في هذه الأيام تدخل انتفاضة شعبنا الفلسطيني البطل مرحلة حاسمة. فاضافة إلى صنوف القمع والاذلال التي يتعرض لها هذا الشعب والتي تقطع مجرى حياة الفرد الفلسطيني اليومية وتشوش ابسط مهامه، مثل الذهاب إلى العمل والعودة إلى بيته مسالماً، أو مثل اضافة غرفة إلى بيته المكتظ، وزيارة اقاربه في القرية المجاورة، واضافة إلى «التفنن» و«الابداع» الإسرائيلي الميداني في اخراج صنوف القمع إلى حيز التنفيذ بحيث باتت حياة الفرد الفلسطيني رهينة بمزاج الضابط او الجندي ثم اكاذيبه الجاهزة لتبرير جرائمه، اضافة إلى كل هذا ادخلت إسرائيل نهج الاغتيال المباشر للنشطاء والقادة الميدانيين والسياسيين. ولا تقوم إسرائيل بجديد في هذا المضمار. فقد استخدمت هذا النهج في العقود الثلاثة منذ منتصف الستينيات في محاولة لضرب المقاومة الفلسطينية عبر اغتيال قياداتها في بيروت وفي العواصم الأوروبية المختلفة وفي تونس، والآن تعود إسرائيل إلى نفس نهج المواجهة مع الفلسطينيين، ولكن بسهولة اكبر، لأن المدن الفلسطينية معروفة لها وهي قادرة على استخدام تفوقها التقني والعسكري بشكل كامل في ساحتها الخلفية بشكل لا يقارن مع امكانياتها في أوروبا أو تونس أو بيروت. فنحن نتحدث في الواقع عن مناطق محتلة تصول فيها إسرائيل وتجول، والمدن الفلسطينية مكشوفة ليس فقط للطائرة الإسرائيلية وانما حتى للدبابة التي أصبحت تتمركز في اطراف المدينة وإلى جانب بيوتها. علينا ان نفهم جيداً ان هذه العمليات الإسرائيلية ليست سوبرمانية ولا هي دليل على قدرات إسرائيلية خارقة، وان المقصود من هذه العمليات هو بالضبط اشعار الفلسطينيين وقياداتهم بهول القوة الإسرائيلية القادرة على الوصول إلى أي كان، وذلك بهدف تحطيم معنوية الشعب الفلسطيني، ورفع معنويات الشعب الإسرائيلي في الوقت ذاته. فبعد كل عملية كهذه يشعر الفرد الإسرائيلي ان حكومته غير مرتبكة وانها حاسمة وواضحة وصارمة، خاصة بعد ان يتسابق المعلقون الإسرائيليون في «العوم على شبر ماء» من الغرور والصلف ونشر أكاذيب الأجهزة الامنية، دون حد ادنى من المسئولية الصحفية، عن خلفية هذا الاغتيال، وأهمية ذاك، وعدد العمليات الفلسطينية التي احبطها هذا الاغتيال كما يدعي، لتبدو الجريمة خطوة دقيقة سبقها اعداد جهنمي واسرار لا يعلمها، غير الله سبحانه وتعالى، سوى شارون ورئيس الأركان الإسرائيلي. وبعد كل عملية اغتيال من هذا النوع تجري في إسرائيل عملية تقييم علنية يحتاج المرء إلى اعصاب حديدية لمتابعتها في الاعلام ـ فمقابل كل معترض على جدوى هذه العمليات التي تبثها الأجهزة الامنية الإسرائيلية عن خلفية الاغتيالات وتجترها وسائل الاعلام الإسرائيلية بنهم شديد ولذة بالغة، نضطر للاستماع إلى جمهور غفير ومتزاحم من الخبراء والمعلقين والمستمعين الاشاوس الذين يتصلون هاتفياً بوسائل الإعلام لابداء رأيهم العبقري عن ضرورة تكثيف الاغتيالات، وسرعان ما يصل مقدمو البرامج إلى السؤال: «هل تعتقد اذاً انه يجب اغتيال ياسر عرفات»؟ ولا تتأخر الاجابة، فالخبراء مرة اخرى بالمرصاد ينقسمون بين مؤيد ومعارض لا للمبدأ بل للجدوى ـ ليبدأ التنافس من جديد على حق الكلام. وتصل قمة الاحراج عندما يستل الخبير، وكل جنرال سابق، وكل ضابط احتياط هو خبير بالعرف الإسرائيلي، سؤاله السجالي: «وهل لديك بديل لياسر عرفات»؟ أو «وهل تريد ان تتفاوض في النهاية مع حماس»؟ ويفاجيء الخبير المناويء قرينه عندما يقول «نعم لدي بديل»، لتبدأ جولة جديدة من اللغط، لها أول وليس لها آخر. ويبدو انه لا مهرب من هذه القمامة ومن النابشين فيها الذين تغص بهم ساحة الاحتلال الخلفية. ولكن التقييم الاكثر أهمية يتم حيث تتخذ القرارات ولابد ان تدرس هناك آثار هذه الاغتيالات على تماسك الشعب الإسرائيلي وعلى معنوياته، وعلى تماسك القيادة والمجتمع الفلسطيني ومعنوياتهما. والرسالة الوحيدة الممكنة والتي يجب ان يبثها الفلسطينيون شعباً وقيادة بحيث تجلجل ويتردد صداها في كافة أركان وزوايا دولة الاحتلال، ان هذه الاغتيالات قد فشلت في ارهاق القيادة الفلسطينية، أو استنزافهما، كما انها فشلت في احداث أي نوع من التآكل في ارادة الشعب الفلسطيني وتوقه للحرية والاستقلال. فقط عند بث مثل هذه الرسالة ومثل هذا المزاج السياسي بصدق وباصرار تتقزم وقاحة وزير الأمن الإسرائيلي بن اليعازر، وهو يوجه نداءه المغرور إلى القيادة الفلسطينية بلهجة تجاوزت في تعاليها وصلفها كل الحدود: «يا ابا عمار لن يمسك احد، أنا شخصياً سأكفل سلامتك، لا تخف، ولكن قد شعبك إلى السلام»!! يتمم هذا التوجه الوقح سياسة الاغتيالات ـ العصا تتبعها الجزرة، القتل تتبعه تهدئة الروع بافتراض ان هنالك من خاف من القتل، والمحقق الشرير يتبعه المحقق الهاديء والمسالم الذي يحاول ابتزاز الاعتراف من المعتقل بالحسنى خوفاً من ان يعود المحقق الشرير للضرب. ليست إسرائيل في وضع المحقق ولا الشعب الفلسطيني في وضع المعتقل، وهنا يصح بعض التعالي الفلسطيني على هؤلاء المحتلين الذين اعماهم الغرور وافهمهم ان القيادة الفلسطينية لا تحيا بفضل منهم وان من اختار طريق النضال بمحض ارادته الحرة يملك سلاحاً تتضاءل امامه كل الأسلحة وهو عدم الخوف الناجم عن حرية الاختيار، اختيار طريق الكرامة على ارض الوطن. في هذه المرحلة الحاسمة لا تختبر فقط قدرة الشعب الفلسطيني على الاحتمال، بل تختبر أيضاً قدرة الشعوب العربية على التضامن، كما يختبر صبر النظام الرسمي العربي، وتختبر الطاقة الإعلامية العربية. وإسرائيل لا تطلق الاشاعات والاشاعات المضادة جزافاً. فبن اليعازر يؤكد بوقاحة انه يريد الحديث مع القيادة الفلسطينية الحالية، وشارون يحاول اقناع الولايات المتحدة «في اشاعة مضادة» ان تتخلى عن هذه القيادة ليسهل عليه ضربها، تصعيد زاحف ومستمر في القمع، واثارة اشاعات عن اجتياح قادم ـ ويخطيء العرب اذا كانت الاستراتيجية الوحيدة في جعبتهم هي ردود الفعل على هذه الاشاعات، المهم هو ما يجري على الارض. وما يجري هو معركة صمود وتصدي، ولابد من توفير عناصر هذا الصمود فوراً وبدون تأجيل. لم يأخذ القمع الإسرائيلي عطلة في شهر أغسطس القائظ، بل ازداد حدة ووطأة على الناس ـ لأن أوروبا في عطلة والرأي العام في عطلة ـ فهل خرج الضمير العربي والموقف العربي إلى عطلة صيفية أيضاً، هل صيّف العرب؟. اذا كان شارون يعود من تركيا، وهي حليفة استراتيجية لإسرائيل قبل وبعد زيارته، دون اقناعها بوجهة نظره ونهجه في التعامل مع الشعب الفلسطيني، فهذا يعني ان هنالك مجالا للتأثير والعمل على محاصرة شارون. واذا وجدت حتى تركيا من المناسب التعبير عن بعض التحفظات على سياسة إسرائيل ولو لغرض العلاقات العامة، وتركيا ليست فقط حليفة لإسرائيل، بل هي سيئة الصيت في تعاملها مع الاكراد ومع شعبها، فهذا يعني ان هنالك الكثير ما يمكن القيام به دولياً، ولا يتم القيام به ـ وهنالك مجال اكبر للتأثير حتى في ميزان القوى المقبل. عناصر الصمود قائمة ويجب تفصيلها.