منذ بداية تحول العلاقات مع العراق إلى قضية أولى لدولة الكويت في أغسطس 1990 والأخيرة تتحرك خارجيًا على ثلاثة مستويات للتعامل مع ما تفرضه عليها تلك العلاقات من تحديات أمنية وسياسية واقتصادية وإنسانية، كان أول هذه المستويات هو المستوى الخليجي في إطار مجلس التعاون الذي يضم دول الخليج الست، وثاني المستويات المستوى العربي بما يشمله من علاقات ثنائية تجمع الكويت وكلا من الدول العربية وكذلك جامعة الدول العربية، أما ثالث المستويات التي تتحرك من خلالها حكومة الكويت للتصدي للمواقف العراقية فهو المستوى الدولي ويشمل الأمم المتحدة وكل الدول غير العربية بما فيها الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن التي ترتبط معها الكويت بعلاقات شراكة مميزة منذ حرب الخليج الثانية. غير أن التحرك الكويتي على هذه المستويات جميعًا قد واجه تحديًا ضخمًا خلال الفترة محل الدراسة أي منذ بداية عام 2000 وحتى الآن وذلك لما طرأ أثناء هذه الفترة من مستجدات في الملف العراقي أضيفت لما يطرحه الشق الخاص بالعلاقات الكويتية ـ العراقية من تحديات موجهة للحكومة الكويتية، ومن أهم هذه المستجدات ما يلي: 1ـ تحسين علاقات العراق الخارجية سواء على المستوى الإقليمي أو العربي أو الدولي، فإقليميًا أعادت دول خليجية علاقاتها الدبلوماسية مع الحكومة العراقية بعد عشر سنوات من قطعها، هذا إضافة لمؤشرات التحسن الصادرة في هذه الفترة على العلاقات الإيرانية ـ العراقية بعد أكثر من عشرين عامًا من التوتر والتصعيد، كذلك محاولات التقارب التي شهدتها العلاقات العراقية ـ التركية رغم كل القضايا الخلافية بين الطرفين. وعلى المستوى العربي تحسنت علاقات العراق وإن كان من بوابة اقتصادية مع عدد من الدول العربية التي اتسمت علاقاته معها سابقًا بالتوتر كما هو الحال مع جمهورية مصر العربية، أو بالقطيعة كما هو الحال مع سوريا، هذا إضافة للمزيد من التحسن لعلاقات جيدة بطبيعتها تربط بين العراق ودول كالأردن واليمن وفلسطين. أما على المستوى الدولي فلم يعد خافيًا حجم المساندة التي يحظى بها العراق من قبل روسيا والذي تجلى في امتناع الأخيرة عن التصويت على القرار رقم 1284 وظلت مؤشراته مستمرة حتى يومنا هذا بعد أن أدى تهديد موسكو باستخدام حق الفيتو إلى إفشال المشروع البريطاني ـ الأمريكي حول العقوبات الذكية. إضافة لذلك هناك العلاقات الاقتصادية التي ازدادت متانة بين العراق وكل من فرنسا والصين اللتين حصلتا خلال الفترة محل الدراسة على آلاف العقود العراقية في معاملة تمييزية واضحة من قبل النظام العراقي، الأمر الذي اتضح أثره في كثير من المواقف المرنة من جانب كلتا الدولتين تجاه العراق. هذا الواقع الجديد فرض تحديًا أمام الحكومة الكويتية خاصة وأنه من المعروف قراءة القيادة العراقية لأي موقف منفتح عليها على أنه اتفاق مع نهجها السياسي، الأمر الذي رتب جرأة عراقية في توجيه التهديدات وتصعيد اللهجة عمومًا تجاه دولة الكويت. 2ـ اختلاف أوضاع العراق الاقتصادية عما كانت عليه بعد هزيمته في حرب التحرير عام 1991، وذلك نتيجة للأموال التي يحصل عليها من جراء تهريبه النفط والتي بلغت أكثر من مليوني دولار بعد أن ألغى مجلس الأمن السقف المحدد لإنتاج النفط العراقي، ومما لاشك فيه أن هذه الأمور ساعدت العراق في أكثر من جهة. 3ـ تآكل نظام العقوبات المفروض على العراق، حيث رفض العراق القرار رقم 1284 ولم يقابله موقف دولي جاد لتطبيقه وإجبار العراق على دخول المفتشين الدوليين، الأمر الذي ضاعف من التحديات الأمنية التي تواجه الكويت وزاد من خطورة التهديدات العراقية لها. وعلى الرغم من هذه التحديات تحركت الحكومة الكويتية بفعالية ملحوظة وعلى كل المستويات لتفعيل قضاياها الأساسية والتصدي للمحاولات العراقية الرامية لإغلاق ملف الغزو العراقي دونما وفاء بما رتبه هذا الغزو من حقوق لم يستردها الجانب الكويتي بعد. ويعد تحرك الكويت لتفعيل قضايا الأسرى والتصدي للتهديدات العراقية الأخيرة أبرز الأمثلة على ذلك. ففيما يتعلق بقضية الأسرى؛ لا تكاد تخلو زيارة لمسئول كويتي لأي دولة عربية أو غير عربية أو مشاركة أحدهم في مؤتمر دولي إلا وتبذل الجهود لتوضيح الحق الكويتي فيما يخص هذه القضية وإلقاء الضوء على مماطلة العراق في إنهائها. عرض المحادثات المباشرة ولم يتوقف الأمر عند حد الجولات الدبلوماسية بل ذهبت الحكومة الكويتية أبعد من ذلك عندما عرض النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع السابق سالم الصباح في يوليو 2000 استعداده لإجراء محادثات مباشرة مع العراق مقابل إطلاق الأخير سراح عشرة أو خمسة في المئة من أسرى الكويت، إلا أن العراق رفض العرض الكويتي واعتبره آنذاك وسيلة لتضليل الرأي العام الكويتي والعربي. وقد أثمرت الجهود الكويتية تلك استجابة دولية وعربية ملحوظة تمثلت فيما يلي: ـ في 17 إبريل 2000 عقد مجلس الأمن جلسة مفتوحة خصصت لمناقشة تقرير المنسق يولي فورنتسوف حول قضية الأسرى بعد أن قام الأخير بزيارة لكل من السعودية وجمهورية مصر العربية ودولة الكويت وحاول دخول العراق ولم يستطع. ـ في أغسطس 2000 أصدر مجلس الأمن الدولي بيانًا أعرب فيه عن بالغ قلقه لمصير الأسرى والمفقودين الكويتيين لدى العراق آملاً أن يتم التعامل مع القضية بإنسانية تامة. ـ مبادرات الجامعة العربية لحل قضية الأسرى وعلى أكثر من مستوى سواء مطالبة الحكومة العراقية بالتعاون مع الجهات المعنية بحل هذه القضية أو بالتصدي لادعاءات العراق بعدم وجود أسرى لديه، ومن أمثلة ذلك تصدي الأمين العام السابق للجامعة العربية د.عصمت عبد المجيد لمحاولة العراق تجاوز قضية الأسرى في البيان الختامي لقمة المرأة في نوفمبر 2000 وقصره على الحديث عن معاناة الشعب العراقي، هذا خلاف البيانات الأخرى الصادرة عن الجامعة العربية والتي ناشدت السلطات العراقية الإفصاح عن مصير الأسرى. وعلى المستوى الدولي تحرص الجامعة العربية على التنسيق بينها وبين الأمم المتحدة بشأن هذه القضية حيث قام د. عصمت عبد المجيد بعقد مناقشات مهمة تناولت هذا الموضوع مع كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة أثناء لقائه به بنيويورك في 25/9/2000، كما حرص د. عصمت عبد المجيد على لقاء المنسق الدولي يولي فورنتسوف لمناقشة تقاريره الدورية إلى مجلس الأمن وذلك أكثر من مرة في إبريل 2000 وأيضًا في سبتمبر من نفس العام. ـ المساندة الكبيرة التي عبرت عنها الدول العربية لهذه القضية الإنسانية أمام الدورة الـ55 للجنة العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2000 حين أطلقت كل من السعودية وسوريا والأردن والإمارات وغيرها دعوات مكثفة للعراق تطالبه خلالها بإطلاق سراح الأسرى الكويتيين. ـ المبادرة الروسية التي تمثلت في قيام موسكو بإيفاد مبعوثين للعراق لحل قضية الأسرى إلا أنها قوبلت بالتعنت والرفض من جانب السلطات العراقية. وعن تعامل الحكومة الكويتية اعلان العراق بشأن وجود أسرى عراقيين بالكويت نجدها وبعد أن أكدت نفي هذه المزاعم في مختلف الجولات الدبلوماسية، تعلن فتحها السجون الكويتية أمام أي جهة دولية تسعى للتحقق من هذا الأمر ومن عدم مخالفتها لأي قرار دولي فيما يخص الاحتفاظ بالأسرى، وبالفعل قام أندرياسا مار المقرر العام لحقوق الإنسان بزيارة للكويت وشهد بسلامة موقفها فيما يخص هذه القضية في تقريره إلى الأمم المتحدة. ولاتزال الحكومة الكويتية تتعاون بشكل كامل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وتسمح لها بزيارة كل السجون وبحرية تامة دون أي قيود. الأهم من ذلك أن الحكومة الكويتية قبلت ملفات المفقودين العراقيين التي قدمها العراق إلى اللجنة الثلاثية والصليب الأحمر، وباشرت البحث عنهم على الرغم من أن معظمهم اعتبر مفقودًا على الأراضي الكويتية خلال فترة الاحتلال العراقي لدولة الكويت، وفي غياب السلطة الشرعية الكويتية وأن البعض الآخر فقد خلال عمليات الانسحاب غير المنظمة للجيش العراقي، ومع ذلك فقد توصلت الجهود الكويتية إلى بعض المعلومات التي ساهمت في إصدار شهادة وفاة لأحد المفقودين العراقيين إضافة إلى إعادة رفات مفقود آخر إلى ذويه. ويمكن القول بأن تعاون الحكومة الكويتية ذاك على رغم نفيها التام لصحة التصريحات العراقية قد أكسب موقفها المطالب بعودة أسراها مصداقية دولية كاملة نابعة من مراعاتها الطبيعة الإنسانية لقضية الأسرى دون التفات للتعقيدات السياسية التي يحفل بها ملف العلاقات الكويتية ـ العراقية. قضية التعويضات وفيما يتعلق بتعامل الحكومة الكويتية مع قضية التعويضات، يلاحظ قبولها لقرار مجلس الأمن خفض نسبة التعويضات من 30 إلى 25% على اعتبار أن ذلك من شأنه تخفيف معاناة الشعب العراقي، خاصة وأن ذلك القرار لا يعني ضياع الحقوق الكويتية، وإنما فقط تقسيطها على فترة أطول نسبيًا. ومن ناحية أخرى حركت الحكومة الكويتية في سبتمبر الماضي مطالبها للحصول على تعويضات من العراق، لما لحق منشآتها النفطية من دمار خلال أشهر الغزو العراقي وما خلفه من حرق وتدمير لأكثر من 700 بئر نفطية. التعويضات وفي إجراء جديد استهدف تحقيق نفس الغاية في الحصول على التعويضات الكويتية لدى العراق تقدمت الحكومة الكويتية في نهاية سبتمبر 2000 بمطالب إلى لجنة التعويضات للحصول على تعويضات تقدر بمبلغ 168 مليار دولار عن خسائرها الفادحة في كل القطاعات الاقتصادية والصحية من جراء الغزو العراقي ولاتزال هذه المطالب في إطار المناقشة من قبل اللجنة الدولية. وعلى المستوى الخليجي، كثفت الحكومة الكويتية اتصالاتها مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي بهدف الوصول إلى موقف موحد تجاه العراق خاصة في ضوء ما طرأ على العلاقات بين الأخير وعدد من الدول الخليجية من تحسن. وفي تحرك على المستوى العربي أرسلت الحكومة الكويتية احتجاجات رسمية إلى الأمين العام للجامعة العربية آنذاك د. عصمت عبد المجيد مطالبة إياه باتخاذ موقف رسمي من هذه التهديدات، ومن ناحية أخرى أجرت الحكومة الكويتية اتصالاتها بعدد من الدول العربية تدعوها للتحرك لوقف التصعيد العراقي. أما على المستوى الدولي فقد طلبت الحكومة الكويتية من الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في مذكرة رسمية التحرك لوقف التهديدات العراقية بإعادة كرة الغزو من جديد، كما أرسلت مذكرة رسمية أخرى تطالبه فيها «بالتعامل بشكل جدي وسريع مع اتهام العراق للكويت بسرقة النفط» وحضته كذلك على اتخاذ ما يلزم للرد على المحاولات العراقية. ومن ناحية أخرى أعلنت الحكومة الكويتية استعدادها التام للتعاون مع أي لجنة محايدة يرى مجلس الأمن تشكيلها للتحقيق في هذه الادعاءات على أن تزور اللجنة حقول النفط الكويتية والعراقية على جانبي الحدود المشتركة. وبوجه عام يلاحظ على تحرك الكويت لمواجهة التصعيد العراقي ما يلي: 1ـ اعتماده الأساسي على ما يعطيه هذا التصعيد من دلالات حول استمرار النيات العدوانية والرغبة التوسعية للعراق ليس تجاه دولة الكويت فقط وإنما تجاه دول المنطقة الأخرى التي شملها العراق بتصعيده وخاصة المملكة العربية السعودية. 2ـ إنه كان مناسبة مهمة لاختبار مدى متانة التحالف الدولي الذي سبق وحرر الكويت من الغزو العراقي عام 1991 وما إذا كان التآكل الذي أصاب نظام العقوبات المفروضة على العراق قد امتد إلى التزام دول التحالف وبخاصة الكويت أم لا. 3ـ إنه كان اختبارًا كذلك للانعكاسات التي قد يرتبها تحسن العلاقات العراقية ـ العربية على العلاقات الكويتية ـ العربية. وعلى المستوى الدولي؛ عقد مجلس الأمن اجتماعًا معلنًا في العاشر من أغسطس عام 2000 في رده على التهديدات العراقية لبحث هذه المسألة حيث عبر في بيان له عن أسفه تجاه التهديدات العراقية معتبرًا إياها مناهضة لالتزامات العراق التي تمليها عليه القرارات الدولية. كما سارعت فرنسا وبريطانيا بإعلان التزامهما بأمن وسيادة دولة الكويت مذكرين العراق بما أبرمته الأخيرة معهما من اتفاقيات أمنية ملزمة لأطرافها. أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد اتخذت موقفًا صارمًا إزاء التهديدات العراقية حيث وجهت تحذيرًا قويًا للعراق من مغبة سلوكه ذلك ملوحة في ذلك بإمكانية ردها باستخدام القوة العسكرية إذا ما اقتضى الأمر. هذا خلاف إعلان دول مثل ألمانيا وأسبانيا وإيطاليا عن وقوفهم إلى جانب استقلال وسيادة الكويت. محاور التحرك الكويتي رغم النتائج الإيجابية التي تحصدها التحركات الدبلوماسية الكويتية في مواجهة العراق تظل الحاجة قائمة لتبني استراتيجية متكاملة تجاه الأخير تأخذ في الاعتبار ضرورة تفعيل قضايا الكويت العالقة حتى الآن وأيضًا المستجدات التي ذكرها فيما يخص الملف العراقي والتي يخشى من تأثيرها مستقبلاً على فاعلية الأداء الكويتي، وفي هذا الإطار يمكن تقديم التوصيات التالية: 1ـ اعتماد سياسة خارجية تعتمد على المبادرة وخلق رد فعل لسياسات سبق أن اتخذها النظام العراقي، الأمر الذي يتطلب تحركًا من الحكومة الكويتية على ثلاثة محاور: الأول خليجيًا: من خلال تكثيف الجهود الدبلوماسية داخل مجلس التعاون الخليجي لإيجاد درجة أكبر من التنسيق وتوجيه الخطاب السياسي والإعلامي تجاه النظام العراقي، والأهم من ذلك هو الدفع باتجاه تنفيذ بنود اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك التي تم التوقيع عليها في القمة الخليجية بالمنامة وتفعيلها من خلال تعزيز قوات درع الجزيرة ومحاولة إحياء مشروع السلطان قابوس بشأن تشكيل جيش خليجي موحد ومجهز قوامه مئة ألف جندي من كل الدول الخليجية، وتنبع أهمية التنسيق العسكري بين الكويت وباقي دول الخليج من تأثيره المتوقع كعامل ردع للنظام العراقي يخفف من تهوره في إطلاق التهديدات. المحور الثاني: عربيًا وفي هذا الخصوص تثار حاجة واضحة لتلافي أوجه القصور الحالي في توجهات السياسة الخارجية الكويتية التي تقتصر على دول عربية بعينها دون النظر إلى دول أخرى لها ثقلها السياسي كالمغرب والجزائر وتونس وليبيا. وهي دول أعضاء سواء في الجامعة العربية أو الأمم المتحدة وتشكل في مجموعها كتلة تصويتية لا يجوز تجاهلها، وهنا تجدر الإشارة إلى موقف كل من الجزائر وليبيا في التصويت ضد قرار للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة كان يدعو العراق إلى إطلاق سراح الأسرى الكويتيين الأمر الذي كان يمكن تلافيه في حالة وجود علاقات قوية بين الكويت وهذه الدول من شأنها تقريب وجهة النظر الكويتية خاصة في قضية مثل الأسرى التي يحيطها العراق بقدر هائل من المعلومات المغلوطة. أما المحور الثالث: والأخير فهو المحور الدولي وعليه يجدر أن تتحرك الكويت نحو تحسين علاقاتها مع الدول الدائمة العضوية بمجلس الأمن التي تتجه اتجاها واضحًا للتقارب مع العراق مثل روسيا والصين وفرنسا وذلك بهدف حل قضايا الكويت العالقة مع العراق على خريطة اهتمام هذه الدول ومن ثم أخذها في الاعتبار في سياسة دفاعها الحالي عن العراق ورغبتها في رفع الحصار عنه. 2ـ تشكيل فريق كويتي متخصص في إدارة الأزمات تحت إشراف الحكومة يتم دعمه بكل الآليات والمعلومات بحيث يكون على استعداد دائم لمواجهة أي تصعيد من قبل العراق. 3ـ تعزيز وتطوير منظومة الدفاع في الجيش الكويتي بحيث يكون مؤهلاً للتصدي لأي عدوان عراقي محتمل. وبالنظر إلى قدرات الجيش الكويتي سنجد أنه على الرغم من مرور عشر سنوات على التحرير فإن الخطة التي وضعت آنذاك بهدف تطوير المؤسسة العسكرية لم تطبق إلا جزئيًا ولم يحصل الجيش على الدعم الكافي ليصل إلى المستوى المنوط بدوره اللهم سوى زيادة حجمه إلى 30 ألف جندي بدلاً من20 ألف جندي قبل الغزو، كما لم تتغير ميزانية الجيش منذ أكثر من خمس سنوات ومعظمها يذهب إلى الأجور والرواتب أما ما يتعلق بالتدريب والتجهيز وشراء المعدات والأسلحة الحديثة فلا يخصص له إلا ميزانية محدودة نسبيًا. المصالحة مع العراق ثانيًا: موقف الحكومة الكويتية من قضية المصالحة مع العراق: كانت قضية المصالحة مع العراق ـ ولاتزال ـ من أهم وأكثر القضايا التي تواجه الحكومة الكويتية تعقيدًا في صياغة خطابها السياسي تجاه العراق، لأنها تشمل في أبعادها كل ملفات العلاقات الكويتية ـ العراقية كالأسرى والأمن وحسن الجوار بصفتها في هذه الحالة شروطًا وركائز لبدء عملية المصالحة. وقد شهدت فترة التسعينيات جهودًا عربية كثيرة للمصالحة بين الجانبين إلا أنها لم تسفر عن نتائج إيجابية نظرًا لمحاولة بغداد التنصل من قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بغزو الكويت وبخاصة ما يتعلق بالأسرى والمفقودين الكويتيين. وعن الفترة محل الدراسة نرصد عدة دعوات للمصالحة بين العراق والكويت من بداية عام 2000 لعل أهمها ما دعا له الرئيس اليمني علي عبد الله صالح من ضرورة إيجاد حوار مباشر بين العراق والكويت، كذلك دعوة العراق ذاته «بضرورة إيجاد تطبيع وتعاون وحوار كامل بين العراق ودول الخليج» وقد انطلقت آنذاك من عدة منطلقات من قبيل أن «مستقبل المنطقة وليس العراق فقط يتطلب مثل هذا التطبيع» وأن «مستقبل الكويت قبل مستقبل العراق قد يكون بحاجة أكثر إلى التطبيع والحوار الإيجابي لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة». وقد اصطدمت هذه الدعوات برفض شعبي قاطع دعمه رفض رسمي اعتمد بالأساس على خلو تلك الدعوات من أي إشارة إلى استعداد بغداد لتنفيذ المطالب الكويتية التي تضمنتها القرارات الدولية خاصة وأن دعوة بغداد للمصالحة جاءت مباشرة بعد إعلانها الرسمي رفض القرار رقم 1284 الذي أصدره مجلس الأمن في ديسمبر 1999. من هنا يمكن القول إن محاولة المصالحة التي جرت أثناء القمة العربية الأخيرة بعمان هي أولى المحاولات الجدية في هذا الشأن وأهمها على الإطلاق؛ لأن كل الدول العربية شاركت فيما تناولته من مناقشات حول مطالب الجانبين الكويتي والعراقي بشكل أفضى للتوصل إلى ما عرف باسم «الصيغة التوفيقية» التي حاول من خلالها القادة العرب صياغة قواعد جديدة تؤمن في آن واحد حق الكويت في صيانة أمنها وضمان عدم تكرار تجربة الغزو وحق الشعب العراقي في رفع الحصار عنه. وقد واجهت الحكومة الكويتية تحديًا ضخمًا في فترة ما قبل القمة حيث ساد تخوف من انحياز الدول العربية للجانب العراقي والاستجابة لما يعرضه من مطالب برفع الحظر دونما تركيز على مطالب الحكومة الكويتية، ومن ثم جر الأخيرة إلى تسوية غير عادلة مع العراق، وعظم من إمكانية حدوث ذلك أمرين: الأول: روح التعاطف العربي العالية على المستويين الرسمي والشعبي مع معاناة الشعب العراقي التي نجح الإعلام العراقي في تصوير استمرار العقوبات الدولية كمسئول وحيد عنها. الثاني: الضربات الأمريكية ـ البريطانية الأخيرة على العراق التي سبقت القمة العربية بأيام ولاقت تنديدًا رسمياً من كل العواصم العربية وألقت ملف العراق في بؤرة الاهتمام العربي مرة أخرى. وهنا نجد أن العراق قد استطاع في فترة ما قبل القمة خلق بعض ردود الأفعال لدى بعض القطاعات العربية عن مسئولية دولة الكويت عن هذين الأمرين (استمرار العقوبات والضربات الأمريكية) فهو أولاً روج لفكرة أن الكويت تقوم بتضخيم خطورة التهديد العراقي بهدف إبقائه داخل أسوار الحصار الدولي، وثانيًا قام العراق بتوجيه اتهامات مباشرة للكويت والسعودية أيضًا بمسئوليتها عن الضربات الجوية على الأراضي العراقية بسبب انطلاق الطائرات البريطانية والأمريكية من اراضيهما، على الرغم من تأكيد الشيخ صباح الأحمد آنذاك حقيقة أن الطائرات الأمريكية قد انطلقت إما من البحر أو من الأراضي التركية وأنه ليس للكويت أي علاقة بتلك الضربات. أما فيما يخص زيارات وزير الخارجية الكويتي لكل من الأردن واليمن فقد جاءت كإجراء عملي يثبت بصورة قاطعة قبل اجتماع القادة العرب غلق الكويت نهائيًا لملف ما كان يسمى بـ «دول الضد» تكريسًا منها لمبادئ التضامن العربي ودحضًا لأية ادعاءات عراقية في هذا الشأن. واعتمادًا على ما حققته هذه الجولة وغيرها من التحركات الدبلوماسية من نتائج إيجابية، شاركت الدبلوماسية الكويتية في اجتماعات القادة العرب التي توصلت إلى صيغة توفيقية قصد بها تحقيق التوازن بين مطالب العراق وضمانات الكويت، بحيث نصت على ما يلي: أولاً: تأكيد ضرورة احترام ميثاق جامعة الدول العربية والمحافظة على الأمن القومي العربي على أساس احترام وسلامة كل دولة وسيادتها على أراضيها ومواردها وحقوقها، وعدم التدخل أو السماح بالتدخل في شئونها الداخلية، وعدم استخدام القوة، والالتزام بتسوية النزاعات بالوسائل السلمية عن طريق الحوار والتفاوض ومن خلال آليات فض النزاع. ثانيًا: ـ التأكيد على احترام استقلال وسيادة دولة الكويت وضمان أمنها ووحدة أراضيها وأمن حدودها المعترف بها دوليًا وعدم التدخل في شئونها الداخلية وتأكيد التزام العراق بذلك ودعوته إلى اتخاذ السياسات الكفيلة باحترام هذا الالتزام. ـ التأكيد على احترام واستقلال وسيادة العراق ووحدة أراضيه وسلامته الإقليمية وعدم التدخل في شئونه الداخلية والمطالبة بوقف ما يتعرض له العراق من أعمال وإجراءات تمس سيادته وتهدد سلامته، وخاصة تلك التي تتم خارج إطار قرارات مجلس الأمن ذات الصلة وبخاصة الضربات العسكرية. ـ دعوة العراق إلى إتمام تنفيذ كل الالتزامات الواردة في قرارات مجلس الأمن لإيجاد حل سريع ونهائي لمشكلة الأسرى والمفقودين الكويتيين وغيرهم وإعادة كل ممتلكات الكويت. ـ المطالبة بإنهاء المشاكل العالقة بشأن موضوع أسلحة الدمار الشامل ووسائل المراقبة عبر مفاوضات بين العراق ومجلس الأمن لاستكمال الالتزامات المتعلقة بذلك بشكل عادل وشامل بأسرع وقت ممكن وفقًا لقرارات مجلس الأمن، وذلك بهدف إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط. ثالثًا: ـ المطالبة برفع العقوبات المفروضة على العراق. ـ اتخاذ الترتيبات اللازمة لاستئناف الرحلات الجوية التجارية مع العراق. ـ الدعوة إلى التعاون فيما يتعلق بما قدمه العراق بشأن المفقودين العراقيين برعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وبالنظر إلى موافقة الوفد الكويتي برئاسة وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد على هذه الصيغة التي أجمعت عليها 22دولة عربية يتضح حجم المرونة التي أبدتها الكويت بضم صوتها إلى الأصوات المنادية برفع العقوبات عن العراق أو بفتح مجالاتها الجوية للطيران المدني العراقي. إلا أن التنازل الأكبر كان في نقطتين أساسيتين: الأولى: الموافقة ضمنا على إدانة منطقتي الحظر الجوي شمال وجنوب العراق على اعتبار مخالفتهما للقرارات الدولية، ذلك على الرغم من أن هاتين المنطقتين تحكمهما اعتبارات منصوص عليها في قرارات الأمم المتحدة وخاصة القرار 949 وأيضًا اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرم في صفوان وتضمن حماية الأقليات ومنع النظام العراقي من تعزيز قدراته جنوب خط عرض 32، هذا فضلاً عن أن منطقة الحظر في الجنوب استهدفت ومنذ بداية تقريرها حماية الكويت والسعودية من التهديدات التي تطلقها بغداد من حين لآخر. الثانية: تخلي الكويت عن شرطها السابق باعتذار العراق عن غزوه إياها وهو إجراء تطلب شجاعة كبيرة من الوفد الكويتي الذي عمد بذلك إلى تجاوز مطلب جماهيري في غاية الأهمية يصر عليه الشعب الكويتي منذ إثارة قضية المصالحة مع العراق. وعلى الرغم من هذه التنازلات من جانب الوفد الكويتي جنح الوفد العراقي إلى رفض الصيغة التوفيقية رغم تضمنها لثلاثة شروط سبق وطالب بها المسئولون العراقيون سواء قبل اجتماعات القمة أو في أثنائها وهي رفع الحصار ورفع منطقتي حظر الطيران وأيضًا تسهيل الرحلات الجوية المدنية من وإلى العراق. وقد جاء الرفض العراقي ذاك نتيجة لما يلي: ـ إصرار الوفد العراقي على تضمين الصيغة إشارة إلى وجود قواعد أمريكية في دول خليجية تنطلق منها الطائرات للإغارة على العراق وهو ما رفضته الدول العربية على اعتبار أن وجود مثل هذه القواعد ضمان لعدم تكرار تجربة الغزو خاصة وأن بغداد لم تتخل عن تهديداتها. ـ رفض الوفد العراقي النص على أسرى كويتيين باعتبار أن العراق أدى كامل التزاماته فيما يخص هذا الشأن. ـ أما أهم البنود التي شدد الوفد العراقي على رفضها فهي تلك المتعلقة بدعوة العراق الالتزام باحترام أمن وسيادة الكويت، حيث أصر وزير الخارجية العراقي سعيد الصحاف على عدم إمكانية تجديد ذلك الالتزام على اعتبار أن العراق قد نفذ كل ما طلب منه استنادًا إلى القرار 833، بل إن المسئول العراقي ذهب في تصريحاته آنذاك إلى أن الكويت هي من ينتهك سيادة العراق بسماحها للطائرات الأمريكية والبريطانية بضرب أراضيه. وكنتيجة لهذا الخلاف جاء البيان الختامي لقمة عمان خاليًا من الإشارة إلى بند .. الحالة بين العراق والكويت وإن أضيف إليه بند آخر عهد فيه للملك عبدالله الثاني ملك الأردن تشكيل لجنة لبحث موضوع الحالة وإجراء الاتصالات بين الدول المعنية للتوصل إلى تسوية في هذا الشأن وقد كانت تلك الإضافة بمنزلة مخرج وبديل معين للدول العربية للخروج بإجماع فيما يتعلق بـ «الحالة بين العراق والكويت» حتى لا يقف هذا البند عقبة أمام نجاح أول قمة دورية. ويمكن القول بان الدبلوماسية الكويتية قد خرجت من هذه القمة بعدة نجاحات ومكاسب ابرزها: ـ حققت للكويت مكسبًا سياسيًا ودبلوماسيًا بظهورها الطرف الأكثر انسجامًا مع الإجماع العربي وذلك بعد أن سجلت غالبية الدول العربية للكويت حرصها على تهدئة الأجواء وإنجاح القمة واستعدادها للاستماع لوجهات نظر الدول العربية الأخرى حرصًا منها على عودة التضامن العربي. ـ أصبحت .. الحالة بين العراق والكويت .. ونتيجة للمرونة التي أبداها الوفد الكويتي حالة بين العراق والعرب خاصة بعد رفض الأولى لقرار تقدمت به 16 دولة عربية ووافقت عليه 22دولة مما أفشل جهود القمة العربية. ـ حملت القمة دلالات واضحة على استمرار العراق في خطابه القديم أثناء القمة. المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية بالكويت: