحافة السودانية، أي نكاد ننافس نشأة صحيفة «الاهرام» لولا بضع سنوات. لذلك تحتاج مسيرة الصحافة السودانية إلى وقفة تقويم وتقييم، خاصة وان دورها في الفترة المقبلة يفترض ان يكون اكثر تأثيراً وعمقاً في دفع التحول الديمقراطي ولكن الصحافة السودانية تواجه العديد من المشكلات والصعوبات الموضوعية أو الخارجية بالاضافة للذاتية. الشرط الأول والضروري لتطور الصحافة السودانية هو كفالة الحريات الكاملة للصحافة باعتبارها سلطة شعبية مستقلة وحرة لا تخضع لغير الدستور والقانون مما يعني ابعاد الرقابة المسبقة والاغلاق الاداري وأي تعسف اخر قد تتعرض له. ويبدو ان حكومة الانقاذ تعي ـ ولكن حسب رؤيتها السياسية ـ دور الصحافة في الحياة السياسية. لذلك حين ارادت اظهار نوايا طيبة في اتجاه الانفتاح على القوى السياسية الاخرى، بدأت باعطاء قدر محسوب من الحرية للصحف وسمحت بصدور عدد من الصحف تحت قانون لم يكن مكتملاً وجرى تعديله عدة مرات. وكان واضحاً ان الانقاذ شرعت في تجريب انفتاحها من خلال «حرية» التعبير والتنظيم ولكن بتقييد تستطيع ان تمسك به جيداً. وعرضت الانقاذ صورتها الجديدة بحديث عن عودة الصحافة للنقد والكتابة في كل القضايا. ومن جهة اخرى كان قانون التوالي هو القالب الذي وضعت فيه حرية التنظيم. وتدريجياً انتشر المفهوم الغامض والمبتذل: هامش الحرية. ووجدت الصحافة السودانية نفسها بين أقواس هذا الهامش الذي لم يتسع كثيراً، بل تشكو الصحافة بأنها غير قادرة على القيام برسالتها كاملة وأنها خاضعة لظروف تضييق ناعم بمعنى انه لا يظهر بصورة مباشرة ولكن يمكن ان يحس به المتأمل. يدور جدل حول حرية الصحافة عموماً يقول بأنه لا توجد حرية مطلقة بل هي مقيدة بالمسئولية والالتزام باخلاق المهنة وظروف البلد. وفي حالة السودان الراهنة تعيش البلاد حالة طواريء بسبب الحرب الاهلية في الجنوب مما يقتضي بعض التقييدات. ومن المطلوب الآن اقتصار الرقابة على الاخبار المتعلقة بالحرب بالذات ايراد معلومات كاذبة أو الاضرار بالروح المعنوية للجيش ـ وهذه احيانا عبارة قد تستغل سلباً، فلابد من حسن النية لدى السلطة والا تتخذ ذلك ذريعة لمضايقة الصحف. ما عدا ذلك يجب ان تكفل الحرية كاملة للصحف السودانية ويحق لها ان تكتب في كل الموضوعات والقضايا والشخصيات طالما ظلت ملتزمة بالدستور واخلاق المهنة، ولكن يبدو ان الرقابة على الصحف قوية لدرجة ان رؤساء الصحف والعاملين فيها كونوا رقابة ذاتية اكثر صرامة خشية المصادرة والخسارة المادية نتيجة الايقاف. لذلك لم تعد الصحافة جريئة ـ بدون وقاحة واسفاف ـ ولا تقتحم مثل السابق كل المجالات، ولا تفسح صفحاتها لصراع الآراء والافكار بكل حرية. وصارت الصحف في الغالب متشابهة وحذرة وبلا طعم يقرأها الناس بحكم العادة. ولا يتوقف الصحفيون عن الشكوى المكتومة أو المسروقة. وهنا نفتقد وجود مؤسسات الدفاع عن حقوق اساسية يفترض توافرها، مثل النقابة، مجلس صحافة محايد، اندية صحافة مستقلة وأي تحول ديمقراطي يصبح مطلباً مستحيلاً حين تخضع الصحف لرقابة يومية قبل الصدور. وهذا وضع شاذ لانه يعطي الحرية علناً ولفظياً ويحرمها سراً وعملياً. ومن الاسباب الموضوعية أو الخارجية: الشروط المالية لصدور الصحف أي تحديد مبلغ تعجيزي أو على الاقل يصعب توافره عند اصحاب مهنة النكد. بالاضافة لشروط فنية مثل عدد الصفحات لكل جريدة. وقد كان من المتوقع بعد هذه السنوات الطويلة ان تكون القيود والشروط قليلة، وان تترك الصحف لقانون السوق أي العرض والطلب أو قانون البقاء للاصلح. وفي النهاية يصح الصحيح فقط وهنا قد نتعرض للمنافسة الحرة للصحف في كسب دخل من الإعلانات الحكومية يدعم الصحيفة مالياً لان التوزيع وحده لا يكفي. وفي هذه الحالة على الحكومة ان تبعد سيفها وذهبها إلا حسب القانون الذي يساوي بين الجميع دون أي امتيازات ايديولوجية أو حزبية. لا نريد ان نلقي كل اللوم على العوامل الخارجية والمتمثلة في دور السلطة في الصحافة السودانية، لان الأخيرة مليئة بعيوبها الذاتية التي تقعد بها عن التطور وعن المساهمة الجادة في دفع عملية التحول الديمقراطي. اذ انه رغم حاجة الفترة المقبلة إلى صحافة مستقلة حقيقة، الا ان تجربة الفترة 85 ـ 1989 تتكرر الآن. فهناك صحف كثيرة مخترقة أو على علاقات سرية مع تنظيمات سياسية معينة ومع ذلك تضع في صدر صفحتها الأولى شعار: صحيفة يومية مستقلة. وهذه الظاهرة عجلت بسقوط الديمقراطية الثالثة. وهذا عمل يتناقض مع اخلاق المهنة الصحفية لانه لا يوجد ما يمنع أي انسان من الافصاح عن مواقفه وتوجهاته الا اذا كانت هناك مؤامرة تدبر في الظلام. وهذا ما حدث في الماضي ونتمنى الا يعيد التاريخ نفسه. يلاحظ ان الصحافة السودانية فقدت في كثير من الأحوال المهنية أو الحرفية في اداء عملها، فالصحفيون المحترفون ذوو الكفاء العالية يحسبون على اليد الواحدة. كما ان البلاد في بعض سنوات الغفلة والتسيب شهدت صعود أسماء في عالم الصحافة لا تملك غير الولاء للسلطة وقابل ذلك حاجة الحكام للمطبلين. ثم جاءت الهجرة وتدهور الاوضاع الاقتصادية ليساعدا في احتكار هذه الفئة لميدان الصحافة والإعلام. ومع عودة وانتشار الصحف عددياً وجدت هذه الفئة الفرصة مرة اخرى: وكل امرء يحتل في السودان غير مكانه! والصحافة السودانية مطالبة بالنهوض مهنياً بكوادرها من خلال التدريب وتبادل الخبرات مع العالم الخارجي والاستفادة من التقنينات الحديثة من اجل زيادة وتحسين الانتاج ورفع التوزيع وكسب الإعلان وكل الوسائل التي تمكن الصحيفة من النجاح والانتشار. أما مضمون ومادة الصحافة السودانية فهي تحتاج إلى جهد حقيقي. فقد ركنت بعض الصحف إلى الاثارة وعدم العناية بانتقاء الكلمات والتعابير التي ترفع من ذوق ولغة القاريء. وكما انها لا تحترم عقول القراء وتعتبر القاريء مجرد متلق وليس محاوراً وناقداً ومناقشاً، ويلجأ بعض الصحفيين إلى التعالي في مخاطبة القراء وكأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة ورسالتهم توصيلها إلى رعية جاهلة. ويتعامل بعض الصحفيين باستخفاف أيضاً بطريقة الجمهور عايز كده! حين يطالب بالارتقاء بمادته ولغته، ويدعي انه يريد ان ينزل للناس، فهم يتخيلون انفسهم في قمم فكرية سامقة ويتكرمون بالنزول إلى العامة ورغم ان هؤلاء يمتلكون حساً وذكاء فطرياً نافذاً وعارفاً. تحتاج الصحافة السودانية إلى ميثاق شرف يلتزم به كل العاملين في هذا الحقل. فهذه مهنة تحتاج لقدر كبير من المسئولية والشرف، ولابد ان تتكون من ذوي الاخلاق العالية. لانها مهنة تكوين الوعي لدى الشعب وهذه مهمة تتلافى مع المعلمين والتربويين، ولكن بعض صحفنا تساهم في عملية تزييف وعي الجماهير بحقائقها الناقصة وتحليلاتها السطحية والانطباعية. فعملية تمليك الحقيقة والمعلومة تحتاج لاهل الثقة والكفاءة، فعلى الصحفيين كافراد وجماعات ان يتواضعوا على حد أدنى في تحمل مسئولية تكوين الوعي. وضمن اخلاقيات المهنة الا يعتمد الصحفي على العلاقات الشخصية على حساب موضوعية تقديم الحقائق والمعلومات. اذ نجد بعض الصحفيين يقومون بعملية التلميع وتصعيد وبث بعض الشخصيات لاسباب غير موضوعية تتعلق بمكاسب ذاتية أو مصالح متبادلة. وتنتقل علاقات المجتمع العشائري والشللية إلى ميدان الصحافة مما يبعدها عن دورها ووظيفتها العامة المتوقعة. وقد تتعمد الصحف عزل أو استبعاد اناس معينين لأسباب بعيدة عن الموضوعية والعقلانية في العلاقات. وبهذه الطريقة تخون الصحافة رسالتها في تمليك المعلومات للمواطنين لسبب بسيط هو ان احد المحررين لا يستلطف فلاناً ـ على سبيل المثال. نتوقع من الصحافة السودانية ان تصبح بالفعل سلطة شعبية وان تساعد في عملية التحول الديمقراطي، وان تتجاوز عجزها التاريخي لانها تنقل علاقات التخلف إلى مجال حديث يرتبط بانتشار المعرفة والوعي. وكالعادة لا يمكن تحقيق ما هو حديث بوسائل وعقليات تقليدية.