ترتفع الأصوات في كل مكان.. المرأة نصف المجتمع، المرأة شريك للرجل.. ومع ذلك فإنه منذ خرجت المرأة للعمل، والمشكلات تلاحقها، فالمطلوب أن تثبت أنها موظفة كفء وعاملة مجدة وأم فاضلة وزوجة رائعة.. والمتاعب لا تنتهي.. سواء في المنزل أو خارجه.. وعليها أن تسير على حبل مشدود وتحفظ توازنها فلا تقع منه، يجب أن تهتم بعملها وتتقنه إلى أبعد حد، ربما أكثر من زملائها الرجال حتى لا يقال أنها تعتمد على كونها امرأة لكي «تتدلل». ومطلوب أن تهتم بمنزلها وأبنائها فلا ينقص شيء ويبدو دوما في أفضل صورة، وإلا أصبحت مقصرة وارتفعت الأصوات مطالبة بعودتها إلى المنزل. ومع أن الرجل يعمل خارج المنزل مثل المرأة تماما، وربما أقل لأنه ليس مضطرا لبذل مجهود إضافي لإثبات كفاءته، إلا أنه في نفس الوقت، يتعفف أن يرفع طبقا من فوق مائدة الطعام لأن هذا «شغل ست البيت».. حيرتمونا والله.. العبء كله على المرأة.. ثم ترتفع الأصوات من جديد تطالبها بالعودة إلى المنزل لأنها «قصرت» في واجبها وانتشر الانحراف في المجتمع، كأن الأب ليس مسئولا مسئولية مشتركة عن تربية الأبناء وتعليمهم الصواب والخطأ. الأستاذة الدكتورة ليلى الباز الأستاذ بكلية طب الأزهر وخبيرة الطب الجنائي بوزارة العدل سابقا تقول: القيادة فن يعتمد على شخصية الإنسان بصرف النظر عن جنسه. وتجربة الأستاذة الدكتورة ليلى الباز كانت في الأساس في مجتمع «نسائي» لأنها كانت رئيسة لقسم الباثولوجي في كلية طب (البنات) جامعة الأزهر، وبالتالي فإن كل تعاملاتها كانت مع نساء سواء المرؤوسات أو الطالبات، والمرأة هنا تكثر أعذارها.. ابني مريض، يجب أن أصحب البنت من المدرسة، زوجي عامل «عزومة» ويجب أن أعد لها، المرأة أعذارها كثيرة، ويجب التعامل مع الموقف بدقة وحذر، حتى لا تتحول المسألة إلى تراخ وإهمال. أي أنك لا تستطيع أن تنكر وجود «تدليل» إلى حد ما، ولكن بحساب حتى لا تفسد الأمور. ولكن هل التعامل مع المرؤوس الرجل أصعب؟ منى تؤكد: أنا أعتقد أنه لا يتطلب مجهودا أكبر إذا كانت ملمة تماما بالعمل ومتطلباته والتزاماته أي أنها تغلب الرجل هنا بمعرفتها، وليس بمنصبها، يجب أن يعلم الرجل أنه يتعامل مع سيدة «تفهم» عملها وتتقنه إلى أبعد حد وبالتالي تكتسب احترامه ولا تترك أمامه الاختيار، فمعرفة الخطأ من الصواب أمر أساسي في العمل، والرجل لا يحترم الرئيسة «الجاهلة» بأصول عملها. وبالتالي هي تشعره أنها عضو فريق مثله. وطبعا الأمر يتوقف أيضا على الشخصيات التي تتعامل معها، وتقبلهم لها كإنسانة ذات معرفة. مع المرأة المرؤوسة الأمر أسهل، لأني أستطيع أن «ألمس» نقطة الشعور بأني مثلهن «نحن أخوات» يعني عندما أطلب من زميلة أن تتواجد لوقت أطول لا أقول لها «حاجة العمل» بل أقول لها «أنا عارفة انك لازم ترجعي وجوزك يمكن يتضايق، بس جوزي أنا كمان هايزعل مني لكن أنا مضطرة، استحمليني النهار دة»، لكن الرجل لاأطلب منه بهذا الأسلوب بل أقول له «من فضلك نحن نعتمد عليك ونحتاج تواجدك» وبالتالي أثير فيه نقطة الإحساس بالمسئولية والحاجة إليه التي يحب الرجل أن يشعر بها. ولابد في جميع الحالات أن تكون المرأة «قدوة» لا تطلب من زملائها وزميلاتها أن يعملوا إلى وقت متأخر، ثم تتركهم لتعود إلى المنزل. في فترة عملي في البنك، كان مطلوبا من القسم أن «يفرز» العملات، كل عملة على حدة، وهي عملية كانت تستغرق في بعض الأيام إلى العاشرة مساء، لا يمكن أن أتركهم يعملون وأعود أنا إلى منزلي، لأني لو فعلت ذلك، فإن الانطباع الذي أتركه في نفوسهم أن هذا العمل هامشي وبالتالي سوف يتركونه هم أيضا ويعودون إلى منازلهم. شخصية المرأة هل تؤثر القيادة على «شخصية» المرأة؟ السيدة منى جلال تؤكد أن شخصية المرأة تزداد صلابة كلما ازدادت مسئولية، وتتسم شخصيتها بالمزيد من الحزم في المعاملة مع الآخرين، وبالتالي غصبا عنها تكتسب الحزم مع استمرارها في العمل. ولكنها أيضا تؤكد أن هذا التغيير لا يجب أن يمتد إلى علاقتها بزوجها وأبنائها، على الأقل بالنسبة لها، لأنها بطبيعتها كامرأة تريد أن ترتاح من هذه الشخصية الحازمة الشديدة وتعود إلى شخصية «الهانم الرقيقة» المسئولة من رجل والتي ترتاح لدوره في حياتها. أما نجوى سالم فإن منصبها القيادي «فريد من نوعه» فهي احدى أول ثلاث نساء تقلدن منصب «رئيس قرية» في مصر، وهي حاصلة على ليسانس آداب وكانت تعمل موظفة بقسم الإيرادات برئاسة مدينة بني عبيد عندما اختارها المحافظ اللواء مصطفى الشناوي محافظ الدقهلية رئيسا لقرية اليوسيفية. وتقول إنها وجدت أن معظم الشروط المطلوبة لهذا المنصب تنطبق عليها، فتقدمت للدورة التدريبية لرئاسة مركز بني عبيد، لأنها رأت في نفسها الجدارة. وتوكلت على الله، وتقدمت للدورة الشاقة، لكنها أخذتها بشكل جدي، وفي المقابلة الشخصية كانت موفقة. وبعد أسبوعين نجحت واختارت قرية اليوسيفية لأنها أقرب قرية إلى مسكنها. والقرية بها ثمانية آلاف نسمة وبها أربع قرى تابعة، كلها بدون عمدة. وتؤكد أن الجميع له دور في خدمة القرية، طبيب الوحدة وناظر المدرسة، والمشايخ. والواقع أن تقبل الناس لها كان يثير شيئا من القلق داخلها في بداية عملها. وبالفعل، أخذ البعض الأمر بحيادية شديدة، والبعض الآخر علق قبوله للتجربة على نجاحها أو فشلها. وبصفة عامة لم تجد مقاومة حتى من مشايخ الخفر الذين يعملون تحت رئاستها، إذ يأتون إليها بمجرد أن تطلب أيا منهم. ومن المواقف الطريفة التي تعرضت لها أن رجلا جاء يشكو شقيقه الذي قام بعمل حفرة أمام داره، حتى لا يستطيع شقيقه أن يمر بجراره الزراعي، وعلى الفور أرسلت السيدة نجوى سالم في طلب الشقيق، ثم طلبت فني التنظيم بالقرية، وتم حل المشكلة، ولو لم تحل، فإنها كانت ستقوم بعمل محضر للمعترض ورفعه إلى الرئاسة لاتخاذ القرار المناسب. وتؤكد الرئيسة أن زوجها المحامي يدعمها من أول خطوة، لاقتناعه بمشاركة المرأة في المناصب القيادية في القرية، كما تؤكد، وهو أهم جانب في رأيها، أن تولي المنصب لم يؤثر على الاطلاق في أهم أدوارها في الحياة، دورها كزوجة وأم، وتقول: «رغم أن عملي في رئاسة القرية يستوجب أن أكون أول من يجلس على مكتبه وآخر من ينصرف، إلا أني راعيت التنظيم بين عملي ومهامي كزوجة لأن التحدي الحقيقي هو النجاح في العمل.. وفي البيت. وإلا سيجد الرجال ثغرة يقولون من خلالها أن المرأة لا تصلح للقيادة وتولي المناصب العامة لأنها عاجزة عن التوفيق بين عمليها.. في الخارج وفي المنزل. العبء النفسي الأستاذة زينب الباز كبيرة المضيفات السابقة بشركة مصر للطيران تقول إن العبء النفسي على المرأة في مجال العمل بصفة عامة، حتى لو لم يكن موقعها قياديا، كبير، على اعتبار أن معظم العاملين لا يستطيعون النظر إلى المرأة في موقع السلطة بحياد ولا يعتبرون المرأة «قيادة» يجب تنفيذ أوامرها. وهي أيضا نظرة المجتمع بصفة عامة، فنجد أن المرؤوسين من الرجال لا يحترمون رأيها كثيرا، ولا يتبعونه دون مشكلات، كما يخضعون لآراء قائد رجل، حتى المرؤوسات، خاصة في مجتمعاتنا الشرقية، يتعاملن مع المرأة «الرئيسة» كأنها «ضرة» لهن وليس كزميلة تؤدي واجبها أو سيدة ملتزمة بمسئولية يجب أن تؤديها. وإذا كانت المرأة ناجحة، ازداد الوضع سوءا لأنهن في الغالب يستسلمن لمشاعر الغيرة النسائية وينسبن هذا النجاح لعوامل واعتبارات أخرى غير الكفاءة الشخصية وإتقان العمل، وهو ظلم فادح على المرأة أن تتحمل تبعاته النفسية. حتى لو تعاطفت المرأة في موقع القيادة مع شخص، من موقع إحساسها كأم وزوجة بظروف واعتبارات قد لا يهتم بها الرجل الرئيس، فإن هذا التعاطف يحسب ضدها وليس لها، حتى من المستفيدين منه، فيقال إنها لا تتمتع بالحسم الكافي أو أنها ضعيفة لا تصلح للقيادة، وهو ما لا يقال على الرجل إذا أبدى تعاطفا مماثلا لأنه في هذه الحالة يعتبرونه «رجلا شهما يقدر الظروف». المرأة إذن تواجه الكثير من الصعوبات في مجال العمل، والأمر ليس هينا ولا يسيرا عليها بصفة عامة. التربية القيادية الأستاذة الدكتورة عزة كريم أستاذ علم الاجتماع بالمعهد القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية توضح من جانبها أن الوظائف القيادية، وظائف لايستطيع الإنسان أن يمارسها بشكل فجائي، ولكنه لابد أن ينشأ عليها، وعادة ما ينشأ الرجل على الوظائف القيادية بدءا من مسئولية الأسرة، لأنه يتربى فى الأسرة على انه رجل وقائد الأسرة فى المستقبل، وبالتالى فهو منذ لحظة ولادته يتربى على انه سوف يكون قائدا، لأسرة.. لوظيفة.. الخ، وبالتالى يستوعب الرجل هذه الوظيفة بطريقة لا شعورية، ويتسلسل إليها سواء فى الأسرة أو فى العمل بطريقة عادية. وتوضح الدكتورة عزة أن المرأة بدورها عندما تتقلد الوظيفة القيادية، وخاصة فى البداية، يكون لها سلوكيات مختلفة، أولا ولأنها لم تترب على القيادة فإنها لا تتمتع بالمرونة وتكون صلبة جدا وتخاف من المرونة فى استخدام القانون، وتريد إثبات ذاتها وتمحو تاريخها الذى يشير إلى ضعف المرأة وإنها مواطن درجة ثانية، ولأنها تريد أن تثبت أنها قوية وأقوى من الرجل، فهي تصبح أكثر حدة فى التعامل مع الآخرين، مما يؤدى إلى أنها لا تعترف بالمواقف الإنسانية، لا تعترف بالظروف الخاصة بالإنسان، لا تعترف بالمرونة فى استخدام القانون، حتى لا يقال أنها «ضعيفة» كل هذا يجعلها فى منصبها فى حالة توتر دائم، مما يجعل المرؤوسين متضررين ورافضين لهذه القيادة. وتظل المرأة فترة طويلة فى هذا الوضع المتوتر. حتى لو بدأت المرأة تتقن القيادة فإننا نجدها فى أحيان كثيرة تواجه مشكلة هامة وهى كيفية عمل توازن بين قيادتها داخل العمل التى تتطلب، وقتا ومجهودا وفكرا، وحياتها الأسرية التي تحتاج إلى طاقة وجهد ووقت لا يقل عن العمل. وهي مشكلة لا تقابل الرجل في عمله، لأنه حين يتقلد الرجل منصب القيادة لا يشغله إلا عمله بعكس المرأة فهي بجانب مهام المنصب، تتحمل جميع واجباتها المنزلية مما يستنزف وقتها وفكرها. لذلك نجد أن الرجل القائد لديه من الوقت والفكر ما يؤهله لحل معظم إن لم يكن كل المشاكل التى تقابله فى العمل، بخلاف المرأة التى يكون جزء كبير من تفكيرها منصبا على المنزل والزوج والأبناء، فهي لا تستطيع أن تتفرغ ذهنيا للعمل، لأنها لابد مهما وصلت إلى مراكز قيادية ألا تلغى الركن الأسرى من حياتها. وتضيف الدكتورة عزة أن المجتمع مسئول عن هذا التشتت والعبء الواقعين على المرأة ذلك أن المجتمع لم يحاول أن يستوعب القيادات النسائية بحيث يوفر لها الخدمات الكافية التى تجعلهن أكثر تركيزا فى العمل، لكن هناك تعقيدات فى الأسرة، فكل الخدمات فى الأسرة تقوم بها المرأة وهى غير ميسرة لها كما هو الحال فى بعض الدول الأوروبية.. كذلك وقت المرأة محدود، فلا تستطيع المرأة أن تظل طوال النهار فى العمل دون العودة للمنزل، وهناك قيود أخرى على حرية الحركة بالنسبة لها، فهي لا تستطيع أن تكون حرة نفسها فى التحركات بسبب طبيعة نظرة المجتمع لها. تحقيق: سحر سامي