يرتبط مصير مدينة بيشاور الباكستانية الى حد بعيد بالعاصمة الافغانية كابول التي تصطلي بنيران الحرب الأهلية منذ سنوات. وليس بمقدور احد فك هذا الارتباط بين المدينتين لعوامل عديدة تدخل فيها الجغرافيا ويدخل التاريخ ايضاً. إن كل طلقة أو قذيفة في حرب الاخوة الأعداء الدائرة بلا انقطاع يتردد صداها بقوة في هذه المدينة الباكستانية الحدودية. وقد اكتسبت بيشاور شهرتها الدولية في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي عندما قامت القوات السوفييتية بغزو افغانستان. ويتذكر سكان المدينة حتى الآن ما حدث بعد ثلاثة أسابيع فقط من بداية الغزو السوفييتى الشيوعى لافغانستان عندما تدفق نحو 500 صحفى من شتى أنحاء العالم على بيشاور لتغطية وقائع الحرب الافغانية انطلاقا منها. ومع تصاعد الحرب الافغانية تدفق الالاف من اللاجئين الافغان على باكستان المجاورة واختار أغلبهم الاقامة فى مدينة بيشاور التى تعد أقرب المدن الباكستانية لافغانستان بسبب التشابه الكبير على مستوى الثقافة فضلا عن أن سكانها يتحدثون بلغة الباشتو وهى نفس اللغة التى يتحدث بها الباتان الافغان كأغلبية سائدة فى بلادهم. فى بداية سنوات الغزو السوفييتى لافغانستان كان أغلب اللاجئين الافغان فى بيشاور من البسطاء الذين يعانون من الامية.. ومع انسحاب القوات السوفييتية فى نهاية الثمانينيات من القرن العشرين وامساك المجاهدين الافغان بزمام الامور فى العاصمة كابول التى تخضع منذ عام 1996 لحكم حركة طالبان « بات أغلب اللاجئين الافغان فى بيشاور ينتمون لشرائح متعلمة ترفض حكم طالبان التى تسيطر على نسبة تتجاوز تسعين فى المئة من الاراضى الافغانية. واذا كان أغلب اللاجئين الافغان فى بيشاور من الباشتو أو الباتان فإن بعض هؤلاء اللاجئين ينتمون أيضا لمجموعات عرقية أخرى فى افغانستان هى الاوزبك و الطاجيك. وعلى مدى العقدين الاخيرين اللذين استمرت فيهما الازمة الافغانية لم تنعم بيشاور بالسلام والاستقرار لانها لاتبعد عن خط الحدود الباكستانية ـ الافغانية اكثر من 35 ميلا ثم أنها تقع على مسافة 200 ميل من العاصمة الافغانية كابول. وفى ذروة الحرب الافغانية تحولت مدينة بيشاور بامتياز الى مركز دولى للمغامرين والصحفيين والدبلوماسيين والجواسيس ورجال المخابرات وتجار الاسلحة ومهربى المخدرات فضلا عن المنظمات التى رفعت لافتات انسانية وجاءت بدعوى مساعدة اللاجئين الافغان. ومازالت هذه المدينة الباكستانية التى كان يتخذها الملوك السابقون لافغانستان منتجعا فى أشهر الصيف يغلب عليها الطابع القبائلى فيما تشهد الحدائق القديمة والاسواق العريقة والمساجد الجليلة والطرز المعمارية الاسلامية الرائعة على ايام عز ومجد عاشتها بيشاور وباتت جزءا من ذكريات غالية لهذه المدينة العتيقة. ولقد وجدت الحكومة العسكرية الباكستانية للرئيس الراحل ضياء الحق فى الازمة الافغانية فرصة ذهبية لتكريس حكمها فى باكستان فيما لم تجد الولايات المتحدة التى يحلو لها التفاخر بأنها « زعيمة العالم الحر» أدنى حرج فى مساندة نظام ضياء الحق مادامت هذه المساندة ستساعد فى تحقيق الهدف الامريكى فى «استنزاف الدب الروسى فى زمن الحرب الباردة والصراع الكبير بين المنظومتين الرأسمالية والشيوعية. واستقبلت بيشاور أفواجا تلو الافواج من البشر القادمين من اصقاع بعيدة معلنين عن رغبتهم فى «الجهاد» ضد الغزو السوفييتى لافغانستان فيما تلقفت المخابرات الامريكية هؤلاء «المجاهدين » وقدمت لهم التدريب الراقى على حرب العصابات والقتال الشرس داخل المدن قبل ان تدفع بهم الى افغانستان المجاورة. ورغم انتهاء الغزو السوفييتى لافغانستان منذ سنوات بعيدة وانهيار الاتحاد السوفييتى ذاته فى مطلع التسعينيات من القرن العشرين.. فمازال بعض «المجاهدين» يتمركزون فى بيشاور ليتحولوا الى جزء من ازمة المدينة التى استحقت ان توصف بأنها ضحية للحرب الافغانية. فالازمة الافغانية المزمنة تركت بصماتها السلبية على بيشاور القريبة للغاية من أفغانستان والمتأثرة بشدة بكافة المتغيرات على الساحة الافغانية ابتداء من الغزو السوفييتى.. ومرورا بانسحاب قوات الغزو وسقوط النظام الشيوعى للرئيس الافغانى نجيب الله وانقسامات جماعات المجاهدين والحرب المستمرة بين حركة طالبان الحاكمة فى كابول والتحالف الشمالى الذى يقوده الرئيس الافغانى المخلوع برهان الدين ربانى ووزير دفاعه أحمد شاه مسعود. كل متغير من هذه المتغيرات وغيرها على الساحة الافغانية كان يعنى فى أغلب الاحوال ضخ المزيد من موجات اللاجئين الافغان لمدينة بيشاور. واذا كان عدد اللاجئين الافغان فى مطلع الثمانينيات من القرن الماضى ببيشاور بلغ نصف مليون لاجيء فان هذه المدينة وضواحيها تختص الان بالنصيب الاكبر من نحو مليونى لاجيء أفغانى فى باكستان لتتحمل بذلك أغلب الاعباء الناجمة عن هذا الوجود الكثيف للاجئين الفارين من الحرب الاهلية والجفاف القاسى فى بلادهم. ولئن استمعت لاحد أبناء بيشاور ستجده يشكو لك بمرارة من الاعباء الناجمة عن وجود أكثر من مليون لاجيء أفغانى فى هذه المدينة وضواحيها ويعدد السلبيات بدءا من أزمة خانقة فى الاسكان ومرورا باختناقات المرور وانقطاع التيار الكهربى بسبب زيادة الضغط والاحمال وتصاعد التلوث وقلة امدادات المياه واستشراء البطالة وتفشى الجرائم بأنواعها المتعددة. لقد تحولت بيشاور « التى كان يضرب بها المثل فى النظافة والجمال وانتشار الورود والحدائق الانيقة » الى مدينة تعانى من تلوث رهيب وضوضاء فظيعة حتى باتت بعض مناطقها غير صالحة للسكني بالمعايير الانسانية المتعارف عليها. ومن أول وهلة يمكن للعين الفاحصة أن ترى ضحايا الحرب الافغانية فى مدينة بيشاور وأن تسمع الاذن الكثير من القصص المؤلمة عن ضحايا انفجارات القنابل التى أسفر احدها منذ فترة غير بعيدة عن مقتل 60 طفلا فى مدرسة على مشارف المدينة. بيشاور التي يبلغ عمرها حوالي ألفي عام تموج بضحايا الحرب الأفغانية وبالآلاف من اللاجئين الذين يتدفقون عليها. كانت بيشاور ولا تزال بمثابة المرصد الدولى للحالة الافغانية وحتى الان يقصد المعنيون بالاوضاع داخل افغانستان هذه المدينة ذات الموقع الحاكم على شبكة من الطرق بين جنوب غرب القارة الآسيوية وبين آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية.. ولعدة قرون من الزمان كانت بيشاور مركزا تجاريا تمر به قوافل التجارة على طريق الحرير التاريخى مابين ايران وافغانستان وروسيا والصين. ومع أن سوق قيس خوانى وهو أكبر أسواق وبازارات بيشاور قد اشتهر بالمنجمين والعرافين ورواة السير والملاحم فان أيا منهم يعجز عن قراءة طالع بيشاور بدقة لا لشيء الا لكون مصير هذه المدينة الحدودية الباكستانية مرتبط بالحالة الافغانية بكل تشابكاتها الاقليمية والدولية ومتغيراتها الحادة التى لاتصمد أمامها قدرة أى عراف أو منجم مهما ذاعت شهرته.. لتبقى بيشاور الى أجل غير مسمى «ضحية للحرب الافغانية». أ.ش.أ